الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةمقالات

روضات الأطفال.. مصنع إنتاج المواطن الألماني

د. نجاة عبد الصمد

الماكينة! بها يوصَف المواطن الألماني بدءاً من انضباطه في عمله إلى حيثيات يومه ومشروعات حياته.

تراه يتولَّى الجزئيات الصغيرة في جزء العمل الموكول إليه، ولا يحاول أبداً تجاوزها إلى مهمةٍ أوسع أو أن يبتكر أو يعدِّل أو يضيف، وخلال أداء عمله يتواصل مهنياً مع زملائه ولا يُظهر تفاعلاً أو انفعالاً أو عاطفةً ما عدا اللباقة المهنية المبالغ فيها، والتي قد تنطلي على أي مراقب لا فكرة لديه عن هذه الخلفية.

أهي تربية الأسرة أم المؤسسات التعليمية أم النظام المجتمعي، أم جميعها رسَّخت فيه نموذج الماكينة؟

لا يزال النظام التعليمي في ألمانيا في العموم حكومياً بمراحله كافة، يسير على نهجه الأكاديمي التقليدي خلافاً للنماذج الحديثة التي طوَّرتها الدول الإسكندنافية مثلاً.

اقرأ أيضًا: من يقف خلف شيطنة مراكز رعاية الشباب والأطفال في السويد وألمانيا؟

لا تفرقة في حقوق التعليم بين مواطن ألماني أو مهاجر أو لاجئ إلى ألمانيا ولديه وثيقة إقامة نظامية. يدخل الطفل المقيم فيها المدرسة الابتدائية في عمر السابعة، وتستمر لأربعة صفوف، تليها المرحلة الثانوية لثمانية صفوف من الخامس حتى الثاني عشر.

بانتهاء المرحلة الابتدائية يكتمل تقييم التلاميذ في خمسة مستويات: (مجتهد جداً، مجتهد، لا بأس، متوسط، ضعيف). بعدها يتابعون دراستهم وَفق مستوى تحصيلهم: مستوى مجتهد جداً ومجتهد في الثانوية العامة. مستوى لابأس في الثانوية المتوسطة. مستوى متوسط في المدارس المهنية. مستوى ضعيف إلى مدارس حكومية خاصة؛ لتبحث موضوع تأهيل مكافئ لإمكاناتهم.

وخلال سنوات الثانوية يمكن لأي تلميذ تحسَّنَ أداؤه أن ينتقل إلى المدرسة الأعلى مستوى، والعكس أيضاً: إذا تراجع في دراسته ينقلونه إلى المستوى الأدنى.

لا يزال النظام التعليمي في ألمانيا في العموم حكومياً بمراحله كافة- وكالات

مدة التعليم الإلزامي تسعة صفوف، يحصل الطفل خلالها على حقه المكفول بالقانون ليس في التعليم وحده بل في الطعام والرياضة والترفيه.. وإن غاب الطفل أو تكرر تأخره تتصل المدرسة بالمنزل لتستفسر عن السبب، وإن رفض التلميذ المجيء إلى المدرسة يتم إحضاره عن طريق الشرطة، مع تكليف فريق من المختصين في علوم النفس والاجتماع بالتنسيق مع ممثل مكتب الشباب لتحرِّي الأسباب؛ فإن ثبت أن أسرة الطفل غير كفؤة لمختلف الأسباب، وأنها تتسبب بانقطاعه عن المدرسة، يؤخذ الطفل من أسرته إلى عهدة الحكومة (حينها يتكفَّل مكتب الشباب إلى حدٍّ كبيرٍ في جبر كسورٍ أحدثتها شروخ الأسرة في حياة أطفالها، وبالمقابل يترك هذا الانتقال إلى عهدة مكتب الشباب شرخاً عميقاً في حياة هذا الطفل).

بعد الصف التاسع يُجيز القانونُ للطالب أن يغادر المدرسة إذا رغب، على أن يبحث عن مدرسة مهنية أو تدريب مهني، المهم أن لا ينقطع عن التعلُّم.

لكن تربية الأطفال لا تبدأ في المدرسة، بل في روضات الأطفال التي تستقبلهم منذ عمر شهورٍ حتى اكتمال سنة العمر السادسة.

اقرأ أيضًا: التشهير بالأطفال على تطبيق “تيك توك”

مرحلة الروضة إجبارية في حياة الطفل، والروضات في عمومها حكومية ومجانية، ومبادئ برامجها وأنشطتها واحدة في جميع الولايات مع اختلافات في طرائق التطبيق، (كما توجد روضات خاصة مدفوعة الأجر قد تدخل التربية الدينية الإسلامية أو المسيحية أو اليهودية إلى برنامجها أو تنتهج حماية البيئة كأولوية أو التغذية الطبيعية أو بعض الأنشطة الإبداعية الخاصة..).

يمكن تسمية الروضة: مصنع إنتاج المواطن الألماني، صناعة تربيته! إذ لا تنشغل هذه الروضات باكتشاف روح الإبداع ولا المواهب الكامنة في كل طفل، ولا على إثقاله بالتعليم عبر الورقة والقلم، (فهذه سيأتي أوانها في المدرسة)، بل على تعليم وترسيخ الانضباط والانصياع الحرفي للنظام وللقانون، وعلى تهذيب سلوك الطفل وتدريبه عملياً على قواعد التعامل مع ثيابه وأشيائه وألعابه وقواعد اللعب والطعام والنظافة ودخول الحمام… كذلك برمجة عادات يومه ودقة مواعيدها منذ الاستيقاظ حتى وقت النوم، وإدخال المعارف الأساسية إلى منظومة تفكيره عبر مختلف الأنشطة كاللعب والغناء والرسم والحديث والحوار وروي القصص المصورة في كتيِّبات الأطفال. وكل سلوكٍ يبدر من أي طفل خلال الأنشطة لا يقابَل بالمديح ولا بالذمّ ولا بالأحكام، بل بمتابعة تدريب كيانه جسداً وروحاً وتفكيراً على إدارة حياته الشخصية وعلى الدخول في منظومة المجتمع والدولة.

كنهجٍ عام يتربَّى هذا الطفل على كيفية إدارة حياته كفردٍ مستقل، تتولَّى الروضة تدريبه كيف يعتني بنفسه وحدها لا بسواها، وأن علاقته المباشرة ستكون مع حكومته من خلال مكاتبها وَفق اختصاص كل مكتب. فإن كان في الروضة أخوان أو أكثر مثلاً، يقضي كل منهم يومه وأنشطته مع أبناء مجموعته. كما لا يربط المربّون بينه وبين أخيه، ولا يُطلعون الأخَ الأكبر إن طرأت مشكلةٌ على أخيه الأصغر ولا يتكلف بتوصيل أية معلومةٍ أو ورقةٍ إلى الأهل؛ يتم إخبار الأهل بشؤون كل طفلٍ على حدة باللقاء المباشر أو عبر رسائل البريد.

مرحلة الروضة إجبارية في حياة الطفل- وكالات

مع بدء الطفل يوم دوامه الأول تحضر معه أمه أو أبوه لساعة يومياً لمدة أسبوعٍ قد تُمدَّد لأيامٍ أخرى. يُنبَّه على الأم ألا تظهر الجزع أو البكاء إذا بكى طفلها في المكان الجديد الغريب عليه، فبكاؤها قد يفهمه الطفل على أن هذا المكان مخيف، وهو ما يؤثِّر على ارتياحه إليه واندماجه فيه، ويطلبون منها ألا تتدخل أو تكثر من توصياتها؛ فالنظام سوف يسري على هذا الطفل كما على ابنها.

للإضاءة على حيثيات هذه التربية/ الصناعة، يمكن استعراض نموذجٍ ليوم الدوام في الروضة:

يبدأ وصول الأطفال منذ السابعة صباحاً وحتى العاشرة. توقيت إيصالهم مرتبط بدوام الأهل، وكذلك مغادرتهم بعد الظهر منذ الساعة الثانية حتى ما بعد الخامسة.

يتوزَّع الأطفال في مجموعاتٍ حسب سنة العمر، وأحياناً يُدمج أطفال السنتَين الأولى والثانية معاً، ثم الثالثة والرابعة وهكذا.. وفي جميع الأعمار يتم استلام كل طفل شخصياً من أهله في البهو أمام حديقة الروضة (أو من شخصٍ متفقٍ عليه بين الروضة والأهل كالجد أو الجدة أو جارٍ أو قريبٍ يحمل تفويضاً رسمياً من الأهل)، كذلك عند انتهاء الدوام يتسلَّمه الأهل يداً ليد بحيث لا يُترك الطفل وحده ولو لدقيقة.

اقرأ أيضاً: وسائل التواصل الاجتماعي تحول جيلاً من الأطفال إلى كاذبين!

فور دخول الطفل يخلع السترة الخارجية والحذاء، يعلقهما على المشجب والرفوف حيث كُتب اسمه، ينتعل حذاء الروضة (البيتي) ثم يغسل يدَيه ويدخل إلى القاعة، لينطلق في اللعب. حتى عمر سنتين تساعده المربية على خلع ثيابه وتعليقها وهي تتحدث معه عن كل خطوةٍ تقوم بها، وتبدأ بتدريبه بأن تترك له مثلاً أن يضع حذاءه على الرف السفليّ ثم توسّع مهماته. بعد عمر السنوات الثلاث يصبح الطفل مستقلاً وقادراً على فعل هذه الأشياء بنفسه ما عدا بعض المساعدة في فكّ سحاب الجاكيت أو حلّ عقدة الحذاء. وإن بالغ في التلكُّؤ أو طلب المساعدة تقول له المربية: ولكنك تستطيع وحدك! لا أستطيع! حاول وسترى: تنتظره مهما طالت محاولاته، وكذلك عند الخروج تمهله كي يعقد السحاب أو ربطة الحذاء حتى لو انتظره الأهل أسفل بناء الروضة لوقتٍ أطول من صبرهم. وإذا جاء الأهل لأخذ أطفالهم قبل الموعد المتفق عليه بسبب تغيُّرٍ في ظرفهم، فسوف ينتظرون حتى يكمل الطفل فقرة النشاط التي ينهمك فيها الآن ضمن برنامج الروضة.

المربيات في الروضات الألمانية عادة إناث، ومتوسط نسبة الذكور العاملين كمربين تبلغ  5%، وترتفع هذه النسبة في برلين وحدها إلى 10%.

معظم القاعات المخصصة لأطفال السنوات الثلاث الأولى مصممة على هيئة بيت فيه غرفة العائلة وغرفة النوم والمطبخ والحمام، وفي كل منها أثاث كامل. يتعلم الطفل بالتنبيه أن يلعب بكل غرض في ركنه نفسه ويمنع أن يخرج أغراض المطبخ مثلاً إلى غرفة العائلة أو النوم. 

يتوزَّع الأطفال في مجموعاتٍ حسب سنة العمر- وكالات

لا دروس ولا وظائف خلال برنامج النهار لجميع الأعمار؛ فقط لعب وأنشطة.

*تجسِّد الألعاب مختلف قطاعات الحياة من البيت إلى العمل إلى علوم الفضاء إلى طرائق جني المال؛ دمى وحيوانات ومكعبات خشبية للبناء ولوحات البازل وورق الأونو وأدوات المنزل والنجارة والحدادة والتصليح وقطارات تسير على سككها ومجسم طريق بلافتاتٍ وإشارات ضوئية ومكعبات لتصميم مختلف الأشكال وأزياء مهنية لعامل البناء والشرطة ورجل الفضاء والمعلم والطبيب والمهندس والمحامي والمصرفيّ.. وأزياء تنكرية. بالألعاب والكتب المصورة والأشكال والمجسمات ينمِّي الطفل مهارات التفكير ويتعلم العدّ حتى رقم مئة على الأقل والعمليات الحسابية البسيطة، ويعرف أشكال الحروف وأعضاء جسم الإنسان ووظائف الحواس وأسماء الحيوانات والطيور وأنواع وسائل النقل وإشارات المرور وأشكال البناء وظواهر الطبيعة وأساسيات مهنة الزراعة ومختلف المهن الصناعية..

يلعب الصبيان والبنات بجميع الألعاب دون فرق أو توجيه لأي طفل بأن يلعب حسب جنسه، تضع البنات والصبيان أحياناً دمية تحت القميص على أنها أو أنه حامل.. وتبني البنات بالمكعبات بيوتاً وتقود شاحنةً أو طائرة وتدير محطة فضائية..

في الروضة دميتان عاريتان لجسد الذكر والأنثى، ومن خلالهما تشرح المربية الفروق ووظيفة هذه الأعضاء ومهمة المرأة بالحمل والإنجاب حين يأتي أوانه.

اقرأ أيضًا: وفقًا لرسوماتهم: كيف يرى الأطفال المصابون بصدمات نفسية العالم؟

خلال اللعب: ممنوع مغادرة هذه القاعة على الإطلاق، وعين المربية موجهة إلى الجميع: لا ترمِ اللعبة، لا ترفع صوتك، لا تصرخ، يمكنك التعبير عن نفسك بغير الصراخ، لا تأخذ اللعبة من يد رفيقك، لا تبكِ، لم يحدث ما يستحق البكاء، وإذا احتاج الذهاب إلى الحمام فعليه أن يستأذن. (والمربي أيضاً يخبر زميله حين يحتاج الذهاب إلى الحمام؛ كي ينوب عنه في الانتباه إلى الأطفال خلال دقائق غيابه).

*الرسم والتشكيل بكل أنواع الأقلام أو المعجون أو التلوين المائي بالريشة.. تحت ورقة الرسم طبقٌ عازلٌ بينها وبين الطاولة؛ كي لا تتسخ. وخلال الرسم يستهلك الأطفال أوراقاً بيضاء لا تحصى ولا تتدخل المربية في تقنين المصروف أو التوجيه إلى ما على الطفل أن يفعل.. فليشخبط مجرد خطوط أو يرسم الأشكال التي يريد أو يفرغ الطاقة التي يريد أو يحتاج وحسب!

*فقرة يومية قصيرة للرقص: تشغل الموسيقى من المسجل ويتحرك كل طفل في مكانه ولا يُنبَّه من لا يكترث ولا يجبر على الرقص أو المشاركة.. يعتقدون أنه سوف يأتي وقت وتسترعي الموسيقى انتباه كل طفل.

يلعب الصبيان والبنات بجميع الألعاب دون فرق- وكالات

*بعد تناول السناك الصباحي نزهةٌ يومية لشمّ الهواء النقيّ في مختلف ظروف الطقس حتى القاسية منها. (المقولة السائدة هنا: ليس السوء من الطقس بل من اللباس غير المناسب لكل طقس)، يُلبسون الأطفال ثياباً ملائمة لبرد الشتاء كالقبعة والشال والقفازات والحذاء الشتوي العازل، ويخرجون بهم إلى حديقة الروضة أو الحي. ومن عمر الرابعة خروج إلى قطاعات المدينة وركوب وسائل النقل العام وتعلُّم قواعد استخدامها ودخول المكتبات أو المراكز الثقافية أو بعض الأندية المتخصصة بالأنشطة. وقبل الخروج يرتدي الأطفال ستراتٍ بلونٍ فوسفوري أو برتقاليّ فاقع (ألوان التنبيه أو الخطر تحسباً لانفلات أي طفلٍ عن الرتل أو ضياعه) واسم الروضة وعنوانها ورقم هاتفها مكتوبة على ظهر السترة. يتعلمون الاستناد إلى الدرابزين وهم ينزلون الدَّرَج داخل مبنى الروضة، وخارجها ينتظمون في صفٍّ طويل، اثنين أو ثلاثة يمسكون بأيادي بعضهم في رتلٍ منتظم، ويُنبِّههم المربون ألا يتركوا أيادي بعضهم لأي سبب، وينتبهون (ومن غير أن يفسّروا للأطفال أنهم يدرِّبونهم على الاختلاط بتلقائية) إلى أن يكون الصف الواحد من الجنسَين. يسير الأطفال في الرتل وهم يغنُّون أو يتحدثون ويضحكون، على ألا تعلو أصواتهم وتزعج الماشين في الشارع، وإذا سمعوا كلمة انتباه سكتوا من فورهم. وأثناء السير يعلِّمهم المربي قواعد السير في الطريق وإشارات المرور وخط سير الدراجات وأماكن ورشات البناء والمداخل التي يتوقع منها خروج سيارات..

اقرأ أيضًا: لماذا يكذب الأطفال؟ وهل هو أمر عادي؟

الطعام:

قبل كل وجبة طعام بعشر دقائق يعلو صوت المربية بنشيدٍ لطيف: سوف نرتب الغرفة بإعادة الألعاب كلها مرتبةً في أمكنتها؛ فقد انتهى وقت اللعب الآن، ويستجيب الأطفال ويعتادون مع الوقت فيكفُّون عن التذمر..

*في الساعة التاسعة والنصف وجبة سناك خفيفة من أنواع الخضار والفاكهة والبسكوت الناشف من مختلف الحبوب الكاملة (لا شيكولاتة ولا كريمة ولا زبدة). يجلس الأطفال جميعهم على الأرض ويوزع عليهم الطعام أو يدور الطبق الكبير عليهم مع تكرار تسمية أنواع الفاكهة والخضار؛ كي يحفظوا أسماءها وفوائدها الغذائية (البندورة والفليفلة والتفاح والبرتقال والكيوي والموز والفواكه الاستوائية موجودة دوماً) ويختار الأطفال منها فقط ما يحبون ولا يجبرون على ما لا يحبون. لا يسمح للطفل في جولة الطبق أن يأخذ أكثر من نوع، وسيظل الطبق يجول بينهم بالدور المنتظم حتى انتهاء كل ما فيه أو اكتفاء الأطفال ورفضهم المزيد.

*الحادية عشرة والنصف حتى 12: وجبة رئيسية (هناك أُسر نباتية توصي أن لا يأكل أولادها بعض أنواع اللحوم أو كلها، أو تسمح بالسمك وحده، وطلباتهم محفوظة في قائمة المطبخ). هناك لكل يوم يخنة من مختلف الخضار والبقول؛ كالعدس والفاصوليا والحمص أو بطاطا مهروسة أو أرز أو مكرونة وقليل جداً من الزبدة وصلصات منوعة يدخل فيها الحليب أو تخلو منه لأطفال الأسر النباتية)، وبعدها التحلية التي يدخل اللبن الحلو مع نوعٍ أو أكثر من الفاكهة في معظمها، أو قد تكون الخيار أو الفليفلة أو البندورة.

اقرأ أيضًا: مواقع التواصل الاجتماعي قد تكون وراء اضطرابات النوم لدى الأطفال

حتى عمر الثالثة يجلس كل طفل على كرسيه المخصَّص له، وتُربَط (الدقونة) إلى صدره، بما في ذلك كراسي أطفال السنة الأولى المجهزة بأحزمة حماية. بعد الجلوس ترفع المربية أكمام البلوزة لكل طفلٍ حتى المرفقين، وتعلمه الجلوس الصحيح إلى طاولة الطعام، أن يستند إليها بالمرفق أو بالكوع ولا يبسط يده كاملةً عليها، وتضع أمامه قنينة الماء التي يجلبها معه من بيته ليشرب منها أو يتسلَّى بها حتى تأتي صحون الطعام؛ المهم أن يتعود على شرب الماء قبل الطعام.

تصب المربية الصحن (وإذا كان فيه شريحة سمك مثلاً أو قرص عجة تقطّعها المربية قبل أن تقدمها للطفل)، وتضع الصحن في المسافة الصحيحة أمام كل طفل ليتناول طعامه بارتياح ولا يتضرر عموده الفقري. غير مسموح ببدء الأكل حتى تنهي المربية صبّ الصحون للجميع وكمية الطعام فيها مدروسة بحيث تكفي، ثم نشيد صغيرٌ يغنونه جماعةً ينتهي بـ: شهية طيبة للجميع فلنبدأ الطعام.. إن لم يرد الطفل هذه الوجبة لا يُجبر عليها؛ ولكن لا يعطى البديل، سيكتفي حينها بالتحلية التي تأتي بعد أن يكمل الآخرون صحونهم. وإذا لم يكمل الطفل صحنه فلن يجبر عليه. وإذا لم يطلب الطفل إضافةً بعد إكمال صحنه يسألونه: هل تريد بعد؟ وإذا أكمله أسرع من الآخرين وطلب حصة ثانية لن يعطوه إياها إلا بعد أن يكمل الباقون صحنهم الأول، وإذا ألحَّ يقولون له: اشرب الماء الآن وخذ فاصلاً قصيراً ريثما ينهي رفاقك. بعدها يبدأ توزيع الحصة الثانية لمن يرغب.. وإذا طلب الطفل حصةً ثالثة يجيبونه بحزم: ما تناولته حتى الآن كاف وإن أكلتَ أكثر فستكبر معدتك وتثقل حركتك وستسمن و.. كأن طقوس الطعام في جميع الوجبات تمرينٌ على التنظيم والانضباط والصبر..

 يأكل الطفل وحده من نهاية السنة الأولى، تراقبه المربية وتعلِّمه الأكل بالشوكة والسكين منذ الثانية، وقد تمضي السنة الثانية كلها والطفل يتعلم كيف لا يستخدم يده التي لا تمسك بالشوكة ليساعد نفسه على إدخال الطعام إلى فمه، وتظل تعيد عليه مراتٍ ومرات: لا تستخدم أصابعك للأكل! فقط الملعقة أو الشوكة.. وعينه على صحنه وحده ولا شأن له بالآخرين: لا تنظر إلى غير صحنك. هذا ليس لك!

الأطفال في المدارس الألمانية- وكالات

يمنع على الطفل أن يأخذ صحنه بعيداً عن طاولة الطعام، ولا أن يتحرك أثناء الأكل بعيداً عن الطاولة، وينتظر الجميع حتى ينهي آخر طفلٍ طعامه مهما طال الوقت، ثم ينهضون بالدور ليرمي الطفل بنفسه ما بقي في صحنه في سطلٍ خاص (سوف يذهب إلى النفايات العضوية التي يعاد تدويرها، ومع الوقت تُقدّر المربية كم ستضع في صحن كل طفلٍ حسب مقدار أكله). ثم يضع الملعقة والشوكة والسكين في سطل الأواني الملوثة، وقد يسهم الأطفال في مسح الطاولات وإعادة ترتيب الكراسي مع وجود موظفةٍ لهذه المهمة.

ابتداء من عمر الرابعة يُعطى الطفل كأساً من الروضة ويخيِّر بين الماء أو الشاي قبل ومع الطعام، والشاي ليس الشاي الأحمر بل مجموعة أعشاب يتعود الأطفال على شربها من دون إضافة السكر أو المُحلّيات. وفي هذا العمر يمكن للمربية أن تغير أماكن جلوسهم إلى الغداء إذا لاحظت أن البنات يجلسن وحدهن، وكذلك الصبيان، لتتابع تعويدهم على الاختلاط التلقائي..

بعد الطعام ينطلق الأطفال في رتلٍ منتظم الغسيل لغسل اليدين والفم وتفريش الأسنان مع نشيدٍ يشرح كيفية فرك الأسنان واللثة.  

اقرأ أيضًا: هل يكذب عليك طفلك؟ هذا أمرٌ جيدٌ

فترة النوم

تأتي بعد وجبة الطعام الرئيسية: النوم للأطفال حتى السنة الثالثة، وبعد عمر الرابعة: تخييرٌ بين النوم أو القيلولة؛ حيث يسترخون ويستمعون إلى موسيقى أو يتصفحون في كتاب.

تبدأ فترة النوم بفقرة: (خذ كتاباً) يطوله الطفل من سلة الكتب. (هذه الكتب ملونة ومصوّرة؛ عن الزهور والأشجار والحيوانات وأعضاء جسم الإنسان ورحلة إلى ورشة النجارة أو الحدادة ومصنع السيارات وإلى قاعدة الفضاء وعيادة الطبيب أو طبيب الأسنان وفي المزرعة وفي البيت وفي المدرسة وفي..). يمسك الطفل بالكتاب ربما بالمقلوب ويتصفحه وهو لا يقرأ؛ فقط ينتظر دوره لتخلع له المربية البلوزة والبنطال والجرابات، ويبقى في الأفرول الداخلي. حين يصبحون جميعهم جاهزين ينتظمون في الرتل، وفي طريق خروجهم إلى صالة النوم يعيد الطفل الكتاب إلى السلة ويسير في الرتل على صوت موسيقى خاصة. لكل طفل فراشه ولحافه ومكانه ولهايته (واللهاية شائعةٌ جداً بين الأطفال حتى عمر الثالثة) ولعبته المفضلة في يده. يحاول الأطفال مقاومة النوم بكل الطرق، وأخيراً ينامون. (أمرٌ لافتٌ أن الأطفال الألمان كلهم تقريباً ينامون على بطونهم وركبهم مثنية إلى الجذع “وضعية الطوبزة”، بينما لا ينام أطفال المهاجرين مثلهم).

يُترَك الأطفال حتى يفيقوا وحدهم، على ألا يناموا أكثر من ساعتَين (حتى الثانية ظهراً) حينها يوقظونهم بلطفٍ وحنان، بالمسح على الرأس أو الكتف أو الظهر. ينهضون وتبدأ فقرة خُذ كتاباً بعد الاستيقاظ، يتصفح فيه الطفل حتى يأتي دوره في الإلباس ويعيده إلى مكانه في السلة ويأخذ مكانه في الجلوس على الأرض حتى يتم إلباس الجميع. يسيرون في رتل إلى الحمام، في المجموعة يصل عددهم حتى 15، يجلسون على الدكة، يتبول بعضهم بمفردهم على كرسي الحمام المكشوف أمام بعضهم وكأنه تدريب على تقبل حاجات الجسم البشري من دون التغطية عليها أو اعتبارها سراً أو عيباً. (وتُراعى توصية بعض الأهل بأن يقضي طفلهم حاجته في حمام مغلق). تغيير الحفاضات لعمر السنة على الطاولة الخاصة وهم في وضعية الاستلقاء، وللسنتين وما فوق وهم واقفون وأمام بعضهم، حتى تصبح رؤيتهم لبعضهم عارين أمراً اعتيادياً. بعدها يغسلون أياديهم وينشفونها بالمحارم المتدلية من علبتها على الحائط على ارتفاع يكافئ أطوالهم ثم يرمي الطفل المحرمة في سلة المهملات ويعودون في رتل.

اقرأ أيضًا: توقف عن مقارنة أطفالك بالآخرين، لا سلبًا ولا إيجابًا!

*من الطبيعي أن تقع في الروضة خلافاتٌ بين الأطفال أو شجار أو أن يقع أحدهم أو يتعرض إلى جرحٍ أو إصابة، يتم التعامل معها لحلها أو مداواتها كما تقتضي، ثم يتم تدوين الإصابة ومكانها وساعة وقوعها في سجل خاص، وكذلك إخبار الأهل بما حدث بالتفصيل ويطلب منهم الحضور إذا استوجب الأمر. وتُدرس هذه السجلات كل عام لإحصائها واتخاذ التدابير بشأن أسبابها وإمكانية تلافيها، وكذلك كفاءة المربين ومستوى أداء الروضة عموماً والانتباه إلى نقاط الخلل.

*هناك تكريس كثير لمشاركة كل طفل في يوم ميلاده وإيلاء عيد الميلاد أهميةً عالية. للطفل المحتفى به في يومه كرسي خاص مرسوم على ظهره العالي ما يشبه التاج. يأتي معه بالحلوى من بيته من تحضير أمه، ويُعطى قاعة خاصة في الروضة يدعو إليها مجموعة قليلة من الأطفال يختارها بنفسه، يشعلون له الشموع ويقطعون الكاتو، وإذا زاد عنهم بعض الحلوى يعاد توزيعها على الباقين.

*منذ بدأت اختبارات الإصابة بفيروس كورونا، يتم إجراؤها للأطفال مرتَين أسبوعياً عن طريق المسحة من الأنف والفم. ولأن المسحة مزعجة للأطفال بدأ تعريفهم بها أول مرة بعرضٍ على الدمى، بعدها أصبحوا يأخذونهم كل ثلاثة أو أربعة لإجراء الاختبار دون احتجاج أو خوف؛ حتى إن طفلةً في الثالثة قالت لرفيقتها: لا تخافي، إذا شعرتِ بالانزعاج فيمكنك ببساطة أن تبكي.

اقرأ أيضًا: الأطفال وكورونا

*الطفل الذي يختطّ طريقته الخاصة (في السلوك أو اللعب أو قضاء وقته في الروضة على طريقته، أو يظهر نزعاتٍ أو مهاراتٍ قيادية لا تشبه أقرانه المتماثلين)، يتلقى معاملةً صارمة من مشرفيه يمكن حتى اشتمام العدائية فيها.

هيدي مثلاً طفلة عمرها 2.5 سنة، ذكية جداً مخزون مفرداتها أعلى من عمرها، أنيقة في ملبسها وفي تعاملها مع ثيابها، تراها تلعب وحدها وتتبع هدفاً في رأسها حتى تخال أفكارها مرسومةً في حركاتها ونقلاتها، تتنقل من لعبة إلى لعبة بتركيز.. لا تتبع جماعات الأطفال الذين يتكومون حول لعبة واحدة، ولا تملّ ولا تشكو من أحدٍ ولا على أحد، يستمر كبحها بالملاحظات ونبرة الصوت؛ لأنها أخذت لنفسها طريقاً لا يشبه باقي الأطفال المتماثلين..

زانا، عمرها أربع سنوات، طفلة شقية دائمة الحركة والركض والضحك من لا شيء، وليس في سلوكها ما يؤذي.. لا تخفي المشرفات انزعاجهن من فرديتها، يحاصرنها بتعليمات: اهدئي، كفّي عن هذا، لا تلمسي هذا الجدار أو هذه الطاولة.. فالهادئ والمطيع هو النموذج المطلوب.. وسوف يستمر هذا (الحصار) ويستمر الطفل في محاولات الانفلات منه. وأياً كانت حدة ذكائه أو مواهبه الإبداعية أو التقنية أو فردانيته فلن يجد لها بيئةً أو يبدأ بإثبات نفسه والانطلاق إلا مع نهايات المرحلة الابتدائية، وقد يظفر حينها أو بعدها بالانضمام إلى القلة المخطِّطة والقائدة في مجتمعها، وهي فئةٌ ليست كبيرة، وسوف يتابع المعلمون والمشرفون التركيز على توجيه جميع الأطفال إلى النموذج السائد الذي سوف ينتشر لاحقاً في القطاعات الزراعية والعمالية والمهن الخدمية والتحتية كافة.

تعليم الأطفال في ألمانيا- وكالات

*يختار بعض الأهل الذين يكتشفون مواهب أبنائهم في أنواع الرياضات مثلا ً أو العزف أو الرقص أو.. أن يدخلوهم إلى مؤسسات رياضية أو فنية أو إبداعية خاصة لينمّوا موهبتهم في خارج أوقات الدوام بالروضة).

أخيراً:

فكرة هذا المقال هي نقل تجربة تربويةٍ تطبَّق في بلدٍ ما ليمكن الاستفادة منها أو من بعضها، وليس المقصود أبداً تقديمها على أنها مثالية ولا تخلو من النقائص أو الخلل أو الأخطاء. فعلى صعيد الواقع يلاحظ نقصٌ في عدد الروضات قياساً بعدد الطفال، ونقصٌ في الكادر التربويّ في كثيرٍ من الروضات. ومن المآخذ على برامجها أنها لا تأخذ بعين الاعتبار أية فروق فكرية أو ثقافية أو اجتماعية أو سلوكية بين مختلف الأطفال حسب الأصول التي تنحدر أسرهم منها. وليس نادراً أن يميز المربّون بين الأطفال الألمان الأصليين أو القادمين من أصول مهاجرة، كما أن كثيراً من الأُسر الألمانية لا تحبذ اختلاط أبنائها مع أطفال المهاجرين. ولا يخفى الفرق بين سلوك الصغار من مختلف الأسر الألمانية أو بعض الأسر من أصول مهاجرة رغم هذا التدريب اليومي في الروضة؛ ما يعني أن دور الأسرة ليس أقلّ ولو بمقدار..  

♦طبيبة وكاتبة ومؤلفة سورية.

 

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

د.نجاة عبد الصمد

طبيبة وكاتبة ومؤلفة سورية

مقالات ذات صلة