الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةمقالات

روسيا والصين وإيران ليست منارة يهتدي بها العالم

د.دينيس ساموت في مقال خاص لـ"كيوبوست": العقوبات المفروضة على هذه الدول الثلاث مبررة لأن ممارساتها انتهكت القواعد والأعراف الدولية المتفق عليها

خاص- كيوبوست

د.دينيس ساموت♦

لم يمضِ وقت طويل منذ أن انقسم العالم إلى قسمَين مع اندلاع الحرب الباردة، في النصف الأول من القرن العشرين؛ فمن خلال الاستقواء بترسانتيهما النووية الجديدة، عملت كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي على بناء تحالفات عسكرية، واحتلتا دولاً وخاضتا حروباً بالوكالة، وفي مناسبة أو اثنتين أوصلتا العالم إلى حافة الهاوية بحربٍ نووية مدمرة.
تنفس العالم الصعداء عند انتهاء الحرب الباردة وتطلع إلى حقبة من التعاون الدولي، أو كما يفضل البعض أن يسميها، حقبة يتيح فيها النظام الدولي، القائم على قواعد محددة، الفرصة للتعاون متعدد الأطراف؛ لما فيه مصلحة البشرية جمعاء. وكما نعلم جميعاً، لم يكن ذلك ما حدث؛ فالدول الغربية -خصوصاً الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي- اعتبرت نفسها الوصيَّ على قيم الحرية وحقوق الإنسان والنظام العالمي.
وبالتالي كانت تتخذ إجراءاتٍ مختلفة بحق كل دولة من دول العالم الأخرى، إذا ما خرجت عن الخط. وأخذت قائمة الدول التي تخضع لعقوباتٍ لسبب أو لآخر تطول، وبطبيعة الحال هذه الدول ليست سعيدة بذلك.

اقرأ أيضاً: الصين وروسيا تقفان وراء إيران

نتيجة لما سبق، انقسم المجتمع الدولي إلى كتلتَين متخاصمتَين؛ الأولى تعرف بـ”الديمقراطيات الليبرالية” وتقودها الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والثانية “الدول الاستبدادية”، وتتزعمها روسيا والصين وإيران.
استمرت العلاقات الروسية- الصينية في النمو على مدى ثلاثة قرون، وأصبحت الآن تشمل جميع الجوانب؛ بما فيها الجانب العسكري، على الرغم مما يقال عن عدم نية البلدين إقامة أي تحالف عسكري بينهما، وهي علاقة مصلحة متبادلة تلعب فيها روسيا بشكل متزايد دور الشريك الأصغر.
والأغرب منها هو العلاقة بين الصين الشيوعية الملحدة، والمؤسسة الدينية في إيران. أعلنت الدولتان مؤخراً أنهما تنويان توقيع معاهدة صداقة مدتها 25 عاماً تغطي عدداً من القطاعات تمتد من الثقافة إلى النقل. قد يبدو الأمر للوهلة الأولى عادياً؛ ولكنه يمهد الطريق لما قال وزير الخارجية الصيني لي وانغ، إنه “التحديث المستمر للشراكة الاستراتيجية الشاملة بين الصين وإيران لما فيه مصلحة شعبي البلدين”.

اقرأ أيضاً: أزمة دبلوماسية تهدد العلاقات الإيرانية- الصينية.. والسبب “كورونا”

على الرغم من عدم وجود تحالف عسكري رسمي بينها، يمكن للمرء أن يرى أن هذه الدول الثلاث لها مصلحة في إقامة تحالف كهذا بعد أن أصبحت تتخذ موقفاً أكثر حزماً تجاه ضغوط الدول الغربية. في خطابٍ ألقاه خلال حفل توقيع الاتفاقية الصينية الإيرانية، في السابع والعشرين من مارس، حث وانغ الولايات المتحدة على رفع العقوبات غير القانونية التي فرضتها على إيران، وعلى إلغاء تدابيرها الوصائية طويلة الأجل التي فرضتها على أطراف ثالثة، وعلى استئناف تنفيذ خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي مع إيران) بشكلٍ كامل وغير مشروط.

على الرغم من عدم وجود تحالف عسكري معلن فإن روسيا والصين وإيران أجرت تدريبات عسكرية مشتركة في ديسمبر 2019- “دويتشه فيله”

و على بعد آلاف الأميال، في نيويورك، تتبلور مبادرة أخرى؛ حيث تدفع روسيا والصين لعقد قمة خاصة لمجلس الأمن الدولي بشأن ما يسمونه “الاضطرابات السياسية العالمية”، في إشارةٍ إلى فرض القوى الغربية عقوبات إضافية عليهما، وعلى دول أخرى، على أساس مزاعم بانتهاكات لحقوق الإنسان. وقد جاءت هذه الدعوة بعد محادثات في مدينة غويلين الصينية، جرت في 23 مارس بين وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، ونظيره الصيني وانغ يي.
قال لافروف: “لقد لاحظنا الطبيعة المدمرة للنيَّات الأمريكية التي تعتمد على التحالفات السياسية- العسكرية لحقبة الحرب الباردة، وعلى بناء تحالفات مغلقة جديدة بنفس الروح؛ بهدف تقويض الهيكل القانوني الدولي المتمثل في منظمة الأمم المتحدة”. وتابع بقوله: “أكدنا أنه على خلفية محاولات الغرب الجادة لتعزيز مفهومه عن (نظام عالمي يقوم على القواعد)، فإن الجهود المشتركة لروسيا والصين للحفاظ على النظام الجديد للقانون الدولي، تصبح أكثر أهمية”.

اقرأ أيضاً: الصين قد تتحالف مع إيران في حربها ضد الولايات المتحدة

وبالطبع، فالدول الغربية لا تقف متفرجة ببساطة. إدارة بايدن الجديدة منشغلة تماماً بمعالجة المشكلات التي ورثتها من إدارة ترامب، على الرغم من أنها قد تكون خلقت بضع مشكلات جديدة في أثناء ذلك؛ فهي بذلت كل ما في وسعها لطمأنة حلفائها الأوروبيين حول نيَّاتها واستعدادها للمحافظة على تحالفٍ يقوم على القيم. كما أنها سَعَت إلى ضخِّ طاقة جديدة في إطار العمل الرباعي مع اليابان وأستراليا والهند، وبعثت برسائل صارمةٍ إلى روسيا والصين وإيران.

روسيا والصين تدعوان إلى قمة خاصة للدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي- “يو إس نيوز”

تكهن البعض في الأسابيع الأخيرة بأن حرباً باردة جديدة على وشك أن تبدأ؛ ولكن هذا غير محتمل، فالعالم اليوم أصبح أكثر تشابكاً مما كان عليه قبل خمسين عاماً. وهنالك تفاهم بين جميع الأطراف على ضرورة تجنب سيناريو الحرب الباردة؛ ولكن السؤال الكبير الجوهري في خضم هذا النقاش يدور حول مدى التزام الدول بقواعد النظام الدولي، ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة بالنسبة إلى روسيا والصين؛ لأنهما لم تكونا جزءاً من عملية صياغة هذه القواعد، وكعضوين دائمين في مجلس الأمن فالدولتان مسؤولتان عن ضمان التزامهما بهذه القواعد.

اقرأ أيضاً: تهاوي التجارة الصينية مع إيران بسبب سياسة العقوبات الأمريكية

لا ينبغي أن تنخدع الدول المتوسطة والصغيرة بالخطاب الروسي والصيني والإيراني القائل إن هذه الدول تتصدى للتنمر الغربي. إن هذه الدول هي المتنمرة كما يتضح من خطاب فلاديمير بوتين حول ضم شبه جزيرة القرم، وزعزعته استقرار جورجيا وأوكرانيا المجاورتَين. ويمكن لهذه الدول أن تسأل جيران الصين عن الإجراءات العدوانية للقيادة الصينية التي تنتهك سيادة عدد من الدول المجاورة للصين، في منطقة بحر الصين الجنوبي، وما وراءه. ويمكنهم أن يسألوا الهند عن تجربتها مع الصين في جبال الهيمالايا، كما لا يمكن لأحد أن يتجاهل زعزعة إيران للاستقرار في عددٍ من دول الشرق الأوسط.
ولكن من المهم جداً على كل حال ألا تقتصر انتقادات سجلات حقوق الإنسان على الغرب فقط؛ بل يجب أن تكون هنالك إدانات صارخة من دولٍ ثالثة لما تفعله الصين مع الإيغور، أو بتلاعبها بمصير الروهينغا في ميانمار. هل من المقبول حقاً لأي بلد محترم أنه بينما كان يتم قتل العشرات بشوارع ميانمار كان نائب وزير الدفاع الروسي يحتفل مع جنرالات البلاد؟ 

نائب وزير الدفاع الروسي أليكساندر فومين مع رئيس أركان القوات المسلحة في ميانمار مين أون لينغ

لا أحد يرغب في حربٍ باردة جديدة؛ ولكن لا يمكن منع وقوعها إلا إذا دافعت المزيد من الدول عما هو صحيح، ووقفت في وجه ما هو خطأ، بدلاً من ترك الغرب وحيداً في هذه المعركة. لا يمكن لروسيا والصين وإيران أن تكون مناراتٍ تهتدي بها دول العالم؛ لأن أفعالها بعيدة جداً عن أن تكون مثالية. والعقوبات المفروضة على هذه الدول مبررة؛ لأن ممارساتها انتهكت القواعد والأعراف الدولية المتفق عليها. 

اقرأ أيضاً: مترجم: ما مدى قوة “التحالف” بين إيران وروسيا؟

وكلما ازداد عدد الدول التي تبعث برسائل إدانة، زاد احتمال أن تسعى أطراف هذا الثلاثي إلى التوافق مع بقية العالم بدلاً من مواجهته؛ فالبقاء على قيد الحياة هو الأولوية الأولى في لعبة الأنظمة الاستبدادية.

لقراءة الأصل الإنكليزي: Russia, China and Iran are not the beacon that the rest of the world can follow

♦مدير مؤسسة لينكس للحوار والتحليل والبحوث، ومدير التحرير في موقع   commonspace

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة