زيارة البابا رسمت المسار لجهدٍ متجدد يقضي على الطائفية - كيو بوست
الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربيةمقالات

زيارة البابا رسمت المسار لجهدٍ متجدد يقضي على الطائفية

في حين كانت زيارة البابا إلى المجتمعات المسيحية في العراق تعبيراً عن التضامن مع مجتمعات محطمة.. كان لقاء البابا مع السيستاني هو الأكثر أهمية ورمزية على المدى البعيد

د.دينيس ساموت

التاريخ الحديث للشرق الأوسط مليء بالمآسي المؤلمة التي وقعت بسبب الطائفية والتعصب الديني. وقد مزقت جماعات استخدمت الدين لتحقيق مآرب بغيضة دولاً مثل سوريا والعراق واليمن، كانت حتى وقتٍ قريب تفخر بواقعها. إن العنف والألم اللذين مارستهما هذه الجماعات على الأبرياء والمجتمعات المسالمة يشكل وصمة عار علينا جميعاً كبشر؛ لأننا عجزنا عن وقف هذه الأعمال كل هذا الوقت. ولكن على ما يبدو، فإن هذا التوجه قد بدأ ينعكس أخيراً، ولا يرجع السبب في ذلك إلى الهزيمة لمجموعاتٍ مثل تنظيم داعش فحسب؛ ولكن أيضاً بسبب الاستعداد المتزايد لتحدي التعصب الأعمى الذي عادة ما يصاحب الطائفية، وهذا أمر يتطلب الكثير من الشجاع والتصميم والقيادة.

وليس هنالك من مثالٍ أفضل على هذا من الزيارة الأخيرة لرأس الكنيسة الكاثوليكية، البابا فرنسيس إلى العراق؛ لقد دفع العراق أكثر من أي بلد آخر ثمن الفتنة الطائفية، ولا يزال الوضع الأمني فيه هشاً للغاية، وقد رأى كثيرون أن زيارة البابا هذه هي ضرب من الجنون؛ خصوصاً أثناء الجائحة، ولكنه رأى أن قيمة زيارة كهذه تفوق كثيراً المخاطر، وثبت أنه كان على صواب.

اقرأ أيضاً: الأب عمانويل غريب: تمسك البابا بإتمام زيارته إلى العراق يؤكد معاني المحبة والسلام

لا يزال العراق يعاني جراحَ وندوبَ الحروب والصراعات التي مزقته خلال العقدين الماضيين. في البداية كان الأمر بين الشيعة والسُّنة؛ ولكن سرعان ما خبا تأثير هذا التباين أمام الفوضى التي نشرتها ميليشيات تنظيم الدولة الإسلامية في جميع أنحاء البلاد، والتي استهدفت الشيعة والسُّنة، وجميع الأقليات الأخرى.

وكانت المجتمعات المسيحية في العراق من بين أهداف التنظيم الرئيسية، وهذه المجتمعات موجودة في العراق منذ مئات السنين، وقد تعايشت مع الأغلبية المسلمة في ذلك البلد. هذه المجتمعات ليست جسماً غريباً فُرض على البلد من خارجها؛ بل هي أحد مكونات النسيج الاجتماعي العراقي، وفي الواقع هم من أكثر المجتمعات العراقية وطنية.

كانت زيارة البابا إلى هذه المجتمعات رمزية وعاطفية إلى أبعد الحدود؛ كان البابا يتحدث في ظلِّ الكنائس المدمرة إلى مجتمعات اقتلعت من جذورها وشردت، وكان في حديثه رسالة أمل والأهم منها رسالة مسامحة.

البابا فرنسيس يزور المناطق التي دمرها تنظيم داعش- “بي بي سي”

يشكل تنظيم زيارة البابا كابوساً أمنياً حتى في أكثر البلدان أماناً وتقدماً. وكانت زيارة البابا أكثر طموحاً من المعتاد في ما كانت تهدف إلى تحقيقه؛ فهو لم يذهب إلى بغداد فقط، بل إلى أربيل، والموصل، والنجف، وأور الكلدانية، مدينة النبي إبراهيم. لقد كانت عملية لوجستية استغرق التحضير لها سنوات عدة. وحقيقة أنها سارت كما هو مخطط لها تماماً هي دليل على الجهود الكبيرة التي بذلت في التحضير لها.

اقرأ أيضاً: زيارة البابا فرنسيس للعراق.. الرسائل والفرص السياسية والاقتصادية

ولكن بغضِّ النظر عن النجاح اللوجستي، كان يمكن للزيارة أن تفشل من نواحٍ عديدة أخرى؛ فزيارة البابا الكاثوليكي إلى بلد مسلم كان فيه الدين سبباً للانقسام تتطلب قدراً كبيراً من البراعة الدبلوماسية. تمحورت الزيارة حول بناء جسور جديدة مع العقيدة الإسلامية، وكان تركيز البابا منصباً على السلام والتسامح في جميع خطبه، كما سلط الضوء على الجذور الإبراهيمية المشتركة لليهودية والمسيحية والإسلام؛ حيث ساعد الإيمان بالله الواحد على خلق أرضيةٍ مشتركة للتفاعل الذي كان واضحاً أثناء زيارة البابا.

العراقيون يترقبون زيارة البابا وسط إجراءات أمنية مشددة

يمتلك البابا فرانسيس سجلاً حافلاً في العمل على بناء علاقات جيدة بين المسيحيين والمسلمين، وقد وضع في باكو عام 2016 مساراً أصبح جزءاً مهماً من نهج بابويته؛ فأثناء زيارته إلى باكو وأمام شيخ مسلمي القوقاز وممثلي المجتمعات الدينية الأخرى في البلاد، ذكَّر البابا بالمهمة العظيمة للأديان؛ وهي “مرافقة الرجال والنساء الباحثين عن معنى الحياة، ومساعدتهم على فهم أن القدرات المحدودة للإنسان وخيرات هذا العالم يجب ألا تصبح مستبدة أبداً”. وكان اجتماعه في أبوظبي عام 2019 مع الشيخ أحمد الطيب الإمام الأكبر للأزهر، علامة فارقة في هذا الطريق.

اقرأ أيضًا: كيف يستعد العراق لاستقبال البابا الشهر المقبل؟

ولكن صورة لقاء البابا فرنسيس، مع آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني، في النجف، في السادس من مارس، كانت دون أدنى شك واحدة من أقوى صور عصرنا؛ رجلان متقدمان في السن، كلماتهما لها أهمية بالغة عند الملايين، إذا لم نقل المليارات من البشر، يمثلان دينَين تقاتلا في الماضي؛ ولكنهما أدركا أنه من خلال أفعالهما وكلماتهما يمكنهما منع وقوع المزيد من العنف والمعاناة.

البابا فرنسيس يلتقي آية الله العظمى علي السيستاني أثناء زيارته التاريخية إلى العراق- “ذا غارديان”

في حين كانت زيارة البابا إلى المجتمعات المسيحية في العراق تعبيراً عن التضامن مع مجتمعات محطمة، واللقاءات مع القادة العراقيين وحشود العراقيين تعبراً عن الدعم لبلدٍ بدأ يتعافى بصعوبة من الحرب والصراعات الأهلية، كان لقاء البابا مع السيستاني هو الأكثر أهمية ورمزية على المدى البعيد. وقد أشار البابا نفسه، مرات عديدة، إلى هذا اللقاء في الأيام التي تلته؛ مما يدل على تأثره به وإدراكه لأهميته.

كان البابا مبتهجاً عندما أشار إلى اجتماعه مع السيستاني، أثناء حديثه مع الصحفيين على متن الطائرة البابوية، في رحلة العودة إلى روما يوم الإثنين. وفي لقاء عام في الفاتيكان يوم الأربعاء الماضي، وصف البابا لقاءه مع السيستاني بأنه لقاء “لا يُنسى”.

اقرأ أيضاً: ميليشيات الحشد الشعبي.. دولة إيرانية داخل الدولة العراقية

ولهذه الزيارة البابوية الناجحة العديد من النتائج المهمة؛ فهي تعطي الثقة للعراق وقادته وشعبه في المستقبل، وتقوي رسالة الأخوة والسلام في مناطق كان العنف والانقسام هما القاعدة السائدة فيها حتى وقت قريب. كما أنها رسمت مساراً للعلاقات بين المسيحية والإسلام، في البحث عن أرضية مشتركة والسعي إلى ما يوحد وليس إلى ما يفرق.

وهذا العمل لا بد من أن يستمر على مستويات مختلفة وعبر أطراف مختلفة، ويجب أن يكون القضاء على الطائفية هدفاً رئيسياً يعمل في سبيله قادة الدول وصانعو الرأي الذين يعملون مع مجتمعات من خلفيات مختلفة وفي أجزاء مختلفة من العالم، وعلى الأخص في الشرق الأوسط. إن رسالة السلام والأخوة هي رسالة يجب على الناس من مختلف الأديان أن يحملوها بكل حماسة وإخلاص، والبابا فرنسيس قد أوضح الطريق.

♦مدير مؤسسة لينكس للحوار والتحليل والبحوث، ومراقب ومعلق متخصص في الشؤون الخليجية

لقراءة النسخة الإنكليزية: Pope’s visit to Iraq

اتبعنا على تويتر من هنا

 

الكاتب

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة