الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

ساحل العاج.. الحرب على الإرهاب من خلال التنمية

تعمل حكومة ساحل العاج على تطوير خطة لمعالجة البطالة في شمال البلاد للحد من تجنيد الشباب في التنظيمات المتطرفة

كيوبوست- عبدالجليل سليمان

مع إعلان رئيس وزراء ساحل العاج، غربي إفريقيا، باتريك أشي، الأسبوع الماضي، إطلاق خطة مساعدات اجتماعية واسعة للشباب العاجي الذين يعيشون في المناطق الحدودية بين بلاده وجارتَيها مالي وبوركينا فاسو؛ لإنقاذهم من الوقوع في براثن الجماعات الجهادية التي تسعى إلى تجنيدهم بين صفوفها، تكون أبيدجان قد وضعت خطوتها العملية الأولى على طريق مقاومة الحركات الإرهابية في منطقة الساحل وغرب إفريقيا، بمناهج غير تقليدية.

اقرأ أيضاً: الصحراء تغدر بـ”الصحراوي”.. زعيم “داعش” في الصحراء الكبرى يتبدد في سرابها

يعترف أشي، ضمنياً، بذلك؛ إذ قال خلال تصريحات له، في يونيو من العام الماضي، من بلدة توغبو الواقعة على حدود بوركينا فاسو: “نعلم جميعاً أن السبب العميق لاستفحال الأزمات وحالة عدم الاستقرار في قارتنا هو البطالة التي تدفع بعض الشباب اليائسين، بفضل الإغراءات التي تُقدَّم لهم، إلى الانخراط في الحروب العبثية أو القيام بأعمال تزعزع الاستقرار”.

وكانت البلدة شهدت في نفس الشهر هجوماً بعبوة ناسفة على سيارة تابعة للجيش العاجي؛ ما أسفر عن تدميرها، بينما لقي ثلاثة جنود ممكن كانوا على متنها، مصرعهم.

محاربة الإرهاب عبر التنمية

مشهد من أعمال تنمية البنية التحتية في شمال ساحل العاج- وكالات

تعمل حكومة ساحل العاج على تطوير خطة لمعالجة البطالة في شمال البلاد، تتضمن عقود عمل في الأشغال العامة والتأهيل الصناعي، وستشجع وتطرح أنشطة لتوليد الدخول.

وتبلغ الميزانية المخصصة لتنفيذ الخطة التي تستوعب 19 ألف شاب ينتمون إلى 6 مناطق، 8,6 مليار فرنك إفريقي؛ بما يعادل (13 مليون يورو) ستغطي الدولة 75 في المئة منها، بينما ستأتي نسبة 25 في المئة من خطة خفض الديون التعاقدية والتنمية، المبرمة مع وكالة التنمية الفرنسية، وهذا ما وصفه رئيس الوزراء بمحاربة أفعى الإرهاب من خلال تضافر الجهود التنموية والعسكرية.

اقرأ أيضاً: تركيا وإفريقيا.. “فوبيا غولن” تحوِّل سفارات أنقرة إلى مراكز تجسس

ويعاني الشريط الحدودي الشمالي من ساحل العاج المتاخم لجمهوريتَي مالي وبوركينا فاسو؛ خصوصاً منطقة توغبو، نشاطاً إرهابياً مُتنامياً؛ حيث شهد في الآونة الأخيرة العديد من الهجمات الجهادية العامَين الماضيَين.

خاصرة رخوة

أمادو كوفا زعيم كتيبة ماسينا- “أف ب”

وفي السياق ذاته، يقول عبدالله جرمة، الباحث السياسي في شؤون غرب إفريقيا، لـ”كيوبوست”: إن الشريط الحدودي الشمالي لساحل العاج، لطالما اُعتُبِر الخاصرة الرخوة التي تنفذ من خلالها، ليس العمليات الجهادية فحسب؛ بل حتى العصابات الإجرامية التي تنشط في تهريب السلع والمخدرات والبشر، إلى حد أنه ظل لسنوات طويلة خارج سيطرة الحكومة، بيد أن يونيو 2020، شهد الموجة الأولى من الهجمات المنظمة من قِبل الجماعات الجهادية، انطلاقاً من منطقة بونكاني على حدود بوركينا فاسو، حيث قُتل 18 جندياً عاجياً، قبل أن تتوالى الهجمات تباعاً؛ لا سيما في كافولو وكولوبوغو، إلى أن تمددت إلى توغبو، منتصف عام 2021.

عبدالله جرمة

يشير جرمة إلى أن تكتيكات واستراتيجيات المجموعات الجهادية المتمثلة بشكل رئيسي في جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وتنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى، اعتمدت على الهجمات المباغتة المتتالية على معسكرات أو قوافل متحركة للجيش والشرطة، وإيقاع أكبر خسائر ممكنة بينها؛ من أجل بث الرعب وتدمير الروح المعنوية لمنسوبي الأجهزة الأمنية وإخافة المواطنين وتحفيز الشباب على الانضمام إليهم، وقد نفذت مجموعة صغيرة من كتيبة ماسينا الموالية لـ”القاعدة”، بقيادة المالي أمادو كوفا، عن طريق وكيلها في ساحل العاج عبدالرحمن سيدي بيه؛ الملقب بحمزة، هجوماً قوياً عام 2020، استهدف معسكراً للجيش العاجي ومركزاً للشرطة في بلدة كافولو، أسفر عن مقتل 14 من منسوبي الجيش والشرطة.

اقرأ أيضاً: هل يصنع “طباخ بوتين” من ثروات إفريقيا طبقاً روسياً شهياً؟

يضيف جرمة، في حديثه إلى “كيوبوست”: نجحت هذه الاستراتيجية في نشر الهلع بين الجنود غير المدربين جيداً على مقارعة مثل هذه الهجمات المباغتة والخاطفة.

 في الواقع، يستطرد جرمة، تقوم اقتصاديات هذه المجموعات على الحصول على أموال طائلة من خلال أعمال قطع الطرق والسطو المسلح على المحلات التجارية والماشية والمحاصيل، والخطف مقابل فدية، والاستيلاء على سيارات ودراجات هوائية تابعة للحكومة والجيش والشرطة والتجار، وبيع جزء منها واستخدام آخر في عمليات مماثلة.

قتل ونهب وخطف

محمود الدنعو

بطبيعة الحال استفادت الجماعات الإرهابية من سيولة الأوضاع الأمنية والفقر المدقع والبطالة المتفشية وسط الشباب في شمال ساحل العاج، نتيجة الحرب الأهلية التي دارت في شمال البلاد بين عامَي 2002 و2004؛ بين الرئيس، آنذاك، لوران غباغبو، والمتمردين الشماليين المسلمين؛ نتيجة للتمييز الذي ظلت تمارسه النخب الجنوبية المسيحية الحاكمة، الأمر الذي قلل من سيطرة الدولة على المنطقة، وأجبر السكان المحليين على الانخراط في الأنشطة الاقتصادية غير المشروعة؛ من أجل توفير أساسيات الحياة، ما مهد الأرضية أمام الحركات الجهادية لاستقطابهم وفرض سيطرتها عليهم وعلى الموارد المتاحة في مناطقهم.

اقرأ أيضاً: رحيل الرئيس المالي السابق “بوبكر كيتا”.. الرجل الذي ودع شعبه حقناً لدمائه

من جهته، كشف المحلل السياسي المتخصص في الشؤون الإفريقية، محمود الدنعو، لـ(كيوبوست)، أن بلدة أوانغولودوغو، الواقعة في محافظة تشولوج، على بُعد 30 كم من حدود بوركينا فاسو، شهدت وحدها ما لا يقل عن 20 حادث سطو ونهب مسلح بين أكتوبر 2020 ومارس 2021، حصلت خلالها الجماعات الإرهابية على مبالغ تقدر بـ14 مليون فرنك إفريقي، بما يعادل 21 ألف يورو، كما شهدت المنطقة خلال نفس الأشهر زيادة مطردة في عمليات الخطف استهدفت كبار التجار المحليين؛ حيث قُدرت حصائل الفديات التي نتجت عنها، بـ45 مليون فرنك إفريقي؛ أي ما يعادل (68.500 يورو).

فريسة وطريدة

بلدة بالقرب من كافولو في شمال كوت ديفوار حيث وقع هجوم يونيو 2020- وكالة “فرانس برس”

كما كثَّفت الجماعات الجهادية خلال العامين الأخيرين أنشطتها في التنقيب عن الذهب؛ حيث توفر للشباب الراغب أجهزة الكشف عن المعادن مقابل شراء إنتاجهم بأثمان أقل.

إلى ذلك، اجترحت الجماعات الجهادية تكتيكاً جديداً في استمالة السكان المحليين، وذلك بتوفير وصولهم إلى الموارد التي تحظرها الدولة عليهم، من خلال منح الشباب العاطلين عن العمل المالَ والدراجات النارية؛ لتشجيعهم على الانضمام إليها.

وفي مثل هذه الظروف، جاء إعلان باتريك أشي، خطة حكومته لتقديم مساعدات اجتماعية للشباب الذين يعيشون في المناطق الحدودية شمالي ساحل العاج؛ كي لا يقعوا فرائس للجماعات الجهادية التي تسعى إلى تجنيدهم بين صفوفها، بيد أن مثل هذا البرنامج سيجعلهم طرائد لنفس الجماعات إن لم ترافقه حماية أمنية قوية.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة