الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

زيارة ماكرون تثير سجالاً تاريخياً بشأن اليهود في الجزائر

عانى يهود الجزائر على مر التاريخ نظرةً سلبيةً في بلدهم الأم دفعتهم للهجرة إلى فرنسا

كيوبوست- حسن الأشرف

انتهت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إلى الجزائر يوم السبت 27 أغسطس الجاري، دون مشكلات سياسية كبيرة كانت ستثيرها مرافقته كبيرَ حاخامات فرنسا، حاييم كورسيا، بعد أن تخلف هذا الأخير عن الزيارة بداعي إصابته بـ”كورونا”.

ويبدو أن الحاخام الفرنسي، المولود من أبوَين في غرب الجزائر، قد “خضع” للانتقادات الحادة التي رافقت خبر زيارته إلى الجزائر رفقة الرئيس الفرنسي يوم الخميس الماضي، بينما ينفي هو نفسه أن يكون “كورونا” مشجباً لتبرير تراجعه عن زيارة الجزائر.

اقرأ أيضاً: معرض في فرنسا يستلهم التاريخ المشترك بين اليهود والمسلمين

وتوزعت مواقف الرأي العام الجزائري حيال خبر عدم زيارة كبير الحاخامات للبلاد إلى فريقَين؛ الأول اعتبر إصابته بالوباء “تدخلاً ربانياً” لمنعه من دخول أرض الجزائر، والثاني وجد أن إلغاء الزيارة لا علاقة له بالجدل المثار.

كراهية “إخوان الجزائر” لليهود

ولو قُدر للزيارة أن تتم لكانت هي المرة الأولى التي تطأ فيها قدما مسؤول ديني يهودي فرنسي رسمي رفيع المستوى الجزائر منذ استقلال البلاد سنة 1962، وكانت الزيارة تروم طيّ صفحة الماضي وبدء صفحة جديدة للطائفة اليهودية الفرنسية التي عاشت بالجزائر؛ للمصالحة مع الذاكرة والتاريخ والجغرافيا معاً.

يهود الجزائر خلال فترة الاحتلال الفرنسي- صورة: أرشيف

ويُفهم في هذا السياق ما الذي كان يقصده كبير حاخامات فرنسا عندما صرح بأن “هناك العديد من الجهات التي بدأت فعلاً تعمل وتنشط من أجل التقارب بين الجالية اليهودية التي كانت تعيش في الجزائر ووطنها الأصلي”، مردفاً أن “السلطات الجزائرية تعمل هي الأخرى في هذا الاتجاه ومن أجل تصالح الذاكرة والسماح ليهود الجزائر بالعودة إلى وطنهم الأصلي؛ لرؤية الأنوار التي عرفوها خلال طفولتهم، ولكي يشموا من جديد الروائح التي دفنوها داخل قلوبهم وذاكرتهم خلال سنوات عديدة”.

وتلقف “إخوان الجزائر” مثل هذه التصريحات والمواقف ليضرموا نيران الرفض والاحتجاج، عندما وصفوا أقواله بكونها استفزازية وخطيرة، وتعارض الموقف الرسمي الجزائري ضد التطبيع، محذرين من خطورة مرافقة رجل الدين الحاخام اليهودي واستغلال مثل هذه الزيارات الدبلوماسية من دولة تدَّعي “العلمانية”.

اقرأ أيضاً: جدل في إسرائيل بسبب يهود إثيوبيا

وأعاد الجدل الحاد الذي نُشب بقوة بسبب الإعلان عن زيارة كورسيا إلى الجزائر، ثم التراجع عنها، إلى الواجهة نقاش ملف يهود الجزائر، ومَن يكونون، وما تاريخهم، ولماذا يتعرضون إلى وابل من الانتقادات وترافقهم السجالات.

وتفيد أبحاث تاريخية أن اليهود الجزائريين في إسرائيل هم “إحدى أقدم المجموعات اليهودية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؛ لكن لا توجد معطيات ومعلومات كافية عن هذه الطائفة، عكس الطوائف اليهودية الأخرى التي اندمجت بشكل كبير في مجتمع إسرائيل؛ مثل يهود المغرب ويهود العراق ويهود تونس”.

اليهود عائدون إلى الشرق الأوسط- الصورة: أرشيف

حاييم سعدون، المؤرخ الإسرائيلي، سبق له أن ألَّف كتاباً حول يهود الجزائر، فرَّق فيه بين نوعَين من هذا الوجود؛ الأول يهود أصليون يمتد وجودهم إلى فترة ما قبل الميلاد، والثاني يهود رافقوا الهجرات القادمة من الأندلس.

وبعد أن سرد سعدون المسار التاريخي ليهود الجزائر خلال فترة الاحتلال الفرنسي، وقال إنهم استفادوا من الامتيازات التي منحها لهم “مرسوم كريميو” سنة 1870 الذي منحهم الجنسية الفرنسية، وقطع بذلك العديد منهم صلتهم بالجزائر، متخذين صف فرنسا في حربها ضد بلدهم الأصلي، مشيراً إلى أنه بعد نهاية الحرب وانهزام ألمانيا عادت إليهم امتيازاتهم كفرنسيين ووقف أغلبهم ضد استقلال الجزائر، وبعد الاستقلال غادر أغلب اليهود الجزائر كفرنسيين مع المستعمر المنهزم؛ خوفاً من الانتقام الذي قد يطولهم بعد وقوفهم إلى جانب المحتل.

اقرأ أيضاً: حاييم سعدون: إنكار الهولوكوست غير مقبول.. والمغرب يعتبر اليهود أبناء

قانون كريميو

من جهته، يرى الباحث في الشأن والتاريخ الإسرائيلي عبدالرحيم شهيبي، أن اليهود الجزائريين كان لديهم وضع خاص لدى السلطات الاستعمارية الفرنسية مقارنةً مع يهود المغرب وتونس على سبيل المثال؛ فمنذ 1870 استفاد اليهود الجزائريون من مرسوم كريميو الذي منحهم صفة مواطنين فرنسيين، وبالتالي الانتقال من الوضع التقليدي الذي فرضته وضعية الذمة إلى وضعية أفضل بالنسبة إليهم تحت الحماية الفرنسية المباشرة.

عبدالرحيم شهيبي

ويستطرد شهيبي، في حديث مع “كيوبوست”، بأن هذا الوضع كان مفضلاً بالنسبة إلى اليهود الذين عانوا الاضطهاد في الجزائر وغيرها؛ ولعل فتاوى الفقهاء وردود أفعالهم، مثل محمد المغيلي (1425- 1504) مثلاً التي دعت ونفذت اعتداءات ضد يهود “توات”، قد غذَّت مشاعر الكراهية ضد اليهود في الجزائر، مبرزاً أن قانون كريميو سابق الذكر أسهم في رفع منسوب الكراهية لدى الجزائريين المسلمين تجاه اليهود، بالإضافة إلى تنامي معاداة السامية المستوردة من أوروبا خلال الفترة الاستعمارية.

وتابع الباحث: “العلاقة بين المسلمين واليهود ما بعد قانون كريميو باتت متوترة، فمن جانب المسلمين كانوا ينظرون إلى اليهود كونهم باتوا مستعمرين ومساعدين للسلطات الاستعمارية، بينما اليهود ينظرون إلى وضعهم باعتباره انعتاقاً واكتساباً لحقوقهم المهضومة سلفاً، ولذلك عملوا بكل ما أوتوا من جهد للتماهي مع الثقافة الفرنسية والتخلص التدريجي من عاداتهم السالفة؛ من حيث الملبس واللغة والتربية”.

وأكمل شهيبي: “لعل هذا الجانب قد يكون واضحاً في فترة حكومة (فيشي) التي أوقفت مرسوم كريميو، وبدأت تتغاضى عن الاعتداءات المعادية للسامية ضد اليهود الجزائريين من طرف الأوروبيين بشكل خاص”، مردفاً أن “هذه كانت وضعيتهم في ظل هذه الحكومة التي امتدت في النصف الأول من سنوات الحرب العالمية الثانية، قبل أن تعود الأمور إلى نصابها. وإبان فترة الإضرابات والتحرير، تعرض يهود الجزائر إلى اضطهادات جديدة؛ لكن تشبثهم بفرنسا كان قوياً إلى درجة أن أغلب اليهود الجزائريين اختاروا الهجرة إلى فرنسا عوض إسرائيل، وقد استفادت فرنسا من كفاءات العديد من كوادرهم ما بعد الحرب”.

اقرأ أيضاً: كيف ثار يهود وعرب إسرائيل ضد بعضهم؟

جذور كراهية اليهود بالجزائر

 واستحضر الباحث الجدلَ الذي رافق تعيين الوزيرة نورية بنغبرية، (وزيرة التربية الوطنية السابقة) سنة 2014، وتعيين سابقها في وزارة الاقتصاد في عهد الشاذلي بنجديد (غازي حيدوسي)؛ حيث حاول العديد من الجزائريين النبش في أصولهما اليهودية، ومحاولة شيطنتهما وتقديمهما في صورة “اليهود المتخفين الذين يشتغلون سراً لأجندات صهيونية”.

خطاب الكراهية يحاصر يهود الجزائر- صورة: أرشيف

ولفت شهيبي، في السياق ذاته، إلى أن الخطاب الأيديولوجي والسياسي الجزائري الرسمي يدفع بشكل كبير إلى تبني السلوكات المعادية للسامية لدى المواطنين؛ فالسياسيون الجزائريون يحاولون تقديم أنفسهم منافحين عن الفلسطينيين (ظالمين أو مظلومين)، ويشغلون الرأي العام كون الجزائر في صفوف الممانعة ضد إسرائيل والولايات المتحدة وكل اليهود المنتشرين في العالم.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

حسن الأشرف

صحفي مغربي

مقالات ذات صلة