الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةدراساتشؤون خليجيةشؤون عربيةمجتمعملفات مميزة

زيد الشمري.. بين أسد الصحراء ومحمد أسد

خبر مفبرك على تويتر.. ركز الأضواء على شخصية مجهولة تاريخيًا وأحيا البحث عن اتصالها بشخصيات تاريخية لعبت دورًا في التاريخ العربي المعاصر

كيوبوست

أثارت تغريدات متعددة انتشرت على موقع “تويتر” جدلًا كبيرًا بين مثقفين سعوديين من مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي، بشأن خبر تم تداوله على نطاق واسع يدور حول وفاة شخصية سعودية ناهزت الـ110 سنوات، واقترن اسمها بشخصيتَين تاريخيتَين معروفتَين في القرن العشرين؛ الأولى المجاهد الليبي عمر المختار، الملقب بأسد الصحراء، والثانية المستشرق النمساوي الشهير ليوبولدفايس، المعروف باسمه العربي المسلم محمد أسد، صاحب الكتاب الشهير “الطريق إلى مكة”.

وبغض النظر عن خبر الوفاة الذي سرعان ما تكشفت “فبركته” وعدم دقته، خصوصًا أن الشخصية المشار إليها وهي شخصية زيد بن غانم الشمري، قد مات منذ سنوات بعيدة جدًّا؛ فإن الموضوع كله قد ركز الأضواء على حقيقة هذه الشخصية وأعادها إلى بؤرة الاهتمام، بل أيضًا أحيا البحث عن اتصالها بشخصيات تاريخية أخرى لعبت دورها في التاريخ العربي المعاصر.

وكتب الناقد السعودي المعروف، الدكتور سعد البازعي، في تغريدة له على حسابه الشخصي على موقع “تويتر”، معلقًا على ما تردد حول وفاة زيد بن غانم الشمري: “هل سُجّل له شيء من ذكرياته؟ وهل قابله صحفي أو باحث في التاريخ؟ أرجو ذلك، وإن كنت أشك لأنه لم يرِد له ذكر حسب علمي”. ثم غرّد بعدها الناقد السعودي عبد الله الغذامي، يبدد خبر الوفاة المزعوم من أساسه؛ وكتب “تواصل معي عدد من الإخوة وأكدوا أن زيد بن غانم الشمري توفي قبل أربعين سنة، وخبر وفاته المعلن اليوم في تويتر غير صحيح؛ لذا سأمسح تغريدتي، بعد الخطأ الذي انتشر”.

اقرأ أيضًا: 6 آثار يتركها استخدام وسائل التواصل الاجتماعي على عقلك

والحقيقة أن تغريدتي البازعي والغذامي تثيران عددًا من الإشكاليات حول التاريخ المهدور لشخصيات عانت خبرات تاريخية خاصة، ولم يدون عنها أي شيء يتصل بتاريخها وسيرتها أو تفاصيل حياتها، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، سرعة ما يُحدثه تداول خبر ما على السوشيال ميديا من أثر في أوساط المثقفين؛ خصوصًا إذا كان الأمر يتعلق بجانب أو أكثر لشخصية تاريخية أو حدث تاريخي أو ما شابه، مما يسترعي الانتباه ويستدعي التحقيق.

لكن الثابت حتى الآن، والمتداول عبر صفحات عديدة على الفضاء الأزرق “فيسبوك”، أن هذه الشخصية قد اتصلت عبر تاريخها المعروف باسمَين تاريخيَّين كبيرَين؛ أحدهما المجاهد الليبي الكبير عمر المختار، الذي ناجز الإيطاليين، وقاد المقاومة ضدهم في الأراضي الليبية، لما يزيد على عشرين سنة، حتى سقط في قبضتهم وصدر حكم بإعدامه.

عمر المختار

وأما الاسم الآخر، الذي اقترن به زيد الشمري، فهو المستشرق والرحالة النمساوي الشهير ليوبولد فايس، الذي أسلم وتسمى بمحمد أسد، وسجل تفاصيل رحلته وخبرته في الجزيرة العربية في كتابه الشهير “الطريق إلى مكة”. فقد ورد ذكر لشخصية الشمري في بعض صفحات الكتاب المشار إليه. وأوضح الباحث السعودي عبد الرحمن الشبيلي، في معرض حديثه عن كتاب محمد أسد، أنه اختار دليلًا من حائل اسمه “زيد بن غانم الشمري”، كان التقاه في بادية الشام عام 1924، واستمر معه طيلة ترحاله، (نقلًا عن جريدة الرياض).

ليوبولد فايس (محمد أسد)

وفي 2001، كتب الباحث ذاته مقالة بعنوان “المغامرات الصحفية للمستشرق محمد أسد في شبه الجزيرة العربية”، نشرها في جريدة “الحياة” السعودية، وذكر فيها أن “دليلًا مرشدًا من قبيلة شمّر، يدعى زيد بن غانم الشمري، صادفه (أي محمد أسد) في دير الزور- سوريا، وصحبه في رحلة من الشام إلى العراق سنة 1924، ثم رافقه طوال مدة تجواله في الجزيرة العربية في ما بعد 1924- 1933، وتعرضا في رحلاتهما للخطر”.

اقرأ أيضًا: أرقام مذهلة في أحدث خارطة لمواقع التواصل

محمد أسد.. الاستشراق من الداخل

كتاب “الطريق إلى مكة”، وقد ترجم إلى “العربية” منذ عقود، هو في الحقيقة واحد من كتب السيرة والمذكرات الشخصية ذات الجاذبية.

لم يكن من الشائع في ذلك الوقت أن يقوم أجنبي أوروبي بزيارة الجزيرة العربية والأراضي المقدسة والاستقرار فيها لسنوات بسهولة ويُسر، ثمة عوائق كثيرة؛ منها المناخ القاسي، والطبيعة الصحراوية، واللغة والدين.. إلخ.

استطاع ليوبولد فايس الذي ينتمي إلى أسرة يهودية نمساوية أن يتخطى كل هذه العوائق بفضل تكوينه العلمي وإعداده الثقافي، وإجادته المذهلة لعدد من اللغات السامية واللاتينية؛ منها العربية والعبرية، والبولندية والألمانية، بل زاد عليها تجربته الروحية الخاصة التي انتهت باعتناقه الإسلام وتسميه باسم محمد أسد (أسد المقابل العربي للمقطع الأول من اسمه اللاتيني “ليو”) تيمنًا باسم النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.

محمد أسد

ويوضح الباحث السعودي الشبيلي، أن محمد أسد قد طاف بلدان الشرق الأدنى صحفيًّا سائحًا، وبعد إسلامه وعمره ستة وعشرون عامًا، قصد أداء الحج واستهوته الإقامة في المدينة المنورة ست سنوات، ضيفًا وصديقًا للملك عبد العزيز، وجال في قلب الجزيرة العربيّة قبل توحيدها، وقد أتقن العربية، وتزوَّج من إحدى أُسر حائل المقيمة في المدينة المنورة فتاةً أصبحت أم ولده الوحيد (طلال)، وألَّف محمد أسد أجمل ما كتبه غربي عن الإسلام، ودفن عام 1992م في مقابر المسلمين في جنوب إسبانيا.

وكان التحاقه بوظيفة بسيطة في عالم الصحافة، هو نقطة البدء في سياحاته خارج أوروبا.

يقول الشبيلي إن الصحافة “أهّلته للتجوال أعوامًا أربعة في بلدان الشرق الأدنى، بما فيها القدس التي كانت نقطة تحوّل في حياته، صقلت تجربته وصاغت مؤثرات تحولاته الفكرية، فأعد تقارير صحافية عن الحياة فيها، وعن مجتمعات المدن الإسلامية، كالقاهرة وبغداد وحلب وإسطنبول وبلاد فارس وأفغانستان وغيرها، لصالح صحف نمساوية وألمانية وسويسرية وهولندية مشهورة، وخَصّ الجوانب السياسية والاجتماعية والدينية في تقاريره بكثير من الوصف والتحليل؛ حتى صارت عقيدته الجديدة تسيطر على كل منافذ أفكاره بحلول عام 1926م الذي اعتنق فيه الإسلام واختار اسمه الجديد “محمد أسد”.

ويضيف الباحث السعودي أن رحلاته المتعددة إلى بلاد الشرق الأدنى، التي فصَّلها في كتابه “الطريق إلى مكة” الصادر عام 1954م، قد أوقدت جذوة البحث في خاطره عن منطلقات فكريَّة جديدة خارج الإطار الأوروبي، فتولَّدت عنده فكرة التحوُّل عن معتقده الأساسي، واعتناق الدين الإسلامي.

خلال عام من اعتناقه الإسلام، أدَّى مناسك الحج سنة 1927، وبعد عامَين من دخول الحجاز في الحكم السعودي، وقد قدَّمه الأمير فيصل إلى الملك عبد العزيز، فحظي بثقته، وببناء صداقة وثيقة معه، وبلقائه يوميًّا، وقام بإعداد تقارير صحفية عن أوضاع البلاد.

ويبدو أننا مدينون إلى الشمري بفضل التذكير والبحث عن مثل هذه الشخصيات المؤثرة في تاريخنا المعاصر.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات