الواجهة الرئيسيةشؤون عربيةمجتمع

زواج المتعة “العرفي” ينتشر في الجزائر.. فما الأسباب؟

قانون يمنع الارتباط بزوجة ثانية دون موافقة الأولى أسهم في تفشي الظاهرة.. وإحصائيات رسمية تشير إلى تداعيات كارثية على الأمهات والأبناء

الجزائر – علي ياحي

عادت ظاهرة زواج المتعة أو الزواج العرفي أو الزواج السري إلى الانتشار بقوة في المجتمع الجزائري، بعد تعديلات قانون الأسرة التي منعت الرجل من الزواج بثانية إلا بقبول الأولى؛ الأمر الذي خلق وضعاً جديداً بأمهات عزباوات، وأطفال جزائريين دون وثائق.

وازدادت حالات طلب الطلاق أو الخلع بشكلٍ رهيب جراء توسع ظاهرة الزواج السري. وفي حين كان الوضع مستتباً ظاهرياً بسبب إجراءات الحجر؛ فإن عودة الحياة بشكل تدريجي إلى طبيعتها، وعودة المحاكم إلى العمل، كشفتا عن حجم الخطر الذي يهدد تماسك الأسرة الجزائرية.

تداعيات كارثية

وفي وقتٍ تعترف فيه وزارة التضامن الجزائرية بمخلفات كارثية للزواج السري، غير أنها تجد صعوبة في التعاطي مع الأمهات العزباوات وأبنائهن؛ بسبب افتقارها إلى مراكز متخصصة في التكفل بالفئات الاجتماعية الهشة، خصوصاً أن القانون الجزائري لا يعاقب الأم العزباء ولا يتابعها في المحاكم، إلا في حالة ثبوت أنها ارتكبت جنحة في حق الطفل بإهماله أوالإساءة إليه، غير أن العقاب الذي لا يرحم يتمثل في نظرة المجتمع إليها وإلى أطفالها.

وتتضارب الإحصائيات حول أطفال الزواج العرفي في الجزائر؛ بسبب النزوع إلى السرية، حيث تتحدث منظمات حقوقية عن أعداد تتراوح بين 20 ألفاً و45 ألف طفل.

اقرأ أيضاً: اتهامات بالعنصرية تطول المجتمع الجزائري.. ما صحتها؟

وتُرجع أستاذة علم النفس الاجتماعي دليلة سعدوني، في حديثٍ إلى “كيوبوست”، نظرة المجتمع السلبية إلى الأم العزباء، إلى أنها قضية تتعلق بفتيات غالبيتهن يعانين الفقر وقلة التعليم، وقد تحولت حياتهن إلى جحيم بعد أن وجدن أنفسهن ذات يوم حوامل، في حين يغضّ المجتمع الطرف عن الأب الذي تنكَّر لوعده بالزواج.

أستاذة علم النفس الاجتماعي دليلة سعدوني

ويزداد الوضع سوءاً إذا ما فكَّرن في الانتحار أو الفرار من البيت العائلي؛ تجنباً للفضيحة، خصوصاً في المناطق المحافظة، بينما تجد أخريات أنفسهن تحت استغلال شبكات الإجرام، مشيرةً إلى أن تقارير أمنية قدرت نسبة الأمهات العزباوات اللواتي دخلن عالم الجريمة المنظمة بنحو 50 في المئة.

وتعتبر سعدوني أن انعكاسات جائحة “كورونا” على الأُسر الجزائرية بدأت تظهر بوادرها مع ارتفاع حالات الطلاق والخلع في المحاكم؛ بسبب الزواج العرفي أو السري، موضحة أن الحجر المنزلي “فضح” أزواجاً كانوا “يتمتعون” بزوجة ثانية بعيداً عن أعين الأولى، وقد وجدوا أنفسهم بين مطرقة إهمال الثانية وسندان التهرب من الأولى؛ لاسترضاء الثانية

مقر وزارة التضامن والأسرة الجزائرية

قانون مثير للجدل

لقد انتعش الزواج السري بعد قانون 2005 الذي يمنع الرجل من تسجيل عقد زواجه بأخرى دون موافقة الزوجة الأولى؛ ما جعل الظاهرة إشكالية تُطرح بقوة في المحاكم وبشكل يهدد المجتمع، بسبب انعكاسات الطلاق والخلع على الأبناء الذين لا يشعرون أحياناً بانتمائهم إلى وطنهم؛ فهم محرومون من حقوقهم المدنية والسياسية، بسبب صعوبة حصولهم على وثائق هوية تمكنهم من العيش كمواطنين على غرار بطاقة التعريف ورخصة السياقة وجواز السفر.

اقرأ أيضاً: الانتحار.. ظاهرة تنتشر في الجزائر وتهدد المجتمع بالتفكك

ويؤكد تقرير الرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان، أن الزواج العرفي صار رائجاً بصورة لافتة، وأضحى العديد من الجزائريين يكتفون بعقد قرانهم بقراءة الفاتحة تحت إشراف إمام المسجد، دون توثيق ذلك العقد في الدوائر الحكومية، معتبراً أن هذا الزواج إلى جانب أشكال أخرى من الزواج، هو شكل من أشكال الاضطهاد الممارس ضد المرأة؛ كونه لا يضمن كامل الحقوق للزوجة والأبناء، مرجعاً أسباب انتشار الظاهرة إلى العنوسة وأزمة السكن، وغيرهما من الأسباب الاجتماعية والاقتصادية والنفسية.

أمهات عزباوات يعانين في صمت بإحدى دور حماية المرأة- مواقع التواصل الاجتماعي

في السياق ذاته، ترى الإعلامية أسماء صبرينة، في حديث إلى “كيوبوست”، أن تفشي ظاهرة الزواج السري وتراكم المشكلات التي يخلفها؛ خصوصاً في ما يتعلق بحقوق الأبناء ومستقبلهم وهويتهم، جعل الحقوقيين يثيرون قضية العودة إلى ما قبل قانون 2005، والذي يمنع الرجل من الزواج بأخرى دون موافقة الأولى، مشيرةً إلى أن قانون 2005 جاء لإرضاء فئة معينة من النساء ومنظمات حقوقية لديها أغراض وأهداف معينة؛ وهو تعديل تم بأمر رئاسي ولم يمر على البرلمان.

واتهمت صبرينة رجال الدين الذين يتسترون على الزواج السري وقبولهم قراءة الفاتحة دون القيد القانوني، موضحةً أن الأئمة بتصرفاتهم يتحايلون على قانون 2005، ويشجعون على التفكك الاجتماعي والتعدي على حقوق الإنسان.

الإعلامية أسماء صبرينة

يُذكر أن القانون الجزائري يسمح للمتزوجين عرفياً بتثبيت زواجهم لاحقاً أمام الجهات الرسمية والحصول على الدفتر العائلي. ولا يعتبر الزواج العرفي جريمة؛ حيث تنص المادة 22 من قانون الأسرة على أن “يثبت الزواج بنسخة من سجل الحالة المدنية، وفي حالة عدم تسجيله يثبت بحكم قضائي”، وعليه يمكن تدارك عدم تسجيل الزواج أمام ضابط الحالة المدنية باللجوء لاحقاً إلى تسجيله أمام المحكمة.

 اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

علي ياحي

كاتب صحفي جزائري

مقالات ذات صلة