الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

سبارتاكوس.. العبد الذي انقلب على عبوديته

كيوبوست – مدى شلبك

تتواصل الاحتجاجات في المدن الأمريكية ضد العنصرية تجاه الأقليات العرقية، بعد مقتل جورج فلويد -من أصول إفريقية- على يد عنصر من رجال الشرطة.. إلا أنها ليست المرة الأولى، فإن الاضطهاد المتمثل في العبودية سابقاً، والتي عاناها الأفارقة في أمريكا، مرت بسلسلة طويلة من المحاولات لإنهائها، في حين بقيت رواسبها العنصرية موجودة إلى يومنا هذا، وآخرها كان مقتل فلويد أمام عدسات الكاميرات على يد شرطي أبيض، وبدم بارد.

ومع ذلك، فإن تاريخ العبودية سابق لتاريخ أمريكا، والثورات ضدها أبعد من ذلك أيضاً، ولعل أبرزها “ثورة العبيد الثالثة” التي قادها سبارتاكوس في الإمبراطورية الرومانية، والتي سلكت وسائل مختلفة عن المظاهرات السلمية التي نشاهدها اليوم عبر الشاشات.

مَن هو سبارتاكوس؟

على عكس الاعتقاد السائد بأن العبودية مقرونة بأصحاب البشرة السوداء فقط، فإن سبارتاكوس كان عبداً أبيض. ولد سبارتاكوس في منطقة تراقيا جنوب البلقان، وعندما غزاها الرومان سبوا سكانها، وكان منهم سبارتاكوس وزوجته؛ حيث تم بيعه لمالك مدرسة مصارعة شمال نابولي، يدعى لينتولوس باتياتوس؛ لأنه امتلك قوة بدنية فريدة.

في مدرسة المصارعة لاقى سبارتاكوس، كغيره من العبيد، معاملة قاسية؛ الأمر الذي دفعه للتمرد على عبوديته عام 73 قبل الميلاد، عندما قرر مع نحو 78 مصارعاً من زملائه، الهرب من مدرسة المصارعة؛ حيث قاموا باقتحام مطبخ المدرسة، واستولوا على السكاكين كأداة للدفاع عن النفس، واشتبكوا مع آسريهم، وبعد تمكنهم من الخروج أخذوا أسلحة وجدوها في المخازن وانطلقوا في رحلتهم. وكان جبل فيزوف القريب محطتهم الأولى.

تمثال سبارتاكوس

الجولة الأولى: بأغصان الكروم

تمثلت خطة سبارتاكوس في التوجه شمالاً؛ ليعود بعدها كل مسبيّ فيهم إلى بلاده. وكبداية للقرار الذي اعتزموه، ومع وصولهم إلى المحطة الأولى، جبل فيزوف، انتخب الفارُّون سبارتاكوس قائداً لتمردهم الذي أطلق عليه “ثورة العبيد الثالثة” (73-71 قبل الميلاد)، وإلى جانبه المصارعان أوناميوس وكريكسوس.

بعدها شرع سبارتاكوس وزملاؤه في نهب المناطق التي قدموا إليها. وعلى قانون المشاعية البدائية، قسَّم الغنائم بشكل متساوٍ على المنتسبين إلى التمرد، الذين أخذت أعدادهم في التزايد تدريجياً، بالتزامن مع ذيوع الأخبار حول الثورة، فقد أخذ العبيد في الهرب من أماكن وجودهم القسري في الإمبراطورية الرومانية، والانضمام إلى سبارتاكوس ورفاقه.

ولمواجهة التمرد اعتبر مجلس الشيوخ الروماني، على ما يبدو، أن الحراك الذي يقوده سبارتاكوس لا يحتاج إلى جهد عظيم لردعه؛ لذلك تم إرسال قوة من جنود بتدريب متواضع، بقيادة القائد العسكري كلاوديوس غلابر؛ لإنهاء الشغب.

جبل فيزوف

ونتيجة لانخفاض سقف التوقعات من قِبل مجلس الشيوخ، كانت الصفعة؛ حيث تمكن سبارتاكوس ورفاقه الذين وصل عددهم إلى 70000، من كسر الحصار الذي فرضته عليهم القوة الرومانية بغية تجويعهم، عندما استعانوا بأغصان الكروم المزروعة هناك، ليصنعوا منها سلالم مكنتهم من بلوغ منطقة استخدموها كثغرة عندما أغفلها غلابر، معتبراً أن إدراكها صعب؛ فمنها (أي من هذه الثغرة) هاجم سبارتاكوس ورفاقه المتمردون القائدَ الروماني وجنودَه، وهزموه واستولوا على أسلحة المعسكر.

الجولة الأخيرة: الهزيمة

بعد المواجهة الأولى، أخذ مجلس الشيوخ الروماني جيش سبارتاكوس على محمل الجد، وبين الجولتين الأولى والأخيرة هزم سبارتاكوس الجيش الروماني عدة مرات، خلالها نهب إمدادات الجيوش التي استولى عليها، وأموال القرى التي حل بها، إلا أن المواجهة الأخيرة كانت حاسمة، فقد اضطر سبارتاكوس إلى تغيير مسير جيشه إلى الجنوب، والذي أصبح تعداده يُقدر بنحو 120000 فرد من المشاة حينها، بدلاً من إكمال الطريق شمالاً.

اقرأ أيضاً: تونس أول دولة ألغت العبودية.. ما واقع “الاتجار بالبشر” فيها اليوم؟

بينما عُيِّن الجنرال الروماني ماركوس ليكينيوس كراسوس، قائداً لجيش يقدر قوامه بـ 32000 جندي، مكلف بالقضاء على سبارتاكوس ورجاله. حاصر كراسوس جيش سبارتاكوس، معتمداً قطع الإمدادات كأسلوب لتحطيمه، بينما نفذ سبارتاكوس تكتيكات حرب العصابات؛ لمضايقة القوات الرومانية. أما مجلس الشيوخ الروماني الذي لم ترضِه تحركات كراسوس التي لم تتسم بالسرعة، فاستعان بالجنرال الشهير بومبي؛ ما دفع كراسوس لتكثيف هجماته. من جهته حاول سبارتاكوس استغلال جميع الفرص، محاولاً اللعب على المنافسة الحاصلة بين الجنرالات، وطرح شروطاً للتفاوض؛ لكنها رُفضت.

وعندما نفدت السبل كافة، اتجه وجيشه إلى المعركة وقُتل في ساحتها. صُلب 6000 رجل من أتباع سبارتاكوس، وبقيت أجسادهم مصلوبة على طول طريق أبيان من روما إلى كابوا (شمال نابولي)؛ كعبرة لكل شخص يفكر في التمرد؛ لتظهر تلك الصورة المأساوية بعد نحو ألفي عام، في قصيدة الشاعر المصري أمل دنقل “كلمات سبارتاكوس الأخيرة”: “مُعلّق أنا على مشانق الصباح وجبهتي -بالموت- محنية لأنني لم أحنها.. حيَّة!”

اقرأ أيضاً: هل تنتهي العبودية في موريتانيا قريباً؟

مات سبارتاكوس؛ لكن بقي أثره غائراً في تاريخ التحرر من العبودية والاضطهاد، حيث تمكن من تحويل مئات العبيد إلى جيش أصبح نداً للإمبراطورية التي كانت سبباً في عبوديته.

وترك سبارتاكوس أثره في الأعمال الفنية والروائية؛ حيث كان ملهماً للثورات ضد الاستبداد والفساد؛ كالثورة الفرنسية، وحركات التحرر من الاضطهاد، وأيضاً للعديد من الفنانين والأدباء؛ ولعل أهم الأعمال التي خلدت ذكراه هو تمثال سبارتاكوس الذي نحته الفنان الفرنسي دينيس فوياتير عام 1830.

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة