الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون عربية

زواج القاصرات في مصر.. ظاهرة اجتماعية لا يثنيها القانون

أثارت صورة نشرها طبيب لـ3 توائم وضعتهم طفلة تبلغ السادسة عشرة من العمر جدلاً واسعاً في مصر

كيوبوست- صفاء الشبلي

واقعة غريبة بكل تفاصيلها شهدتها مصر خلال الأيام الماضية بعد انتشار “تدوينة” لطبيب نساء وتوليد، مفادها نجاحه في توليد طفلة لم تبلغ من العمر سوى 16 عاماً، مُردفاً أنها أنجبت 3 ذكور.

أثارت صورة متداولة لطبيب أمراض نساء مع 3 توائم جدلاً كبيراً على وسائل التواصل الاجتماعي في مصر- (مواقع التواصل)

ليس ما سبق هو الأغرب في “التدوينة” التي تحولت إلى “تريند” عبر وسائل التواصل الاجتماعي؛ ولكن ما جاء بعد ذلك هو الأشد غرابة، حيث خرج طبيب يُدعى مدحت سليمان، ليُعلن أنه صاحب الصورة المتداولة، وأن ما حدث يحوي لبساً كبيراً؛ خصوصاً بعد أحد التعليقات التي جاءت على صورته المسروقة، والتي قال صاحبها إن المرأة مجرد وعاء مهما كانت سنها، وهو ما أثار سخطاً كبيراً موجهاً ضد الطبيب صاحب الصورة.

الدكتور مدحت سليمان علق بأن الصورة المتداولة هي صورته بالفعل؛ لكن ما صاحبها من إساءة لم يصدر منه. وقال طبيب النساء والتوليد، الذي يعمل مديراً للوحدة الصحية ببني قرة بمحافظة أسيوط بصعيد مصر، عبر حسابه على “فيسبوك”؛ رداً على مَن طالبوا بمحاكمته: “إنه كطبيب جاءته الأم، الطفلة، في حالة مخاض، وكانت حالتها سيئة للغاية، وفي الغالب يقوم بتوليد الحالات دون سؤال عن سنها أو بياناتها، وعقب عملية الولادة أخبرته إحدى الممرضات أن الأم تبلغ من العمر 16 عاماً فقط”.

واعتبر رواد التواصل الاجتماعي الطبيب مُشاركاً في إجبار طفلة على الزواج في هذه السن الصغيرة. وقال الباحث في التاريخ، وسيم عفيفي: “أتفهم أن يقوم طبيب بعمله في مساعدة السيدات على الولادة؛ لكن لا ينسى أن يقوم بالإبلاغ عن الأب والزوج بتهمة تزوج قاصر، وإلا فهو مشارك في تلك الجريمة”.

تعليق أثار جدلاً واسعاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي

أرقام وإحصاءات عن زواج القاصرات

ووفقاً للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في مصر، فإن 39.3% من إجمالي حالات زواج القاصرات أميون، تليها في المرتبة الثانية أصحاب الشهادة الإعدادية بنسبة 27%، ثم أصحاب الشهادة الابتدائية بنسبة 18.7%، ناهيك بتسرب نحو 21.4 ألف تلميذ من التعليم؛ الغالبية العظمى منهم إناث.

اقرأ أيضاً: زواج القصّر ظاهرة تستدعي الانتباه في العراق

وتستقبل مصر نحو 200 ألف مولود كل عام نتيجة زواج القاصرات، بينما تبلغ دعاوى الأمهات القاصرات لعام 2016 فقط أمام محاكم الأسرة نحو 16 ألف دعوى إثبات زواج و14 دعوى إثبات نسب و12 ألف دعوى نفقة، بينما زادت حالات محاولة الانتحار في العام نفسه إلى 10% بين الإناث و2% بين الذكور.

زيجات عرفية

سارة محمود، إحدى الفتيات اللاتي تزوجن في سن صغيرة وغير قادرة على إثبات نسب طفلتها. تقول سارة: تزوجت في سن الـ16 عاماً، أجرى أهلي الزواج عرفياً لحين بلوغي السن القانونية 18 عاماً، ولكن قبل أن يحدث ذلك حدثت خلافات بيني وبين زوجي، تدخل فيها أهلي ونشبت خلافات حادة، انتهت بمُشاجرة كبيرة بين الطرفَين.

وتتابع سارة، في حديثها مع “كيوبوست”: “العداوة زادت بين أهلي وزوجي، وبعد إنجاب ابنتي رفض زوجي الإنفاق عليها، ليتجدد الصراع مرة أخرى وتحول الأمر إلى (خناقة) انتهت بإصابات بالغة لشقيقي، وتم حبس زوجي، الذي قام بدوره بتقطيع ورقة الزواج العرفي، ولم أستطع إثبات نسب طفلتي حتى الآن”.

تستقبل مصر نحو 200 ألف مولود كل عام نتيجة زواج القاصرات- (الصورة: وسائل التواصل الاجتماعي)

حسب الإحصاءات الرسمية، فقد تم الزواج عرفياً من بين إجمالي 887.3 ألف حالة زواج تقريباً خلال عام 2018، تم تسجيل حالات 139760 امرأة أقبلن على تسجيل وتوثيق عقود زواجهن “العرفي”.

اقرأ أيضاً: زواج الأطفال: مشاريع تجارية مربحة تفتك بدول إفريقية وآسيوية

ولا يوجد نص بقانون العقوبات المصري يُعاقب على جريمة زواج القاصرات عرفياً لحين توثيق الزواج بعد وصولهن إلى السن القانونية عن طريق محكمة الأسرة، وتوجد عقوبة على حالة واحدة فقط؛ “وهي حالة التزوير في الأوراق الرسمية”، وهي التي نصت عليها المادة رقم 227/ 1 من قانون العقوبات، حيث يُعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز سنتين أو بغرامة لا تزيد على 300 جنيه كل مَن أبدى أمام السلطة المختصة بقصد إثبات بلوغ أحد الزوجَين السن المحددة قانوناً لضبط عقد الزواج أقوالاً يعلم أنها غير صحيحة، أو حرر أو قدم لها أوراقاً كذلك، متى ضبط عقد الزواج على أساس هذه الأقوال أو الأوراق.

وينص القانون رقم 143 لسنة 1994 الخاص بالأحوال المدنية والمعدل بالقانون رقم 126 لسنة 2008، على أنه “لا يجوز توثيق عقد زواج لمن لم يبلغ من الجنسَين 18 سنة ميلادية”.

التوعية

في مدينتها مشتول السوق التابعة لمحافظة الشرقية شرقي مصر، تحاول الصحفية والناشطة الحقوقية تهاني حسن، تنفيذ مبادرتها لتوعية الأهالي بعدم تزويج بناتهم في سن صغيرة؛ خصوصاً أن المحافظة تشهد نسبة كبيرة من تزويج الفتيات قسراً.

تهاني حسن

وتنظم تهاني، بمساعدة عدد من المنظمات الأهلية، أنشطة توعوية لفتيات المدارس الثانوية الصناعية الأقل من 18 عاماً؛ لتعريفهن بمخاطر الزواج المبكر وكيف يقضي على طفولتهن، بينما يحرم أبناءهن من حقوقهم حال حدوث مشكلات مع الأب.

اقرأ أيضاً: بيع الفتيات مقابل الغذاء: سوق جديدة صاعدة في أفغانستان

وتقول تهاني: “ربما يكون الفقر والجهل من الأسباب المهمة التي تدفع الأهالي لتزويج بناتهم في سن مبكرة؛ لكن ومن واقع التجارب التي عايشتها ميدانياً، فهناك سبب غريب بالنسبة إليَّ؛ فبعض الأهالي قالوا إنهم زوجوا بناتهم خوفاً من الإنترنت الذي يؤثر على تفكيرهن وقد يستدرجهن لعلاقات عاطفية تسبب الفضيحة للأسرة؛ لذا فالزواج من وجهة نظرهم سترة للبنات، حسب التفكير الشائع”.

القول بسترة الإناث أحد أسباب زيادة تزويج القاصرات في ريف مصر- (الصورة: وسائل التواصل الاجتماعي)

وتتابع: “لمست عدداً كبيراً من المشكلات بسبب الزواج المبكر للإناث؛ أبرزها مشكلات عدم إثبات النسب؛ ومنها فتاة تزوجت في سن الـ14 عاماً لكن توفي عنها زوجها قبل توثيق الزواج، فكانت النتيجة أن ابنها أصبح بلا أب ورفض أهل الزوج إثبات الزواج؛ خوفاً من أن يشاركهم الطفل الميراث، ومن المفارقة أن الأهالي يستدينون لتزويج بناتهم القصر وقد يتعرضون إلى الحبس جراء ذلك”.

تعديل القانون وبدائل لتزويج القاصرات

لمياء لطفي

أما الكاتبة والمدربة في مجال حقوق المرأة لمياء لطفي، فتقول لـ”كيوبوست” إنه لا بد من تعديل القوانين الخاصة بالتزويج القسري للأطفال؛ فالقانون يجرم توثيق الزواج فقط، لذا لجأ معظم الناس إلى تزويج بناتهم عرفياً لحين بلوغهن السن القانونية؛ حتى لا يقعوا تحت طائلة القانون.

وتوضح: “المهم أن يكون العقاب على فعل التزويج نفسه، وأيضاً معاقبة كل الأطراف التي وافقت على ذلك؛ منها الأب والأم لو وافقت، والشهود والمأذون، وكل مَن عرف بأمر الزواج والزوج نفسه إن كان أكبر من 18 عاماً”.

وتتابع لمياء: “الحماية التشريعية جزء من تغيير الوعي؛ لكن من المهم أيضاً أن نعمل على إيجاد بدائل لرحلة حياة تلك الفتيات غير الزواج، فهناك مشكلة تتعلق بنشر ثقافة حق الإناث في العمل، وبالتالي نجاحهن قد يغير فكرة المجتمعات المغلقة التي يعشن بها ناحية التفكير في ما تمثله هؤلاء الإناث لها، خصوصاً إن كن يحققن عائداً مادياً”.

اقرأ أيضاً: تونس أول دولة ألغت العبودية.. ما هو واقع “الاتجار بالبشر” فيها اليوم؟

 وتردف: “التخلص من مفهوم فكرة الستر خصوصاً في فترة المراهقة للفتيات والخوف من دخول الفتاة في علاقة عاطفية، فيكون الحل من وجهة نظر هؤلاء تزويج الفتاة في سن مبكرة بدلاً من احتوائها عاطفياً من جانب أسرتها”.

آلية متكاملة لمواجهة التزويج القسري

أما الكاتبة سامية علام، فتقول لـ”كيوبوست”: إنه لمواجهة استمرار “جريمة تزويج القاصرات قسرياً” مطلوب وبشكل رئيسي وحاسم أن يحب الأهل بناتهم، وأن يعلوا مصلحتهن وسلامتهن الجسدية والنفسية، فتغيير الوعي بشأن هذه العادات الموروثة الضارة لا تكفيه الحملات التوعوية، حتى وإن أشرنا مراراً وتكراراً إلى رأي الطب وتحذيراته من انتهاك أجساد الأطفال غير المؤهلة لفعل الجنس، أو أشركنا رأي الدين المستنير الذي يوضح الفارق بين ما يمكن أن يكون مقبولاً الآن وما كان يحدث في الماضي.

سامية علام

وتضيف: “نحتاج إلى آلية متكاملة لمكافحة التزويج القسري للأطفال، آلية تجتمع فيها كل عناصر المجتمع، من مؤسسات القانون والقطاع الطبي وهيئات السجل المدني ورجال الدين والإخصائيين النفسيين والاجتماعيين، ومن قبل هؤلاء الإعلام؛ لتكون هناك سياسة عمل جمعي متسقة تهندس على كل الجبهات الرفض التام بل والمنع لأية محاولة لتزويج قاصر/ ة”.

وتختم: “على نفس درجة أهمية هذه الآلية برأيي، لا بد أن تكون هناك إرادة سياسية واضحة لوقف جريمة التزويج القسري للأطفال، إذا استشعر المجتمع وجود هذه الإرادة السياسية، وأحسّ بأن فعلاً كهذا سيواجه بحزم وبعقوبات لا تهاون فيها، لن تتكرر حوادث مثل الطفلة التي أنجبت التوائم مؤخراً”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

صفاء الشبلي

صحافية مصرية تهتم بالكتابة الإنسانية والاجتماعية

مقالات ذات صلة