الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

زيارة “ليفي” إلى غرب ليبيا تفضح مخططات تركيا و”الوفاق” وتشوش على مبادرة “الجزائر- تونس”

الجزائر- علي ياحي

أثار ظهور الفيلسوف الصهيوني الفرنسي برنارد ليفي (عرّاب ثورات الربيع)، في ليبيا مجدداً، ونزوله بمدينة مصراتة، ثم ترهونة، تحت حراسة أمنية مشددة، جدلاً واسعاً داخل ليبيا وخارجها؛ خصوصاً أنها جاءت في سياق مساعٍ إقليمية ودولية من أجل الوصول إلى تسوية سياسية للأزمة المتفاقمة.

واعتبر عديد من الأطراف التي تتمسك بالحل السياسي في الأزمة الليبية؛ تتقدمها الجزائر وتونس، أن زيارة ليفي تؤكد استمرار مخطط الفوضى والتقسيم بالمنطقة، على اعتبار أنه ليس في الواقع سوى سفير غير معلن لمشروعات دولية وإقليمية، لا يزال سعيها حثيثاً لتنفيذ أجندة تقسيم ليبيا، وتلغيم المنطقة لاستهداف باقي أركانها؛ خصوصاً أن توقيتها يطرح عديداً من التساؤلات، وقد حدثت بعد أيام من اتفاق الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون، ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، على مواصلة التنسيق والتشاور بين البلدين كفاعلين أساسيين في المنطقة، وإطلاق عدد من المبادرات الرامية إلى ترقية الحلول السياسية للأزمات السائدة هناك.

برنارد ليفي في ليبيا سنة 2011 من أجل إسقاط نظام القذافي وتمزيق الدولة – أرشيف

كما أنها تأتي بعد لقاء قبائل ليبية الرئيس عبدالفتاح السيسي، طلباً لتدخل عسكري مصري ضد تركيا، وما تبع ذلك من “قلق” الجزائر التي تحذر من تسليح القبائل وإقحامها في التصعيد العسكري، بالإضافة إلى استمرار تدفق المقاتلين والمرتزقة من سوريا على ليبيا بغطاء تركي، وتحرك الجزائر دبلوماسياً على مستوى عديد من العواصم المؤثرة في المشهد الليبي؛ وآخرها استقبال وزير الخارجية السعودي بالجزائر العاصمة.

وفي السياق ذاته، تناولت الصحافة الفرنسية زيارة ليفي إلى مناطق سيطرة حكومة الوفاق الليبية والقوات التركية، بشكل واسع ومثير للشكوك حول هويتها وأهدافها وعلاقتها بطرفَي النزاع. وقالت مجلة “جون أفريك”: “إن برنارد هنري ليفي، ووزير الداخلية في حكومة الوفاق فتحي باشاغا، قدَّما في 25 يوليو، عرضاً جديراً بمسرح العبث”، مضيفةً أن “الكاتب الفرنسي هبط، السبت الماضي، في طائرة خاصة في مطار مصراتة الواقع على بعد 200 كيلومتر شرق طرابلس في برنامج مبدئي لمدة يومين، إلا أنه لم يمض سوى 10 ساعات على التراب الليبي”.

اقرأ أيضاً: زيارة الرئيس التونسي للجزائر تعيد إحياء دور الجوار في حل أزمة ليبيا

وأشارت المجلة إلى أن هذه الساعات خُصصت لمقابلة صناع القرار السياسي والعسكري والاقتصادي في طرابلس التي عاد إليها بعد زيارة 2011، غير أنه لم يلتقِ الرجل الذي أحضره على الأرجح، فتحي باشاغا، الذي تم تحديد الاجتماع معه صباح الأحد، بعد أن غادر السبت إثر وقوف أطراف ضد وجوده في مدينة ترهونة؛ حيث منعوا موكبه من الدخول إلى المدينة بعنف.

وذكرت “جون أفريك” أن برنارد ليفي التقى مسؤولين أمنيين؛ بمَن فيهم أحمد أبو شحمة، رئيس الوفد العسكري لحكومة الوفاق؛ لمناقشات مباحثات 5+ 5 التي ترعاها الأمم المتحدة، وكذلك القادة: محمد زهمو، ومحمد شابون، في الخط الأمامي على جبهة سرت الحالية، وجمعه أيضاً ما سمته “لقاء الحنين” مع رمضان زرموح، الرئيس السابق للمجلس العسكري في مصراتة، الذي كان قد عمل معه في عام 2011، عندما وصفه بأنه صديق الليبيين.

ورأت الصحيفة أنه “في طرابلس كان يريد القادة؛ بما في ذلك فتحي باشاغا، إعداد البيتزا التركية الشهيرة بنكهات فرنسية”، في إشارة ضمنية إلى ما اعتبره إعادة سيئة لما جرى في 2011؛ ليظهر برنارد هنري ليفي في دور حلقة الوصل بين الليبيين والفرنسيين من جديد.

ويرى الضابط السابق بالجيش الجزائري أحمد كروش، في تصريحٍ أدلى به إلى “كيوبوست”، أن زيارة برنارد ليفي إلى مدن غرب ليبيا الموجودة تحت سلطة حكومة السراج والقوات التركية، تطرح أكثر من علامة استفهام، قائلاً إنه، حسب تصريحاته، دخل بتأشيرة عادية مقدمة من طرف حكومة الوفاق، ولم يأتِ خفية عن طريق البر أو البحر، وقد نزل عبر طائرة خاصة في منطقة حرب بامتياز، وعليه فإن كل الجهات المختصة بالدفاع والمطار لها علم مسبق بالزيارة، ولها أمر بالسماح للطائرة بالمرور والنزول على أرض مطار مصراتة، كما كان في استقباله شخصيات سياسية وبرلمانية وسلطات محلية، وقادة محاور وتشكيلات عسكرية، بالإضافة إلى أن تنقلاته كانت في مواكب ومرافقة بحراسة رسمية، وكان له برنامج لقاءات وزيارات، ومن هذه المعطيات يتبين أن الزيارة تمت بدعوة وأنها كانت مرتبة مسبقاً.

أحمد كروش

ويتابع كروش بأن تصريح حكومة السراج بأنها لا تعلم بالزيارة يمنحنا احتمالَين؛ الأول أن الجواب “سياسي” من أجل إسكات الغضب الشعبي الذي أعقب اكتشاف الزيارة المشؤومة، أو أن فعلاً الرئاسة لا تعلم بقدومه؛ وهو ما يعطي انطباعاً بأن هناك مراكز قوى تتخذ القرارات في حكومة الوفاق، موضحاً أن برنارد ليفي حلّ بليبيا من أجل وضع قنابل موقوتة يمكن تفجيرها في الوقت المحدد؛ خصوصاً أن المنطقة على شفا حرب كبرى، كما هي مقبلة على تسوية قد تنهي الصراع، وإعلان الجزائر وجود مبادرة جزائرية- تونسية للحل في ليبيا دليل على ذلك، مختتماً بأن معرقلي الحل السلمي في ليبيا كُثر، وهم في الخارج والداخل؛ حيث إن هناك أطرافاً لا يخدمها حل النزاع سلمياً.

اقرأ أيضاً: محاولات تركية- قطرية “للتسلل” إلى الجزائر عبر بوابة “القبائل”

ونزل خبر حلول ليفي بمدينة مصراتة، ثم ترهونة، وتداول صور تنقله عبر مواكب سيارات محصنة وبمرافقة أمنية قوية، كالصاعقة على تركيا وحكومة “الوفاق”، على اعتبار أنها مناطق خاضعة لسيطرة قواتهما العسكرية.

وفي وقتٍ التزمت فيه أنقرة الصمت، سارعت حكومة السراج إلى تكذيب علمها بالزيارة، وأعلنت تشكيل لجنة تحقيق في الزيارة يقودها رئيس جهاز الأمن الداخلي، وعضوية وكيلي وزارة الداخلية والمواصلات، ومندوب عن جهاز المخابرات الليبية، وقالت إن اللجنة ستتولى التحقيق بشأن دخول ليفي إلى ليبيا والمرافقين له عن طريق مطار مصراتة الدولي، على أن يشمل مدير عام مطار مصراتة، ومديرَي أمن المطار والجوازات، وجهاز الأمن الداخلي، وجهاز المخابرات الليبية.

ليفي في مصراتة بمرافقة أمنية من قوات وزير داخلية “الوفاق” فتحي باشاغا

كما زاد تصريح ليفي، الذي فضح من خلاله المجلس الرئاسي، من الغضب الشعبي الليبي، وخلق نوعاً من “الارتباك” داخل معسكر حكومة طرابلس؛ حيث أبرز أنه وصل من ليون الفرنسية إلى مالطا، ومنها استقل طائرة خاصة ملكية لوزير داخلية حكومة الوفاق، فتحي باشاغا؛ مما يكشف عن ترتيب هذا الأخير للزيارة بالكامل، بداية من إذن هبوط الطائرة، وخط سير الضيف، وحتى جدول أعماله. وبينما أعلن المجلس البلدي في مصراتة عدم علمه بالزيارة، وقال في بيان: “إن أياً مَن كان وراء زيارة ليفي، سواء أكان جهة أو شخصاً، فهو يتجاوز المسؤولية والصلاحيات الإدارية البلدية في هذا الشأن”، رد وزير الداخلية باشاغا، عبر تغريدة على “تويتر”، بأن أية زيارة لشخصية صحفية دون دعوة رسمية من الحكومة الليبية لا تحمل أي مدلول سياسي.

أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة الجزائر، مومن عوير، يرى في تصريح أدلى به إلى “كيوبوست”، أن زيارة برنارد ليفي جاءت في وقت تشهد فيه ليبيا أصعب فترات النزاع داخلياً ودولياً، موضحاً أنه رغم ادعاء ليفي أنه في ليبيا بصفته صحفياً؛ فإن الحقيقة غير ذلك، فهو يخدم أجندات أجنبية، وما قدومه إلا بهدف تعميق الخلاف، وإبطال أية إمكانية للاتفاق بين طرفي النزاع.

المحلل السياسي مومن عوير

ويتابع عوير بأن نزوله بمناطق نفوذ تركيا وحكومة السراج سيكون له تأثير سلبي على صورة “الوفاق” لدى داعميها من الشعب الليبي، ويدخل الكثير من الشكوك حول علاقة برنارد ليفي بالسراج وتركيا، مضيفاً أن الوضع في ليبيا ضبابي في انتظار نتائج التحركات الدبلوماسية لمختلف الأطراف المعنية بالملف.

اقرأ أيضاً: بين فرنسا وتركيا.. أيهما تدعم الجزائر في ليبيا؟

ويرجع الجدل الذي أحدثه ظهور ليفي في ليبيا بعد 9 سنوات، إلى الغموض الذي يحيط بالزيارة في ظلِّ الدور الذي سبق أن لعبه في القرار الفرنسي بالتدخل العسكري الدولي في ليبيا ضد قوات معمر القذافي في 2011.

وما زاد من الضبابية نفي المتحدثة باسم صحيفة “وول ستريت جورنال”، كولين شوارتز، ادعاء الكاتب الفرنسي برنارد هنري ليفي، أن يكون دخل إلى ليبيا بتأشيرة نظامية، وبصفته “صحفياً” من أجل إعداد تقرير للصحيفة، قائلةً إن “قسم الرأي في (وول ستريت جورنال) قد عمل مع برنارد هنري ليفي في الماضي؛ لكن زيارته إلى ليبيا ليست بتكليف من الصحيفة”.

 اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة