الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون عربية

زواج التوأم الملتصق… معضلة ممارسة الجماع أمام طرف ثالث

أثارت فتوى جديدة لدار الإفتاء المصرية بجواز زواج التوأم الملتصق جدلاً واسعاً في مواقع التواصل الاجتماعي

في الفتوى المنشورة عبر موقعها الرسمي، قالت دار الإفتاء المصرية في فتوى زواج التوأم الملتصق “إن كل واحد من التوأمين مستقل عن الآخر حكماً، فإذا أجرى أحدهما عقد الزواج تام الشروط والأركان صح عقده، ولم تؤثر حالة الالتصاق على إفساد العقد، لأنها أمر خارج عنه”.

وبالنسبة لممارسة الحياة الزوجية في حالة التوأم المُلتصق، قالت الإفتاء إنها أمور إجرائية تفصيلية تخضع لأحكام الشرع الكلية وقواعده العامة التي منها أن “الضرر يزال”، وأن “الضرورات تبيح المحظورات”، وأن “ما أبيح للضرورة فإنه يقدر بقدرها”، وأن “الحاجة تُنزّل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة”، وأن “المشقة تجلب التيسير”، وأن “الأمر إذا ضاق اتسع”، وأنه “إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما”، منوهة بأن الشريعة المطهرة تستوعب هذا وغيره بمرونتها وسعتها وإحاطتها، والتفصيل في كل حالة بحسبها.

شاهد أيضاً: إنفوغراف.. علاج إماراتي واعد للقضاء على فيروس كورونا

تناقض الفتاوى

الفتوى الأخيرة تتعارض مع فتاوى سابقة ترفض زواج التوأمين المُلتصقين، ومنها رفض لجنة البحوث الفقهية بمجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر الشريف في فتوى سابقة منذ عام 2008، حيث تساءلت الفتوى عن كيفية ممارسة التوأم الملتصق العلاقة بينه وبين زوجته، إن كان ذكراً أو تمارس الفتاة العلاقة بينها وبين زوجها إن كانت فتاة وهناك طرف ثالث موجود؟ فلا يصح أن تتزوج الملتصقة حتى وإن كان الملتصق بها ذكرا وليست أنثى، بحسب الفتوى.

لجنة الأزهر في فتواها شددت على أنه في حال توافر التدابير الطبية لفصل الملتصقين، فإنه يجوز الفصل وزواج كل فرد من الملتصقين بشخص آخر، بشرط ألا يؤدي الفصل بين الملتصقين إلى ضرر يلحق بأحدهما، ما يودي بحياته.

اختلفت الآراء حول حكم زواج التوأم الملتصق

الأطباء أصحاب القول الفصل

الدراسات المُسجلة بهذا الشأن، التي اطلعت “كيوبوست” على جزء منها، شهدت انقساماً كبيراً فيما يخص إمكانية زواج التوأمين المُلتصقين من عدمه، فمنها ما أجاز زواجه ومنها من رفضه رفضاً تاماً وقاطعاً أيضاً.

اختلفت الآراء حول حكم زواج التوأم الملتصق

دراسة عن حكم “زواج التوأمين الملتصقين” نشرتها مجلة الجامعة العراقية بعددها 48 ج أ، فندت عدداً من الأمور الفقهية المُرتبطة بزواج التوأم الملتصق، التي يأتي على رأسها ضوابط اعتبار التوأم المُلتصق شخصاً واحداً أو شخصين وكل ما يمكن أن يحلل أو يُحرم زواجهما.

اقرأ أيضاً: ريادة سعودية عالمية في مجال فصل التوائم.. فمتى بدأت؟

وانتهت الدراسة إلى أن البعض يرى أن مجرد التصاق التوأمين يجعلهما اثنين مطلقاً من دون اعتبار أي شيء آخر، والرأي الراجح في تحديد كون التوأم الملتصق واحدا أو اثنين هو الرجوع إلى أهل الخبرة والاختصاص من أهل الطب.

والرجوع للأطباء هو ما خلصت إليه دراسة أخرى بعنوان “أحكام التواءم الملتصقة في الفقه الإسلامي” إعداد فيصل بن سعيد بالعمش، أستاذ الفقه الإسلامي المساعد بقسم الدراسات الإسلامية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة الملك عبد العزيز بجدة.

وترى هذه الدراسة أن الحكم الفصل في زواج التوأم الملتصق لا بد فيه بالرجوع إلى طبيبين عدلين في مسألة اعتبارهما واحداً أو اثنين، وتحديد مسألة استتار كل منهما عن الآخر في حال الجماع، والحديث في هذه المسألة إنما يكون بعد الفصل في كونهما اثنين لا واحـداً، ولذلك ذهب بعض أهل العلم إلى تحريم نكاحهما.

الضرورات تبيح المحظورات

مفسدة ظاهرة

محمود مداد

الشيخ محمود مداد الداعية الإسلامي يقول لـ”كيوبوست” إنه في حالة عدم الفصل بين التوأمين المُلتصقين فلا يجوز زواجهما، لأن الزواج يستلزم إطلاع شخص أجنبي على عورة امرأة أخرى ورؤيته ما لا يحل منها، وهي مفاسد عظيمة تفسد عقد الزواج تحت قياس “درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة”.

ويقول مداد إنه في حالة زواج التوأم الملتصق قد يكون عقد الزاوج صحيحاً، لكن تبقى مسألة الوطء محل خلاف وإشكال كبير جداً، لأن هنا مفسدة ظاهرة في حصول الجماع أمام أجنبي، فرؤية تلك العورات المغلظة أمر في غاية النكارة لا تأتي بمثله الشريعة، وقد اتفق العلماء على أنه لا يجوز الوطء في حال وجود أجنبي، وهو ما يعني فساد هذا الزواج.

ويرى أن “المسألة تحتاج لمجامع فقهية للنظر في مسألة زواج التوأم المُلتصق من جميع الزوايا”.

اقرأ أيضاً: ماذا تكشف لعنة الفرعون عن عقولنا؟

الشيخ حسن الجنايني من علماء الأزهر الشريف، يقول لـ”كيوبوست”، إذا كان من الممكن فصل التوأمين بما لا يؤثر على على أحدهما، فالفصل واجب وأولى وأكمل، وفي حال عدم القدرة على القيام بعملية الفصل لوقوع ضرر على أحدهما، ورغب أحدهما في الزواج فهو أمر جائز، لأن الزواج أمر فطري طالما اكتملت أركانه من ولي وشهود وصيغة وإيجاب وقبول، والزواج في تلك الحالة هو أمر لا بد منه، ولا مانع له.

هناك بعض المشايخ يجيزون زواج التوأم الملتصق من باب الضرورات تبيح المحظورات
حسن الجنايني

ويضيف الجنايني أنه بالنسبة للعلاقة الزوجية حال الزواج فهي أمور تقدر بقدرها، والضرورات تبيح المحظورات، وهو رأي أميل إليه، “فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه”.

وأشار إلى أن “الأطباء الثقات وحدهم المعنيون بتحديد حال الالتصاق، فإن كانت هناك فرصة للفصل فلا يجوز الزواج من دونه، أما إن كان هناك ضرر على أحدهما من عملية الفصل”.

ويرى أن “زواج أحدهما من دون الآخر جائز وهما بحالة الالتصاق، فالضرورات تبيح المحظورات، ويتم الزواج بالطريقة التي فيها تيسير عليهما، ولا يحرم هذان التوأمان من سنة الزواج”.

اقرأ أيضاً: لماذا تحدث الصدف في حياتنا؟ العلم يجيب

يرى الدكتور سعد الدين الهلالي أستاذ الفقة المقارن أن تعدد الآراء حول جواز زواج التوأم الملتصق رحمة للعالمين

الاختلاف رحمة

من جانبه، قال الدكتور سعد الدين الهلالي أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، إن تعدد الآراء حول زواج التوأم الملتصق رحمة للناس، فالرأي الذي يقول إن الزواج جائز قد يأخذ به البعض، والرأي الذي أفتى بعدم جواز الزواج سيلقى هوى جزء آخر.

د. سعد الدين الهلالي

وأضاف الهلالي أن “الفتوى في جميع الأحوال رأي بشري وليست رأي السماء، فلا يوجد بشر بعد النبي صلى الله عليه وسلم يوحى إليه لمعرفة الحق المُطلق، وإنما كل فقيه يتحدث من خلال ثقافته وقناعته وضميره وإحساسه بقيمة الدين في المجتمع وخدمة الدين المجتمع”.

وأشار الهلالي إلى أن “الفتوى الصادرة عن دار الإفتاء هي رؤية القائمين عليها حالياً، وغداً يمكن أن يكون هناك قائمون جدد على دار الإفتاء غير الحاليين، ويمكن أن يكون رأيهم مختلفاً ومخالفاً للفتوى الصادرة عن زواج التوأم الملتصق، واختلاف الرأي في الفتوى هو حق لمن يدلي بها، فالاختلاف حق”.

اقرأ أيضاً: اليوم العالمي للتبرع بالأعضاء.. يستطيع المتبرع إنقاذ حياة ثمانية أشخاص

المسألة عقلية

ويرى الهلالي أن المسألة عقلية، ومن يقبل عقله فتوى الزواج فليقبلها ومن يرفضها فليرفضها، فكلا الفتويين تخضع للمنطق، فلا يملك صاحب فتوى الحق المطلق، و”لا يمكن أن تحدث الفتاوى بلبلة إلا إذا قال أحد الطرفين إن لديه الحق المطلق ولدى الآخر خطأ مطلق، كل فتوى على الله”.

كما أشار إلى أن قبول الفتوى من عدمه يخضع لضمير طالب الفتوى بحسب ما استقر عليه قلبه ومنطقه، فحتى إن قالت دار الإفتاء بجواز زواج التوأم الملتصق وطالب الفتوى لم يرتاح ضميره لها فيمكنه عدم تنفيذها وفقاً لرأي آخر قال بعدم جواز هذا الزاوج، حتى لا يقع في نفاق للنفس.

يرى سعد الدين الهلالي أن الفتوى أياً كانت ليست حكر على شخص واحد وعلى كل مسلم إعمال عقله فيما يطلب من فتاوى

الإسلام السياسي

ولفت الهلالي إلى أن النبي عليه الصلاة والسلام قال “استفت قلبك ولم يقل استفت شيخك أو من يُفتيك، فالذي يفتيني يُبدي لي رأياً يمكن أن آخذ به أو لا آخذ به”.

ويرى أستاذ الفقه المقارن أن “حسم أحد الرأيين على حساب الآخر هو الذي يُحدث البلبلة، فكل شخص حر في فهمه لفقه الدين ولسنا مجبرين على فهمه ورؤيته، فالإسلام السياسي مثلا  لديه القدرة على حشد الناس حول فتاوى واحدة ولا يتركهم يختاورن بعقلهم الحر، ولكي يحشدهم يُشكلهم بصفة واحدة ووراء فتاوى واحدة”.

وعلى سبيل التوضيح، قال الهلالي “الدين جعلنا نصلي حيث نريد وخلال وقت الصلاة المحدد بالفترة بين الأذانين، وليس في وقت واحد أو في المسجد فقط، إذن أماكن الصلاة متعددة كرحمة من الله، الحرية اختارها الله للإنسان ليختار أمور حياته وعدم التمسك برأي من دون الآخر، فالفقه فهم وشرح وليس قضاء، أي التمسك برأي واحد كما يفعل أوصياء الدين”.

اقرأ أيضاً: إدوارد جينر.. أبو علم المناعة ومخترع أول لقاح في التاريخ

أوصياء الدين

وأوضح الهلالي أن “الفقه يختلف من فاهم لفاهم، فليست كل عقول الناس واحدة، والاختلاف رحمة للعالمين، ولا بد لمن يدلي بالفتوى بعرض جميع وجهات النظر ويفندها ولا يتحدث باسم الإسلام، الذي لم يفوض أحداً بالحديث عنه، فالشيخ أو من يدلي بالفتوى هو الذي يرى والإسلام لم يفوض أحداً بالحديث عنه”.

ويلفت: “أوصياء الدين لا يريدون تعليم الناس دينهم بقدر ما يريدون اختطاف عقولهم، ولا بد من محاربة هؤلاء واستعادة سيادة الشعب من سيطرة هؤلاء الأوصياء على عقولهم، الأزهر إلى يومنا هذا يعلم طلابه الرأي والرأي الآخر، فلا تقوم الدراسة في الأزهر على رأي واحد، وهو ما ألتزم به، وأنا ضد احتكار الفتوى وسريانها في اتجاه واحد، وأعتبره خيانة علمية ولا بد لكل من يدلي بفتوى أن ينسبها لصاحبها ويفند كل أطراف فتواه، والاختيار في النهاية يخضع لضمير وراحة الجمهور، ووجود أكثر من فتوى راحة للكل”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

صفاء الشبلي

صحافية مصرية تهتم بالكتابة الإنسانية والاجتماعية

مقالات ذات صلة