ترجماتشؤون عربية

ستراتفور: مصر تستعيد دورها الإقليمي بعد سنوات من الاضطراب

دور مصر كقوة وسط منحها ميزات كبيرة

ترجمة كيو بوست عن مركز ستراتفور للدراسات الأمنية والإستراتيجية

بقلم الخبيرة الأمريكية إيميلي هاوثورن

“بعد سنوات من تركيزها على شؤونها الداخلية لتحقيق استقرار اقتصادي سياسي، تشعر مصر اليوم بثقة كافية لتؤكد نفسها كممثل إقليمي قوي محوري. تركز القاهرة في المقام الأول على الحفاظ على قيادتها للنيل والبحر الأحمر وشرق البحر الأبيض المتوسط والصحراء الشرقية، وتعمل بشكل متنام على مزاحمة قوى إقليمية أخرى تنافسها على النفوذ والتأثير. إن أهمية مصر كقوة إقليمية إستراتيجية تزيد من قيمتها بالنسبة لقوى أكبر مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين التي تسعى إلى تحقيق أهداف متنافسة في الشرق الأوسط”، هذا ما خلصت إليه “هاوثورن” في مقالتها.

اقرأ أيضًا: كيف يمكن تنمية رأس المال البشري المصري؟ مجلة أوروبية تجيب

إن الممر المائي الذي يربط بين البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر، الذي يوفر طريقًا عماليًا مختصرًا للنقل البحري، يؤكد على موقع مصر الإستراتيجي الهام للغاية. لكن السيطرة على ممر هام لم تكن كافية على مدار السنوات القليلة الماضية لمواجهة أهمية القاهرة المتدنية على المسرح العالمي. وفي حين أن أهمية مصر في النظام العالمي الحالي قد تكون موضع جدل، إلا أن دورها المحوري في المنطقة غير متنازع عليه. وعلى مر السنين القليلة المنصرمة، وبشكل متقلب، تزايدت وتراجعت رغبة القاهرة في إقحام نفسها في الشؤون الإقليمية؛ اعتمادًا على حجم استقرارها الداخلي. ومع ذلك، وبعد سنوات من الفوضى السياسية التي أعقبت ما يسمى الربيع العربي، استقرت السياسات الداخلية في مصر، واستعدت البلاد لاستعادة دورها الإقليمي الرائد.

وفي ظل هذا النهج المتجدد، يناقش البرلمان المصري حدود الفترة الرئاسية القانونية، وهي علامة واضحة على ثقة الحكومة وتحصنها ضد التحديات الداخلية. علاوة على ذلك، عاد الاقتصاد إلى مساره الصحيح، بينما استقرت مؤشرات الاقتصاد الكلي مع قرب الانتهاء من برنامج صندوق النقد الدولي الطموح الذي دام لـ3 سنوات. وبكلمات أخرى، بعد أن ركزت القاهرة خلال العقد الأخير على الشؤون الداخلية، أصبحت البلاد الآن في وضع يمكنها من العودة إلى دورها التاريخي كقوة بارزة.

 

نقاط القوة المصرية الإقليمية والعالمية

لقد عملت مصر خلال معظم تاريخها الحديث كقوة إستراتيجية وسطى في الشرق الأوسط، تشارك أو تتوسط في العديد من الصراعات، وتوفر دعمًا دبلوماسيًا لحلفائها الساعين إلى الاستفادة من ثقل البلاد. تحتل مصر موقعًا محوريًا في العالمين العربي والإسلامي، مع خط ساحلي واسع على طول 3 ممرات رئيسة، هي البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط ونهر النيل. كما تتمتع القاهرة بأكبر قوة عسكرية عربية، تشمل بحرية كبيرة وفيلقًا دبلوماسيًا متطورًا جدًا. وبرغم أن بعض الدول المجاورة استطاعت البروز في الدبلوماسية العامة خلال السنوات الأخيرة، إلا أن الحكومة المصرية لعبت دور الزعامة الإقليمية حتى قبل تأسيس تلك الدول. ومن الناحية الثقافية، تعد مصر –البلد العربي الأكبر من ناحية التعداد السكاني– بمثابة محكّ الذهب في العالمين العربي والإسلامي. وعلى سبيل المثال، لا الحصر، هنالك اعتراف واسع النطاق بأن الأزهر مركز عالمي للتعليم الإسلامي السني.

اقرأ أيضًا: أوروبا ومصر: الاستثمار في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والنمو الشامل

وبالطبع، فإن أهمية مصر كقوة وسط في المنطقة تؤثر في كيفية ارتباطها بالعالم الأوسع. لقد استفادت مصر الحديثة من نفوذها الإقليمي من أجل انتزاع فوائد من القوى العالمية التي تناضل من أجل الهيمنة. إن انتقال مصر العنيف من حكومة ملكية إلى جمهورية عام 1952 هو مثال كلاسيكي على هذه الديناميكية. في ذلك الوقت، وجدت البلاد نفسها في موقع فريد للاستفادة من توترات الحرب الباردة المتنامية بين الشرق والغرب، فعملت بدايةً على الموازنة ما بين المملكة المتحدة والاتحاد السوفييتي، ثم وازنت ما بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. هذا الأمر أكسب البلاد مساعدات عسكرية واقتصادية كبيرة، بالإضافة إلى دعم دبلوماسي من جميع الأطراف؛ إذ لم تكن هناك قوة عالمية مستعدة للابتعاد عن القاهرة والمخاطرة بفقدان إمكانية الوصول إلى قناة السويس، أو القوة العسكرية المصرية وسوقها الاستهلاكية الكبيرة.

واليوم، تواصل مصر هذا التوازن، وتتلقى أكثر من مليار دولار سنويًا من المساعدات العسكرية الأمريكية، وفي الوقت ذاته، تشتري معدات عسكرية روسية وتستكشف تطوير الطاقة النووية مع موسكو. علاوة على ذلك، تقوم الصين بضخ أموال طائلة للاستثمار في القاهرة مع تركيزها على سوق القاهرة الاستهلاكية وبيئتها التصنيعية، وذلك من أجل ضمان سهولة الوصول إلى البحر الأحمر وقناة السويس، في إطار مبادرة الحزام والطريق. ومع ظهور مصر كلاعب إقليمي ذي ثقة متنامية، ستجد هذه القوى الثلاث نفسها في تنافس دائم لكسب الاهتمام المصري.

 

استقرار الجبهة الداخلية

لقد شكلت احتجاجات الربيع العربي لحظة حاسمة للتفاؤل الديمقراطي في مصر، قبل أن يصعد الإخوان المسلمون إلى كرسي الحكم. وفي أعقاب احتجاجات شعبية واسعة عام 2013، تدخلت المؤسسة العسكرية لإنقاذ البلاد من فترة مخيفة تحت حكم محمد مرسي. ومع مجيء الرئيس عبد الفتاح السيسي عام 2014، تمكنت القاهرة من تهدئة المياه السياسية المضطربة بكل مهارة، ما منح السيسي فترة رئاسية ثانية عام 2018 بكل سهولة.

اقرأ أيضًا: نظرة إلى العاصمة الإدارية المصرية: إحصائيات وأرقام

وبعد نجاحه في القضاء على التوترات السياسية الداخلية، تمكن السيسي من تحسين اقتصاد مصر الهش، برغم تحدياته القائمة التي تجعل الاقتصاد نقطة ضعف البلاد بشكل عام. وهذا بالطبع يفتح الباب أمام الحديث عن مشاكل داخلية متعددة، أبرزها الديون، والفاتورة الضخمة من الأجور العامة، والاعتماد على المعونات المالية ونضال الحكومة للحد منها، وارتفاع معدلات البطالة، والنظام التعليمي الضعيف.

ولكن على مستوى الاقتصاد الكلي، فإن الاقتصاد المصري ظهر أقوى مما كان عليه الحال منذ سنوات، ويرجع ذلك جزئيًا إلى التزام القاهرة ببرنامج صندوق النقد الدولي. وقد حققت البلاد أعلى مستويات نمو خلال عقد من الزمن، وأكبر استثمار أجنبي مباشر مقارنة بجميع الدول الإفريقية في عام 2018، فضلًا عن ارتفاع أعداد السياح بشكل لافت. إن التقدم الذي تحرزه القاهرة في استقرار اقتصادها ونظامها السياسي الداخلي يعني أنها مرتاحة بما يكفي لاستئناف دور أكثر فاعلية كوسيط وزعيم في بعض الصراعات الإقليمية.

 

الوصول إلى الخارج مرة أخرى

في حين أن مصر بدأت بلعب دور أكثر حزمًا في المنطقة، لا يزال تركيزها منصبًا على حماية مركزها الأساسي في نهر النيل والدلتا. وقد سعت البلاد العام المنصرم إلى تخفيف حدة التوتر مع جيرانها الجنوبيين مثل السودان وإثيوبيا حول سد النهضة الكبير على نهر النيل. وبالطبع، تسعى القاهرة اليوم إلى إيجاد حلول تضمن الوصول المصري إلى ما يكفي من المياه للري والشرب.

أما الأولوية الثانية بالنسبة لمصر فهي الدفاع ضد التطرف، الذي ينبثق من مساحات شاسعة من الصحراء على جانبي النيل. فعلى سبيل المثال، شكلت جارتها الغربية ليبيا نقطة ساخنة للتطرف، فشرعت القاهرة بمحاربة الميليشيات في شرقي ليبيا بغرض وقف التطرف النازف من الحدود الليبية – المصرية المليئة بالثغرات. وفي غزة، حرصت القاهرة على التعامل بشكل غراماتي مع حماس بغرض تعزيز الأمن في شبه جزيرة سيناء، بعد أن كانت مشاركاتها متدنية في السنوات القليلة الماضية. كما أصبحت مصر طرفًا أساسيًا في الوساطة بين الفصائل الفلسطينية المتناحرة. وحتى في المناطق غير المجاورة لمصر، اهتمت القاهرة في العمل على استقرارها عبر لعب دور أساسي في القضاء على ظاهرة التطرف.

وفي سعيها إلى إعادة تأكيد نفسها كقوة محورية إقليمية، أصبحت مصر لاعبًا رئيسًا في الدفاع عن النفط والغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط، إذ منحت الاكتشافات الأخيرة القاهرة آمالًا للعثور على المزيد من الهيدروكربونات.

اقرأ أيضًا: عودة الدور المفقود لمصر

وانطلاقًا من حرصها على توفير أكبر قدر من أمن الطاقة، وتمكين قطاع الصناعات بشكل أفضل، سعت القاهرة بعناية إلى التوفيق ما بين اليونان وقبرص، والاجتماع بجيرانها المتوسطيين في مؤتمرات قمة طوال العام المنصرم. وبالنظر إلى توافقها مع اليونان وقبرص، وكذلك إسرائيل وإيطاليا، أصبح الموقف المصري قويًا في مواجهة تركيا التي تنافس على اكتشافات النفط والغاز المستقبلية في شرق البحر الأبيض المتوسط؛ فالخطوط الإقليمية تتداخل في كثير من الأحيان. وبالطبع، جرى إحراز كل هذا النشاط في مجال التأثير والنفوذ تحت إشراف الرئيس السيسي.

وفي الختام، يمكن القول إن مصر عادت إلى مسارها الصحيح بعد سنوات من الاضطراب، وليس من المستغرب أن نجد القاهرة لاعبًا محوريًا على الساحة العالمية وليس الإقليمية فحسب. وبالنظر إلى التوجهات المصرية الحالية السياسية والاقتصادية، يتنبأ الكثيرون بنفوذ وتأثير مصريين غير مسبوقين.

 

المصدر: مركز ستراتفور للدراسات الأمنية والاستراتيجية

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة