الواجهة الرئيسيةشؤون خليجيةشؤون دوليةمقالات

زيارة محمد بن زايد إلى باريس ولندن تعكس الأهمية الجديدة للإمارات العربية المتحدة كلاعب جيوسياسي عالمي

كيوبوست- خاص

د.دينيس ساموت♦

تأتي زيارة ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد هذه الأيام إلى باريس ولندن في التوقيت المناسب، وتحمل أهميةً كبيرة. فالإمارات العربية المتحدة تتمتع بعلاقاتٍ سياسية وعسكرية واقتصادية قديمة مع كلٍّ من بريطانيا وفرنسا، منذ تأسيسها عام 1971. ومع ذلك، فإن الزيارات التي تتم هذا الأسبوع ليست مجرد تعبيرٍ عن تلك الصداقة، بل هي تعبير عن الأهمية المتزايدة لدولة الإمارات العربية المتحدة بوصفها كلاعبٍ جيوسياسي على المسرح العالمي.

بريطانيا وفرنسا عضوان دائمان في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وهو الهيئة التي ستنضم إليها الإمارات بصفة عضو غير دائم لمدة عامين اعتباراً من يناير القادم. وهذا ما سيعطي الإمارات الفرصةَ للمضيِّ قدماً في سياساتها الخارجية، الأمر الذي يرجح أن تدعمه فرنسا وبريطانيا اللتان تحرصان بدورهما على دعمِ الإمارات لأجنداتهما الخاصة. كما أن هنالك العديد من القضايا ذات الأرضية المشتركة، ما يجعل تنسيقَ الاستراتيجيات يصبُّ في مصلحة البلدين.

اقرأ أيضاً: صعود الإمارات ومعنى محمد بن زايد

وقد جعلتِ الأحداث الأخيرة في أفغانستان العقولَ في أوروبا تركّز على الحاجة إلى قوةٍ عسكرية أوروبية مستقلة، وقدرات جيو-استراتيجية في التعامل مع الأزمات، خاصة في المناطق المجاورة مثل الشرق الأوسط، وآسيا الوسطى. إن النهج الضيق الذي اتبعته الولايات المتحدة في أفغانستان أثار دهشةَ العديد من الدول. وعودة ظهور نظام أصولي في كابول تشكِّل مصدرَ قلقٍ، ليس من الناحيةِ الإنسانية فقط، بل إنها، وبسببِ المخاطر التي تسببها حركة جهادية عدوانية على استقرارِ العديد من الدول المجاورة. وعلى الرغم من كلِّ الكلام المعسول الذي قاله المتحدث باسم حركة طالبان في الدوحة، فإن طالبان الحقيقية -الموجودة في أفغانستان- ليست أقلَّ تطرفاً من أسلافها قبل عشرين عاماً.

ولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد مع ولي العهد البريطاني الأمير تشارلز- أرشيف

ولا يمكن لمسيرة الإمارات العربية المتحدة أن تبتعد كثيراً عما كانت عليه في أيامها الأولى عن الطريق الذي رسمه الأب المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، حيث كانت الإمارات دائماً في العديد من السياقات قوةً من أجل الخير. وقد ترك نهجُها التقدمي والمتسامح تجاه قضايا؛ مثل حقوق المرأة، والأقليات المسيحية، وسياسات مكافحة التطرف، وما إلى ذلك، صدى جيداً لدى صناع لقرار في أوروبا.

كما تضعُ التطورات الأخيرة المتعلقة باتفاقيات إبراهيم دولةَ الإمارات العربية المتحدة في مكانةٍ فريدة للمساهمة في صنع السلام في الشرق الأوسط. ومع انشغال الولايات المتحدة مؤخراً بالتزاماتها في منطقة المحيطين الهندي والهادي، يبرز احتمال نشوء فراغ يمكن أن تستغله القوى الخبيثة. ويرى البعض في هذا الأمر تكراراً لخروج بريطانيا من الخليج العربي عام 1971. ودول مجلس التعاون هي اليوم في مكان مختلف تماماً عما كانت عليه عام 1971. فقد أصبحت قادرة إلى حدٍّ معين على الاهتمام بشؤونها. ولكن غياب الولايات المتحدة يمكن استغلاله لإلحاق الضرر بشعوب المنطقة، وهذا أمر يجب تجنُّبُه. ويجب على الدول الأوروبية أن تتقدم للمساعدة وملء الفراغ.

اقرأ أيضًا: كيف يغير اتفاق السلام الإماراتي- الإسرائيلي خارطة التحالفات في المنطقة؟

وإلى جانبِ البعد الاقتصادي لزيارة الشيخ محمد بن زايد إلى باريس ولندن، حيث تم الإعلان عن استثماراتٍ كبيرة وتركيز الإمارات على الاقتصاد الأخضر، فإن الزيارة تعكس الأهميةَ الاستراتيجية المتزايدة لدولة الإمارات العربية المتحدة على الصعيد العالمي. وفي هذه الزيارة يبدو أن القضايا الجيوسياسية والاستراتيجية كانت في مقدمة ومركز المباحثات، كما يبدو واضحاً من البيان الختامي الذي صدر عن الجانبين، بعد الزيارة إلى فرنسا يوم الأربعاء الماضي (15 سبتمبر).

كما تحمل زيارة فرنسا أهميةً كبيرة بالنسبة للعلاقات المستقبلية بين الاتحاد الأوروبي والإمارات العربية المتحدة. فالاتحاد الأوروبي هو لاعبٌ جيوسياسي معقَّد إلى حدٍّ ما، وهو عملاقٌ اقتصادي لا يزال يتعلم كيف يترجم قوته في المعنى الجيوسياسي. ولكنه يتعلم بسرعة، ويجب عليه ذلك. هذا ما أوضحته رئيسة المفوضية الأوروبية؛ أورسولا فون دير لاين، في كلمتها أمام البرلمان الأوروبي يوم الأربعاء الماضي، في نفس الوقت تقريباً الذي كان فيه ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد يلتقي مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في قصر فونتينبلو في ضواحي باريس. وقد تميزت كلمة فون دير لاين أمام البرلمان الأوروبي بنبرةٍ من الإلحاح عندما تحدثت عن حاجة الاتحاد الأوروبي لأن يكون قادراً على الفعل في مجالات الدفاع والأمن. ومن المتوقع أن تُعقد قمة دفاعية كبرى للاتحاد في باريس العام القادم.

ولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون- وكالات

وتحتاج العلاقات السياسية والجيو-استراتيجية بين الإمارات والاتحاد الأوروبي إلى الارتقاء للاستجابة للتحديات القادمة، وفي المقام الأول يحتاج الطرفان لأن يفهما بعضهما بعضاً بشكلٍ أفضل. هنالك فهم قليل جداً للإمارات العربية المتحدة في أوروبا، باستثناء بعض الدوائر الصغيرة، كما أن صورة الاتحاد الأوروبي في الإمارات العربية المتحدة -وعلى نطاقٍ أوسع في منطقة مجلس التعاون الخليجي- غالباً ما تكون ضبابية، حيث يدرك الناس المشهدَ العام، ولكنهم بعيدون كل البعدِ عن تقدير الصورة الأكبر والأوسع.

ومن المثيرِ للاهتمام أنه في الاجتماع بين الشيخ محمد بن زايد والرئيس ماكرون، تم إعطاء أهمية كبيرة للتواصل بين الشعبين والعلاقات الثقافية بينهما. ولم يعد من الممكن النظر إلى هذه القضايا على أنها قضايا ثانوية، بل هي في الحقيقة تشكِّل الأساسَ الذي يمكن أن تُبنى عليه العلاقات الجيدة. ومن هذه الناحية، فلا يزال هنالك الكثير من العمل الذي يجب على الجانبين القيام به، وعليهما أن يكونا أكثر طموحاً.

♦د.دينيس ساموت: مدير معهد لينكس يوروب في لاهاي، ومدير تحرير موقع كومونسبيس.

لقراءة الأصل الإنكليزي: MBZ in Paris and London

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة