الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

زينب الغزوي لـ”كيوبوست”: سامحت قتلة زملائي في “شارلي إيبدو”

تحدثت المرشحة للفوز بجائزة نوبل للسلام عن عملها في الصحيفة الأكثر جدلاً وإقامتها تحت حراسة الشرطة ورؤيتها وضع المسلمين في فرنسا

كيوبوست

أُدرج اسم الصحفية المغربية- الفرنسية زينب الغزوي، ضمن قائمة المرشحين لجائزة نوبل للسلام، هذا العام؛ وهي الصحفية التي كانت في هيئة تحرير جريدة “شارلي إيبدو” الفرنسية، وتعيش اليوم تحت حماية الشرطة؛ بعد تلقيها تهديدات من الجماعات الإرهابية.

في مقابلةٍ خاصة مع “كيوبوست” تحدثت زينب الغزوي عن مسيرتها الصحفية وحياتها وترشيحها لجائزة نوبل للسلام، وأمورٍ أخرى، وإلى نص اللقاء…

* بعد مسيرة عمل امتدت لنحو 15 عاماً في الصحافة، هل بدأتِ تشعرين بالندم بسبب ما تعرضتِ له؟

– بدأت عملي في الصحافة عام 2006، ولم أندم على اختيار العمل بها مطلقاً؛ فالصحافة مدرسة، والصعوبات التي تواجهها مرتبطة باحترام حرية الرأي والتعبير. الصحافة جعلتني أعرف المغرب، البلد الذي نشأت فيه، اطَّلعت على هموم الناس، وأوصلت صوتهم إلى الرأي العام، وحاولت شرح القضايا المجتمعية؛ فالصحافة جعلتني أخدم الناس، أعتقد أنني نجحت في بعض الأحيان، وأخفقت في أحيان أخرى، وحياتي بالعمل الصحفي أفضل ولم أعرف الندم لحظة، وبشكل عام لا أندم على أشياء كثيرة في حياتي.

تواجد زينب في المغرب أنقذها من الاعتداء الإرهابي – أرشيف

* كيف جاءت خطوة الانضمام إلى “شارلي إيبدو”؟

– في كل تجربة صحفية أعتبر أسرة العمل عائلتي الصحفية وأشقائي؛ لأنني وحيدة وليس لديَّ أشقاء، وعندما عملت في “لو جورنال” المغربية، حزنت لما تعرضت له الصحيفة من قرار بالإغلاق عام 2010، وأعتقد أن المغرب لم يأتِ بتجربة صحفية مماثلة لها حتى الآن، ودفعني إغلاق الصحيفة للسفر إلى أوروبا؛ وتحديداً سلوفينيا ثم باريس، حيث انضممت إلى جريدة “شارلي إيبدو”، وقرار الانضمام إليها لم يكن سهلاً، ومع عملي ترقيت سريعاً، وأصبحت في إدارة تحرير الصحيفة.

تواصلوا معي في الصحيفة إبان الربيع العربي، وتحدثوا معي في مقابلة عن رؤيتي لما يحدث، وأُعجبوا بآرائي وحديثي عن الشباب في المغرب، وبفضل قدراتي في العمل باللغتَين العربية والفرنسية، عرضوا عليَّ العمل معهم، وهناك مساحات كثيرة مشتركة بيني وبينهم، وكنت أتشارك معهم بالنظرة الساخرة للأوضاع، والعمل معهم ساعدني؛ لأنني لم أجد، آنذاك، منابر إعلامية تناسب عقليتي ونظرتي إلى المجتمع.

اقرأ أيضًا: لورنزو فيدينو يكشف لـ”كيوبوست” عن تاريخ تغلغل الإخوان في النمسا

* لكن الصحيفة اتُّهمت بأنها مهووسة بالإسلام والإساءة إلى المسلمين؟

– “شارلي إيبدو” كانت تجربة مميزة وفريدة؛ فهي جريدة كانت ترغب في الحصول على التمويل من القارئ وليس المعلن، ورفضت الإعلانات التجارية؛ حتى لا تخضع لابتزاز أحد، وكانت جريدة صغيرة مفلسة توزع 30 ألف نسخة فقط، وليس صحيحاً أنها كانت مهووسة بالإسلام؛ فبحصر جميع الصفحات الأولى للجريدة من 2005 حتى 2015، نجد أنها خصصت 19 صفحة أولى للسخرية من البابا أو الكنيسة، مقابل 4 صفحات أولى للسخرية من الإسلاميين، وأكثر من 300 صفحة أخرى لموضوعات سياسية واقتصادية ورياضية؛ فهي لم تكن مهووسة بالإسلام أو بأي دين، ولكن في كل مرة كانت تقوم فيها بالحديث عن المسلمين تتعرض إلى رد فعل عنيف ويُتهم أعضاؤها بالطعن في شرفهم، ويتلقون تهديدات.

أتذكر في كل مرة كنت أقوم فيها بإجراء موضوع خارج العاصمة، وأحاول استخدام الكارت المخصص من الجريدة لشراء تذاكر السفر، أجده بلا رصيد وأقوم بالسداد من أموالي، وأحصل على هذه الأموال بعد شهرين أو ثلاثة، وربما لا أحصل عليها، وما حدث بعد الاعتداء الإرهابي في 2015 أن العدد الأول بعد الحادث وزَّع ملايين النسخ، وحوَّل الجريدة من جريدة فقيرة إلى أغنى صحيفة فرنسية.

تحولت الصحيفة للأكثر انتشارا بعد الهجوم الإرهابي

* أين كنتِ يوم وقوع حادث الاعتداء على الجريدة؟ وكيف استقبلت الخبر؟

– كنت موجودة في الدار البيضاء، ومديري كان يطلب مني في حال غيابي عن اجتماع هيئة التحرير أن أرسل الأفكار مبكراً ليدرسها قبل عرضها في الاجتماع، وفي هذا اليوم استيقظت مبكراً وأرسلت إليه المقترحات كالمعتاد ونمت، لأستيقظ على اتصال هاتفي من صديقي الصحفي المغربي عمر الراضي، الذي صرخ  ليسألني عن مكاني، وأخبرني أن هناك حادث إطلاق نار داخل مقر الصحيفة، وتوقعت أن أحداً أطلق الرصاص من الخارج أو أمراً من هذا القبيل؛ لكني فوجئت بالمذبحة، واتصلت بسكرتارية التحرير التي أخبرتني بأن هناك 10 قتلى على الأقل، وسمعت زميلي يبكي، فأدركت الكارثة التي حدثت.

توزع زملائي بين قتلى في الصحيفة ومصابين وآخرين ذهبوا إلى قسم الشرطة لأخذ أقوالهم، وبقيت حتى التاسعة مساءً أعرف أسماء القتلى تباعاً؛ قضيت اليوم بين الحزن على مَن رحلوا، والفرح عندما أطمئن على زميل ويكون على قيد الحياة، كان يوماً رهيباً لا أزال أتذكر تفاصيله حتى الآن. ورغم كثرة الرحلات من الدار البيضاء إلى باريس؛ فإنني لم أملك شجاعة الحركة من مكاني وشراء تذكرة العودة إلى باريس، إلا عندما عرفت أن زميلي سيمون مسؤول الإنترنت بالجريدة في غيبوبة وبحالة خطرة، فشعرت بأنني يجب أن أكون بجواره عندما يستفيق من غيبوبته.

وصلت الشرطة بعد الهجوم

* كيف رأيت الأحكام القضائية التي صدرت في ديسمبر الماضي على المتهمين بعد مسار قضائي بدأ عقب الحادث في 2015؟

– المحاكمة كان وضعها غريباً جداً؛ لم نستطع محاكمة الجاني الحقيقي حتى الآن، وإلا لماذا أعيش تحت حراسة الشرطة حتى اليوم؟ بوجهة نظري أننا لم نستطع محاكمة الأيديولوجية المسؤولة عن تصرفات هؤلاء الأفراد؛ المحاكمة تمت وحصل المتهمون فيها على أحكام بالسجن، لكن ذبح مدرس فرنسي قبل أسابيع لتطرقه إلى موضوع الرسوم، هذا المدرس بالنسبة إليَّ هو أحد ضحايا “شارلي إيبدو”، وما دام السيف الذي يذبح والبنادق التي تطلق النار من هذه الأيديولوجية المتطرفة قائمة، فنحن أمام استمرار لسقوط الضحايا.

لم أشعر بأي نوع من الكراهية تجاه القتلة، وكنت أتمنى لو أن الشقيقَين سعيد وشريف كواشي، لا يزالان على قيد الحياة. ما حدث في “شارلي إيبدو” جريمة قسَّمت العالم إلى جزءين؛ الجزء الأكبر تعاطف مع الجريدة، والجزء الآخر، وهو صغير جداً ولا يمثل إلا نفسه، تشفى في ما حدث.

صدرت الأحكام النهائية بحق المتهمين قبل أسابيع

* تحدثتِ عن العيش حتى اليوم بحراسة الشرطة الفرنسية منذ 5 سنوات، هل أصبحت حريتك مقيدة؟

– صحيح أنني أشعر أنني أعيش في سجن متحرك؛ لكن ضميري ووجداني وعقلي يشعرون بالحرية؛ وهذا بالنسبة إليَّ أهم ألف مرة. أفضل حرية العقل والتفكير على حرية الجسد؛ فكم من سجين يوجد سجنه داخل عقله، وأشعر بسعادة؛ لأنني تحررت من سجن العقول، فحرية التفكير عندي أغلى من أي شيء آخر، ولن أجعل التهديدات الإرهابية تشعرني بالخوف؛ فأنا زرت مسقط رأسي في المغرب عدة مرات منذ 2015، وزرت مصر والإمارات؛ لكني أقبل المصير الذي أعيشه، وكنت أعلم الثمن الذي سأدفعه في مواجهة العقول المتحجرة، والتي أراهن على عدم وجود مكان لها في المستقبل بفضل الجيل الجديد من الشباب العربي.

* لكن لماذا فرنسا دون غيرها من الدول الأوروبية التي تتعرض إلى عمليات إرهابية من جماعات متطرفة؟

– منذ عام 2015 وأطرح على نفسي نفس السؤال: لماذا فرنسا دون غيرها؟ وهو أمر أرجعه إلى أن فرنسا هي البلد الذي يضم أكبر جالية إسلامية في أوروبا، وهي البلد الذي يدافع عن العلمانية؛ خصوصاً أن مرحلة فصل الدين عن الدولة والتخلص من سلطة الكنيسة الكاثوليكية، وضعت الدولة على مسافة واحدة من جميع الأديان، فرنسا فتحت أبوابها للمسلمين، ومتعتهم بالمساواة، وجعلت منهم مواطنين بكامل الحقوق؛ لكنها لم تسمح للإسلاميين المتاجرين باسم الدين أن يفرضوا سلطتهم عليها بالقانون الذي يطبق على الجميع من دون استثناء، فالشباب المسلم في فرنسا له حرية الاختيار؛ وهو أمر لا يعجب الأوصياء باسم الدين.

حظيت الصحيفة بتضامن عالمي واسع

* فرنسا التي تدافع عن العلمانية هي نفسها التي يحاول رئيسها إقرار وثيقة للمسلمين بشأن قيم الجمهورية، ألا ترين أن هناك تعارضاً في هذا الأمر؟

– الدين الإسلامي في فرنسا حديث العهد نسبياً؛ في الستينيات كان هناك نحو 5 مساجد فقط، لكن اليوم ربما وصل العدد إلى أكثر من ألفَي مسجد، وهناك مشكلة في وضع الجمعيات التي تقوم بالشعائر الإسلامية؛ فهي قائمة على أساس قانون أُقر عام 1901؛ وهو قانون مرتبط بالجمعيات أياً كان نوعها، ويساوي بين الجمعية التي تدير مسجداً، والجمعية المعنية بجمع الطوابع البريدية، على سبيل المثال. على العكس من الكنائس المنضوية تحت قانون 1905؛ وهو قانون مرتبط بالعمل الديني، والدولة الفرنسية تسعى لإدخال الجمعيات الإسلامية تحت مظلة هذا القانون.

ليس من شأن الدولة الفرنسية فرض الوحدة أو التفرق على المسلمين أو غيرهم، ولا ينبغي أن تتدخل في التنظيمات الداخلية للمسلمين، وأن تكتفي بحفظ الأمن العام وتنفيذ القانون، ولا تتدخل إلا عندما تجد مخالفات كدعوة إمام إلى الكراهية أو مخالفته القيم الفرنسية.

اقرأ أيضاً: جمعية “مسلمي فرنسا”.. ذراع الإخوان المسلمين التي تتحرك بحرية!

* البعض يرى أن اليمين المتطرف في فرنسا قد يحصد المزيد من الأصوات في الانتخابات المقبلة على خلفية الأحداث الأخيرة؟

– المجتمع الفرنسي يؤمن بالتعددية ويكره اليمين المتطرف، وصعود اليمين المتطرف في فرنسا يقابله صعود لليمين المتطرف في بلادنا؛ فرنسا بلد ديمقراطي، لكن طفح الكيل بالفرنسيين من العمليات الإرهابية؛ وهي مجرد حدث يظهر بين الحين والآخر، لكن التساؤل الرئيسي لدى الفرنسيين هو عن أسباب رفض المهاجرين الانخراط في نمط الحياة الفرنسية، فهناك اليوم بعض الأحياء في فرنسا لا تستطيع العيش فيها على الطراز الفرنسي؛ فالمواطن الفرنسي يرى أن هناك حرباً على طريقة عيشه، وهو يدافع عن هذا الأمر.

تظاهرة ضد الإرهاب في فرنسا- وكالات

* كيف استقبلت خبر ترشيحك لنيل جائزة نوبل للسلام؟

– هذا الخبر كان له وقع عميق على مشاعري، وغمرني إحساس يمزج بين التواضع، لأنني إنسانة صغيرة في هذه الحرب، وإحساس آخر بالفخر ليس لشخصي ومسيرتي فقط؛ ولكن لكل مَن ساندوني منذ سنوات وهم كثر، وأيضاً لمَن يتقاسمون معي نفس وجهة النظر. وأعتبر الترشح بمثابة اعتراف بأنني اخترتُ طريق السلام، وهذا يكفيني؛ فنحن نحتاج في العالم العربي إلى السلام، وأنا لا أملك إلا الكلمة التي أدافع بها عن الحرية أمام سيوف وبنادق الإرهابيين.

اقرأ أيضاً: إخواني سابق: الإسلاموية تطفلت على حياة الفرنسيين عبر خطاب الضحية

* تزورين الإمارات، كيف ترين تجربتها في التعايش؟

– أرى أن الإمارات نموذج عربي يُحتذى به؛ فعندما أسير في شوارعها أكون واثقة من أنني آمنة، ولن أتعرض إلى التحرش، أتحرك فيها بحرية، أرتدي ملابسي التي أرتديها في أوروبا، لا أشعر بأي نوع من التمييز ضدي، وأسير مرفوعة الرأس، ولا أخشى التعرض إلى التهجم من قِبل أي شخص لأنني امرأة؛ فهي نموذج يرفع رأس العرب، وعليهم الاقتداء به.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

 

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة