الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

زيارة الرئيس التونسي للجزائر تعيد إحياء دور الجوار في حل أزمة ليبيا

الجزائر- علي ياحي

لم تمر زيارة الرئيس التونسي قيس سعيّد، إلى الجزائر دون أن تترك آثارًا جانبية في البلدَين، فبين وضع الجزائر وديعة بقمة 150 مليون دولار في البنك التونسي وغياب اتفاقيات تعاون بسبب غياب حكومة تونسية، استهدفت الزيارة عودة الجارَين إلى المشهد في ما يتعلق بالأزمة الليبية.

رغم الهالة التي سبقت زيارة الرئيس التونسي إلى الجزائر باعتبارها أول تنقل له خارج بلاده؛ فإن نتائجها لم ترافق تطلعات الشعبَين، واستقر الأمر على بروتوكولات ترحيبية جزائرية بالضيف قيس سعيّد، انتهت بمنح الرئيس قيس سعيّد وسامًا برتبة أثير، وهو أعلى وسام تمنحه الدولة الجزائرية، ما يكشف عن أن الزيارة لم تكن ضمن سياق “الروتين” المرتبط بتنقلات مسؤولي البلدَين، وإنما جاءت في إطار البحث عن تموقع في المشهد الدولي للأزمة الليبية بعد سحب البساط من تونس والجزائر، رغم عودتهما الخجولة.

الرئيس التونسي في ضيافة الجزائر.. زيارة لرد الاعتبار

ويمكن تصنيف ما أقدم عليه الرئيس التونسي بزيارته إلى الجزائر دون حكومة تأخر تشكيلها؛ بسبب “مناورات” الإخوان بقيادة رئيس البرلمان راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة، في خانة رد الاعتبار للدولة التونسية على محاولات عزلها وكذا “استخفاف” الرئيس التركي أردوغان، الذي سعى لتوريطها بتصريحات “كاذبة” خلال زيارته إليها منذ شهر؛ حيث قال إنه تم الاتفاق على تشكيل حلف تركي- تونسي- جزائري في ليبيا، وإن تونس وعدت باستخدام أراضيها وأجوائها لصالح أنقرة، وهو ما نفته تونس جملةً وتفصيلًا؛ حيث طالب الرئيسان تبون وسعيد بطرد المرتزقة من ليبيا الذين يتم استقدامهم من سوريا، ووقف تدفق الأسلحة، في إشارة واضحة إلى تركيا. كما عبَّرا عن سعيهما لاستضافة جلسات حوار بين الأطراف الليبية في تونس والجزائر.

اقرأ أيضًا: تونس ترفض الطلب التركي بإنزال قواتها عبر حدودها مع ليبيا

أستاذ العلاقات الدولية أحمد باشوشي

يقول أستاذ العلاقات الدولية أحمد باشوشي، خلال حديثه إلى “كيوبوست”: “رغم المؤشرات العديدة التي ترجح نجاح جهود دعم الشراكة والتعاون الثنائي تحت قيادة رئيسَين منتخبَين؛ فإن الأمر مرتبط بشروط، من بينها التعجيل بتشكيل حكومة قوية ومتجانسة في تونس لتحريك المياه الراكدة من أجل تعاون راقٍ مع الجزائر، وأيضًا فرض أمر واقع بخصوص القضايا الإقليمية عبر مواقف مشتركة”، مشيرًا إلى أن الرئيس قيس سعيّد ولتعويض فراغ غياب حكومة، شكَّل فريقًا من المستشارين في الاقتصاد والعلاقات الدولية والأمن الشامل، وهؤلاء الذين أحضرهم معه في زيارته إلى الجزائر.

ويعتبر باشوشي أن الزيارة لرد الاعتبار و”نفض الغبار”، بعد تراجع دور تونس إقليميًّا؛ بدليل عدم دعوتها إلى مؤتمر برلين حول ليبيا، وهي أَوْلَى من الحضور لعدة اعتبارات، موضحًا أن تحرك قيس سعيّد باتجاه الجزائر كان من أجل إعلان عودة بلاده إلى الساحة الدولية، وهو ما يفسر صوته المرتفع ونظيره عبدالمجيد تبون، حول رفضهما التدخل الأجنبي في ليبيا، ودعوتهما الأطراف الليبية إلى الحوار على الأراضي التونسية والجزائرية، قائلًا: (إن لقاء “تبون- سعيّد” عزل “تركيا أردوغان” و”فضح” أجندتها في المنطقة).

الإخوان يعرقلون مساعي عودة تونس إلى المشهد الدولي

وبينما يسعى الرئيس سعيّد لاستعادة الدور التونسي على الساحة الإقليمية، تستمر أطراف داخل البلاد في عرقلة الجهود بتعطيل تشكيل الحكومة؛ حيث رفضت حركة النهضة الإخوانية، التوقيع على وثيقة أعلنها رئيس الحكومة المكلف إلياس الفخفاخ، تضم مجموعة من الإجراءات الإصلاحية، وزعمت الحركة أن سبب رفضها التوقيع هو غياب حزب “قلب تونس” عن المفاوضات، غير أن مصادر تحدثت عن وجود صراع بين رئيس الحركة راشد الغنوشي رئيس البرلمان، ورئيس الحكومة المكلف إلياس الفخفاخ، حول حقائب وزارية؛ خصوصًا “الداخلية”.

وفي السياق ذاته، أرسل قيس سعيّد ونظيره عبدالمجيد تبون، إشارات بضرورة تجاوز الانسداد الداخلي والإسراع في تشكيل الحكومة، حيث طلبا اجتماعًا للحكومتَين على أعلى مستوى؛ للنظر في سُبل فتح آفاق جديدة لتطوير العلاقات الثنائية.

اقرأ أيضًا: وزير سابق بحكومة الترويكا رئيسًا مكلفًا لتشكيل حكومة تونسية تقنع البرلمان

زيارة الرئيس التونسي للجزائر يمكن تصنيفها في خانة التزام تونس بخطها المنتهج تجاه “الشقيقة الكبرى”، يشير الإعلامي المهتم بالشأن السياسي نبيل سليماني، في تصريح أدلى به إلى “كيوبوست”، مضيفًا أنه خط قائم على مبدأ الاستعانة بالجزائر في كل ما له علاقة بالبلد؛ سواء من الناحية الأمنية أو الاقتصادية، قائلًا إن الجزائر بالنسبة إلى تونس أكثر من بلد يشاركها الحدود؛ بل هي في نظر التونسيين الحامي والمعين، ولا أدل على ذلك من أن الزيارة هي الأولى للرئيس قيس سعيد، خارج بلاده، منذ توليه الرئاسة قبل ثلاثة أشهر.

الإعلامي المهتم بالشأن السياسي نبيل سليماني

وأوضح سليماني أن لكلٍّ من تونس والجزائر حدودًا تربطهما مع ليبيا، ولأن أمن جارك من أمنك فإن الضرورة تقتضي أن تلعب دورًا محوريًّا في أزمة متشعبة على أعتاب بيتك، ومن هنا “أرى أن على البلدَين استعادة دورهما في حل الأزمة في ليبيا بتجسيد مقاربتهما المعلنة خلال لقاء تبون وسعيّد القائم على ضرورة رأب الصدع من الداخل والنأي بالليبيين عن كل التدخلات الخارجية التي تفسد أكثر مما تقرب”، موضحًا أن الرئيس عبدالمجيد تبون استغل زيارة نظيره قيس سعيّد؛ للمطالبة بطرد المرتزقة من ليبيا ووقف تدفق الأسلحة، في رسالة واضحة تؤكد وقوف الجزائر إلى جانب تونس التي يبدو أنها تعاني ضغطًا في هذا الملف.

وباشرت تونس والجزائر إجراءات لحماية حدودهما مع ليبيا؛ حيث عقدت لجنة الأمن والدفاع بالبرلمان التونسي، جلسة مغلقة لبحث جاهزية وزارتَي الدفاع والداخلية التونسيتَين. وقال وزير الدفاع التونسي محمد كريم الجاموسي، خلال الجلسة: “إن الجنوب الشرقي لتونس مؤمن بالكامل، وإن كل القوات والترتيبات الدفاعية معززة برًّا وجوًّا وبحرًا”. كما أشار رئيس لجنة الأمن والدفاع التونسي عماد الخميري، إلى أن مركز إيواء النازحين بالجنوب جاهز، وتم تحديد كل الاستراتيجيات الأمنية والعسكرية والاستخباراتية؛ من أجل حماية البلاد.

اقرأ أيضًا: الجزائر تتخلى عن حيادها في الأزمة الليبية وتشكل حلفًا لدعم موقفها

وفي الجزائر، دعا رئيس أركان الجيش الجزائري بالنيابة اللواء السعيد شنقريحة، أفراد الجيش بالمناطق الحدودية، إلى مزيد من الجهود لصد وإفشال أية محاولة تهدد السلامة الترابية وتمس السيادة الجزائرية، موضحًا أن ما يشهده المحيط الجغرافي للجزائر من أحداث متلاحقة، بمحاذاة الحدود كافة، يشكل باعثًا أساسيًّا من بواعث زيادة الحيطة، ومضاعفة الحذر وتكثيف كل موجبات اليقظة.

 

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة