الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

روما القديمة وأزمة المهاجرين المتجددة!

تلخيص: كيوبوست

د.ماري بيرد♦

طرحت د.ماري بيرد؛ أستاذة الأدب الكلاسيكي بجامعة كامبريدج، على صفحات “وول ستريت جورنال”، مقارنة صريحة بين تاريخ الإمبراطورية الرومانية مع المهاجرين وأزمتهم المتفاقمة في عصرنا الحالي.

تقول بيرد: عندما بحث الرومان القدماء في أصولهم، رووا قصتَين مختلفتَين تماماً؛ لكن كانت لكل منهما رسالة متشابهة. وكان إينياس، أحد مؤسسي العرق الروماني، لاجئاً من الجانب الخاسر في حرب طروادة، حيث عانى العواصف وغرق السفن في البحر المتوسط قبل أن يهبط في إيطاليا ليؤسس موطنه الجديد.

اقرأ أيضاً: الروايات المتطرفة والروايات المضادة: مناقشة مع دكتور ويليام ألشورن

وتضيف: كانت قصة رائعة حتى في العصور القديمة. وكان من المعروف أن بعض أعداء روما قد لاحظوا أنه لا يمكنك أن تثق أبداً في رجال ينحدرون من عصابة من المتوحشين. وفي السنوات الـ500 الماضية، نظر الساسة في الغرب غالباً إلى روما القديمة واليونان القديمة؛ بحثاً عن نماذج لقراراتهم وسياساتهم. وفي ما يتعلق بقضايا المواطنة، فقد وجدوا مثالَين متضاربَين إلى حد كبير.

قارب المهاجرين لدى وصوله إلى جزيرة ليسبوس- اليونان 2016- “أسوشييتد برس”

وكان للديمقراطية القديمة ثمن، حسب بيرد. فلم يكن من الممكن تقاسم السلطة السياسية على قدم المساواة إلا مع أولئك الذين يُسمح لهم بالمساواة والانضمام إلى النادي الديمقراطي. وهذا هو الثمن الذي تتساءل العديد من الديمقراطيات الأوروبية الآن عما إذا كان يتعين عليها دفعه أيضاً، ولم تكن روما قط ديمقراطية بالمفهوم الأثيني؛ فقد تأسست الإمبراطورية الرومانية، التي كانت وحشية في كثير من الأحيان، على مبادئ مختلفة تماماً من الاندماج وحرية تنقل الناس.

وعلى مدى الألف سنة الأولى من تاريخها، بدءاً من القرن الثامن قبل الميلاد، تشاركت تدريجياً حقوق وحماية المواطنة الرومانية الكاملة مع الشعوب التي غزتها، وحولت مَن كانوا أعداء يوماً ما إلى رومان. وبلغ هذا النهج ذروته في عام 212م، عندما جعل الإمبراطور “كاراكلا” كل فرد حر في الإمبراطورية مواطناً؛ ربما 30 مليون شخص دفعة واحدة، وهو أكبر منح للمواطنة في تاريخ البشرية. وعندما نظر الرومان إلى بداياتهم، رأوا أنفسهم كمدينة لطالبي اللجوء.

اقرأ أيضاً: ما الأسباب التي تدفع اللاجئين في أوروبا إلى التحول للمسيحية؟

وكما تؤكد الباحثة البريطانية في مقالها، فلم يتمكن الرومان في كثيرٍ من الأحيان، أو لم يرغبوا، في الوفاء بحقوق المواطن التي تعهدوا بالتمسك بها. ومن المفارقات المدهشة أن الاستخدام القديم الأكثر شهرة لشعار كينيدي اللاتيني، جاء في ظروفٍ مأساوية؛ حيث تم اتهام مواطن روماني نزيه، مقيم في صقلية، بتهم ملفقة من قِبل حاكم مارق للجزيرة، وتم جلده وتعذيبه ثم صلبه. وبينما كان يحتضر متألماً على الصليب، صرخ مراراً “سيفيس رومانوس سوم”، مطالباً بحق المواطن في محاكمة عادلة في روما.

لاجئون يحتجون بعد طردهم من مبنى كان يأويهم في روما 2017- “أسوشييتد برس”

ومع ذلك، كان الرومان سيصابون بالحيرة من مشكلاتنا الحديثة المتعلقة بالهجرة واللجوء، وربما كانوا سيشعرون بالرعب من المذبحة التي شهدناها بالقرب من شواطئ البحر الأبيض المتوسط، ومن المعارك على حدودنا، والجدران التي نشيدها بحماس لإبعاد اليائسين أو غير المرغوب فيهم عن بلداننا ذات الامتيازات. وغالباً ما يُنظر إلى الجدار الروماني الذي بناه الإمبراطور هادريان عبر شمال إنجلترا في القرن الثاني الميلادي على أنه مقدمة لهذه الحواجز الحديثة.

اقرأ أيضاً: الوساطة الهجينة والأدوات الجديدة لحل النزاعات في نظام دولي غير مستقر

تختم بيرد مقالها بالقول: من السذاجة أن نتصور أن التاريخ يمكن أن يورث السياسة إلى المستقبل، ومن التبسيط أيضاً أن نرسم أوجه تشابه مبتذلة بين ذلك الوقت والآن؛ فلا توجد عصا سحرية رومانية يمكن التلويح بها لحل مشكلات القرن الحادي والعشرين، مهما كانت هذه الفكرة مغرية، لكن ما يمكن للتاريخ فعله هو صقل الطريقة التي نفكر بها في تلك المشكلات، وتحدي الافتراضات التي نتعامل معها باعتبارها طبيعية، وكشف الاختلافات عبر الزمن.

أعمال بناء جدار على طول الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك لمنع عبور المهاجرين 2016- “أسوشييتد برس”

وفي هذه الحالة، هناك بعض التذكيرات البارزة بمدى تميز الاتحاد الأوروبي عن الإمبراطورية الرومانية. ومن المغري الخلط بين الاثنين، لأن معظم أوروبا مبنية حرفياً على تراث روما وأطلالها؛ لكن أزمة المهاجرين -التي هي سياسية بقدر ما هي إنسانية- تكشف عن انقسامات وهشاشة الاتحاد الأوروبي والمصالح الذاتية للدول المكونة له، والتي يمكن لأي منها أن تقاوم إرادة الكل بسهولة عندما يناسبها ذلك.

اقرأ أيضاً: 4 أسباب وراء رفض بعض الدول ميثاق الهجرة العالمي

وربما كانت الإمبراطورية الرومانية نظاماً سياسياً غير عملي، مع هياكل قيادة غير مستقرة وجحافل من الجنود التي يمكن أن تصبح مستقلة بشكل خطير؛ لكنها كانت وحدة سياسية؛ بمعنى أن الاتحاد الأوروبي الحديث ليس وحدة، وعلاوة على ذلك، فقد شملت الإمبراطورية داخل أراضيها تقريباً جميع الأماكن التي يأتي منها المهاجرون واللاجئون الآن. ولم تتمكن روما من إدارة هذه الأزمة بشكل أفضل مما ندير نحن أزمتنا اليوم.

ففي إحدى المناسبات، في عام 376، سمحت السلطات الرومانية لمجموعة من المهاجرين بالدخول إلى الأراضي الإمبراطورية، على أمل استغلالهم كقوة عاملة في الجيش؛ لكن انتهى بهم المطاف إلى التضور جوعاً في مخيماتٍ مؤقتة، حتى قرر الرومان جني بعض الأرباح من هذا الوضع من خلال “بيع” لحوم الكلاب لهم، في مقابل بعض نسائهم وأطفالهم كعبيد. وسرعان ما ثأر المهاجرون بهزيمة الجيش الروماني وقتل الإمبراطور نفسه؛ فالقسوة على اللاجئين يمكن أن تكون لها عواقب وخيمة، وربما يكون هذا درساً.

♦ أستاذة الأدب الكلاسيكي في جامعة كامبريدج.

المصدر: وول ستريت جورنال

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة