الواجهة الرئيسيةترجمات

روسيا إحدى الدول الثلاث الأقوى عالميًّا.. أين تكمن نقاط ضعفها؟

كيوبوست – ترجمات

حاورته: مارينا ماكسيموفا

لقاء مع كونستانتين فاديموفيتش ريمتشوكوف، رئيس تحرير “نيزافيسيمايا غازيتا”، الصحيفة المستقلة، عبر برنامج “رأي خاص” على محطة “صدى موسكو” الإذاعية بالتعاون مع شركة التليفزيون الدولية “RTVi”.

ماكسيموفا: صُنّفت روسيا واحدةً من الدول الثلاث الأقوى عالميًّا، رغم تدنِّي كثير من مؤشراتها الرئيسية، هل نحن حقًّا بهذه القوة؟

ريمتشوكوف: ما داموا صرَّحوا، هي إذن كذلك. روسيا دولة فاعلة، جيشها قوي، واقتصادها ليس بهذه القوة؛ لكنها بلدٌ كبير. يعتمد الإعلام الذي يتداول اليوم هذا التصنيف (بما فيه الإعلام الحكومي) على عبارة أوباما: “روسيا قوة إقليمية”. إذن: نعم “روسيا قوة إقليمية”.

اقرأ أيضًا: خبير سعودي: روسيا اللاعب الأكثر ذكاءً في الأزمة الليبية

ماكسيموفا: والآن بعد أكثر من 5 سنوات من تصريح أوباما، أدرجت أمريكا روسيا فجأةً ضمن أقوى القوى.

ريمتشوكوف: نعم هي كذلك، والضمان هو قوتنا العسكرية. العالم يسير إلى غير استقرار، لا يمكن التنبؤ إلى أين يذهب، مؤسساته غير فاعلة، لا الأمم المتحدة ولا منظمة التجارة العالمية، كذلك العلاقة بين روسيا وحلف الناتو أو مع الاتحاد الأوربي. في الخمس عشرة سنة الماضية كانت القوة العسكرية ضمانة معقولة للاستقرار؛ هي الأكثر حسمًا في هكذا ظروف.

قوات روسية خلال استعراض عسكري – أرشيف

تتبوَّأ الولايات المتحدة الأمريكية المرتبة الأولى، بعدها روسيا، ثم الصين. تقول نشرات الأخبار: تسيطر الولايات المتحدة الآن على حقول النفط في شمال سوريا، وأمريكا تصرّح: “لقد أنفقنا على هذه العملية، سوف نتحكم في النفط السوري ونبيعه، ولن نسمح لأيٍّ كان بالتدخل”. تصريح ترامب هذا يعني أنهم لن يقدِّموا شيئًا لأحد؛ وأنا لا أتوقع أية سيادة لسوريا على حقولها النفطية في المستقبل القريب.

كذلك جاءت تقارير تفيد أن الصين تسيطر على حقول النفط في العراق وتستثمر أموالها فيها.

منذ نحو شهرَين، صرَّحت روسيا، مفاخرةً بكرمها، المثير للشفقة، أنها تشطب ديونها المستحقة على بلدان العالم الثالث. ها نحن لا نحكم قبضتنا، نذهب إلى سوريا، ننفق كثيرًا من المال. حسنًا، نحن نختبر أسلحتنا في سوريا؛ ولكن هذا الإنفاق يجري على حساب مواطنينا، ولا نستفيد من أفعالنا في زيادة قوتنا الاقتصادية.

اقرأ أيضًا: الولايات المتحدة الأمريكية.. دروس أمس من الحرب الباردة مع روسيا ذخيرة لمعركة اليوم مع الصين

لا يزال شعبنا يحن إلى أيام كنا قوةً عظمى، وسيفرحه أنهم يصنفوننا اليوم كذلك؛ لكن اقتصادنا، للأسف، لا يقدم مؤشرات على نمو اقتصادي سريع. للصين أيضًا مشكلاتها في هذا السياق؛ لكن مشكلاتها معروفة. ينمو ناتجها المحلي بنسبة قليلة: 6.8٪ سنويًّا.. لكنه ينمو.

في الأسبوع الماضي نشرت الولايات المتحدة البيانات التالية: في شهر نوفمبر تم استحداث 260 ألف وظيفة جديدة، وانخفض معدل البطالة في أمريكا إلى 3%؛ أي إلى أدنى مستوى عبر تاريخها. ناتجها المحلي الإجمالي ينمو، وكان أصلًا أكبر من ناتجنا الذي لن يصل حتى إلى مستوى ما قبل الأزمة الاقتصادية عام 2008 حتى انتهاء ولاية بوتين عام 2024، وهذا عارٌ علينا!

ناتجنا المحلي الإجمالي بالدولار منخفض، بل يقترب من حالة “الركود”. كان معدل الصناعة التحويلية في شهر أكتوبر 3،2% وانخفض إلى 0،3% في نوفمبر، والوضع عمومًا غير مستقر.

عملة الروبل الروسية – أرشيف

أنا أسمِّي الركود: حالة، ولها أسباب عديدة؛ منها أن المشروعات الوطنية لا تعمل كما يجب. 62٪ من السكان يعتقدون أن الحكومة لا تدير الاستثمار العام كما ينبغي، وأن عليها أن توجِّه إنفاقها إلى أولويات أخرى. مجموع هذه الوقائع لا يجعلني منشرح الصدر وأنا أخبركم أننا في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة.

يبدو لي أن حكومة روسيا لا تُحسن تنظيم نشاطها الاقتصادي، ابتكر الرئيس صيغةَ المشروعات الوطنية، فشغلت الحكومة وقتها كاملًا على تنفيذ المراسيم الرئاسية، وهذا ليس عمل الحكومة.

اقرأ أيضًا: “إس- 400” تزيد حيرة أردوغان.. العداء مع روسيا أم أمريكا؟

 لو كنتُ رئيسًا لروسيا، لأنشأت دائرةً مختصة فقط في إدارة كل مشروع، بينما تشتغل الحكومة فقط على تأسيس مشروعات تنموية طويلة المدى.

ماكسيموفا: نحن نتحدث عن اقتصاد بلدنا وعن المشروعات الوطنية المعطَّلة فعليًّا..

ريمتشوكوف: نعم، إنها غير فاعلة ولا تلبِّي حاجاتنا الحقيقية، وهذا ما يظهره معدل النمو الاقتصادي ونمو المداخيل الحقيقية للسكان. نحن نحتاج إلى اقتصاد يؤمّن لمواطنينا فرص عمل تمنحهم دخلًا لا يذهب كله إلى أجور السكن والمأكل وأدنى احتياجات الملبس؛ بل يؤهلهم ماديًّا للعيش بكرامة، ويلبِّي أيضًا احتياجاتهم الثقافية.

الرئيس الروسي فلايمير بوتين – أرشيف

ما لدينا ليس أعلى من المستوى الأدنى لاحتياجات الإنسان في هرم “ماسلو”. لا يليق بدولة تشغل المرتبة الثانية عالميًّا أن تعيش على مستوى: “أوه، لا تدعوا الناس يتضورون جوعًا”، “أوه، أمِّنوا لهم أمكنةً للسكن”، لا.. نحن نحتاج، من حيث المبدأ، إلى أشياء مختلفة تمامًا، يمكن تحقيقيها فقط بتحفيز تدفق الاستثمار الخاص؛ ليجلب هذا الاستثمار معه الابتكار وتحديث التكنولوجيا.. الاستثمار بحد ذاته ليس مجرد مالٍ في الصندوق الاحتياطي يعوِّل عليه الجميع؛ بل هو شراء التكنولوجيا والخبرات والمهارات الإدارية وطرق الدخول إلى اقتصاد السوق.

اقتصاد السوق لا يعني: “الإنتاج”. الإنتاج نموذج اشتراكي سوفييتي، كانت أهم أخطائه: أولًا في توزيع العمل وَفق مخطط صارم: “أنت تنتج هذه الأحذية.. أنت تنتج هذه الأنابيب.. وهكذا..”. وثانيًا في صعوبة الإنتاج، دومًا كانت هناك سلعٌ مفقودة، أو منخفضة الجودة، أو فائضٌ في الإنتاج أو نقص فيه. وقد ساد هذا الاقتصاد في جميع الخطط الخمسية للاتحاد السوفييتي.

اقرأ أيضًا: مدير “برافدا روسيا”: قوى العالم الجديد تعيد صياغة قوانين اللعبة السياسية (فيديوغراف)

“اقتصاد السوق” هو الوصول إلى الأسواق، فالسوق هي الجهة المنظِّمة. ما مهمة الحكومة إذن؟

مهمة الحكومة أن تفهم أن السوق التي تعمل جيدًا، ستكون وحدها القادرة على توفير العدالة. لا عدالةَ من دون سوق. بغياب العدالة، وهي المطلب الأهم للشعب الروسي، سيحل مكانها القمع وتقييد الحريات.

هذه مهمة بُنى الدولة؛ فإذا كانت هذه البُنى غير عادلة سوف تصنع أسباب الخصام بين الناس.

اقرأ أيضًا: روسيا.. الكنيسة في خدمة الدولة

ومفهوم العدالة بحد ذاته يتطور أيضًا مع الزمن. في إيطاليا أدرك الناس المؤمنون بالله منذ القرنَين السادس عشر والسابع عشر أن “عدالة الله تظهر لهم من خلال عدالة الدولة”؛ أي مثلًا: كيف تتواصل مع الله إذا مرض شخصٌ عزيزٌ عليك؟ سوف تصلِّي لله وتدعو لقريبك: “يا رب ساعده ليدخل المشفى، وتُجرى له العملية بنجاح..”. أنت تطلب من الله؛ ولكن عليهم أن يُدخلوه المشفى ويُجروا له عملية ناجحة، ويتابعوا تأهيله بعد الجراحة حتى يتعافى تمامًا.

الصحف الروسية – أرشيف

ومهمة الحكومة أن ترتِّب أولويات المشروعات الوطنية؛ أولًا بتعيين “مدير مشروع”، هذا اختصاصٌ قائم بذاته، وبفضله يهيكل المدير أولوياته؛ مثلًا في مجال “الخدمات الصحية” يحدِّد الأهداف، ومراحل التنفيذ، والتمويل، ويتزود بالمعدات، ويختار مَن سيبني هذا المشفى أو ذاك المجمع الطبي.. إلخ. يقضي ساعات عمله الشاق فقط في تنسيق وتنفيذ هذا المشروع.

لو كنت رئيسًا لروسيا، لأنشأت دائرة مختصة فقط في إدارة كل مشروع، بينما تشتغل الحكومة فقط على تأسيس مشروعات تنموية طويلة المدى.

اقرأ أيضًا: السعودية ودول الخليج في حاجة إلى السلاح الروسي

ومهمة الدولة أن تلتزم بالترويج للسوق، أن تكون مكتبًا رئيسيًّا تشغله مهمةٌ رئيسية واحدة: فقط إنجاز المشروعات! لنأخذ الوزراء مثلًا: انشغلوا بالمشكلات الصغيرة لهذه المشروعات فأصبحوا عاجزين عن الانخراط في الاقتصاد الجزئي وغير قادرين على تفكيك العقبات إلى الأسواق المحلية والإقليمية. لنأخذ الصحافة مثلًا: ستكون السوق فاعلةً إذا خصَّصوا لصحفيي وسائل الإعلام الحكومية رواتب أعلى من السوق وتفي بجميع احتياجاتهم.. لكن الإعلام الحكومي يمسك بعناصر الاحتكار وينتهك احتياجات السوق.

السوق تسري في كل جزئية من حياتنا، والطلب الفعال هو الذي يُملي السعر، ولا تشتغل السوق جيدًا جدًّا إلا بوجود منافسة، كثرة العروض هي البيئة المواتية لانخفاض الأسعار. لا يمكننا بيع الشقة بسعرٍ أعلى مما تفرضه السوق، ولا بيع سيارة مستعملة.. جميع وسائل اتصالاتنا تُسعِّرها لنا السوق. لو قارننا أسعار الهواتف حاليًّا بما كانت عليه قبل عشرين عامًا، لتأكدنا أنها الآن أرخص بكثير.

بعض جنود الجيش الروسي – سبوتنيك

الأشخاص العاملون في مؤسسات الدولة، والمدافعون عن دور الدولة، يتلقّون دخولًا غير عادلة إطلاقًا. بينما يحصل المدير العام لشركة “Transneft” (النفط الملوَّث) على دخل أو مكافآت تفوق رواتب الشعب الروسي بكثير؛ وهي شركة محتكِرة وتتسبب في أضرار هائلة. ذكرت إحدى الوكالات أن “Transneft” مستعدة لدفع نحو 500 مليون دولار (أي أكثر من 3 مليارات روبل) لتعويض هذه الأضرار. وحكومتنا هي الجهة المساهمة معها. وهذا يعني أن الشركة سوف تصادر المبلغ على شكل غرامات؛ أي ستستجرّ من الحكومة الأموالَ المخصصة مثلًا لرواتب المتقاعدين!

يشتغل بلدنا الآن على إعادة التسليح وتحديث الجيش، وقد سمحت له أعمال البترودولارات بهذا التحديث، وكذلك مشاركته في عدد كبير من الصراعات. ولكن، باعتقادي، لكي يصبح بلدنا عظيمًا باطّراد، وبديمومة، يجب أن يعود هذا كله بالنفع على الشعب الروسي ولو بمعيارٍ واحد: لم نرَ نموًّا في الدخل الحقيقي، لم تلبَّ الاحتياجات الاجتماعية، ولا الخدمات الصحية أو معايير التعليم أو مستوى الخدمات المجانية. أكثر ما يتضح هذا في حالات الأمراض، تُطلَق حملات جمع التبرعات لعلاج الأطفال على جميع القنوات، فنتساءل: لماذا تحتاج احتياطي الذهب والعملة الصعبة إذا لم تنفق منها على تكاليف العمليات الجراحية الكبرى للأطفال؟! هذه بالكاد حكومة خدمات اجتماعية.

اقرأ أيضًا: باحثون يناقشون أهمية الدور الروسي بالخليج

ماكسيموفا: أو تنفق على أشياء أخرى؟

ريمتشوكوف: أو تنفق لكي نكون على ما نحن عليه! سأكمل بنفسي الإجابة عن سؤالك: لكي تبدو عظيمة! ولكنني أعتقد أن عظمة أي بلد تُقاس بمستوى ونوعية حياة سكانه أكثر مما تُقاس بنجاحاته الجيوسياسية!

ماكسيموفا: أعود إلى هذه القائمة التي وضعت روسيا بين أقوى البلدان. كانت هناك عدة مؤشرات؛ منها معدل النمو الاقتصادي، ومستوى معيشة السكان، والإرث التاريخي، وكان رئيسنا بوتين قد قال: “فلاديمير لينين وضع الألغام في طريق قيام دولة روسية”. عن أية ألغامٍ يتحدث؟ ولماذا يربط القمع بلينين وليس بستالين؟

ريمتشوكوف: هذه عبارةٌ متأصلة في خطاب بوتين منذ أول عهده، وكان يقصد بها مفهوم لينين عن “حق الأمم في تقرير المصير”، الذي اعتبره بوتين تهديدًا لروسيا. لم يكن هذا المفهوم متداوَلًا في روسيا القيصرية التي تعايش فيها مختلف القوميات. حين جاء لينين أعلن “حق الأمم في تقرير المصير”؛ فانفصل الفنلنديون والبولنديون، وشعوب البلطيق.

شاهد: فيديوغراف…كيف عاشت وريثات الاتحاد السوفيتي؟

لم يعطِ الاتحاد السوفييتي أية قيمة لفردية الإنسان، كانت أرخص من رصاصة. وعند اقتراب نهاية الاتحاد السوفييتي عاد مفهوم حق الأمم في تقرير مصيرها ليأخذ مكانه، وجاءت نتيجة الاستفتاء على استقلال أوكرانيا في شهر أغسطس 1991، بأغلبية ساحقة لصالح الاستقلال، تبعتها دول البلطيق ثم القوقاز.. وهكذا.

يبدو أن الألغام كانت موجودة دومًا في الطريق إلى قيام دولتنا.

فلاديمير لينين – أرشيف

ماكسيموفا: لكن هذه الأمور تبدو مرتبطة أكثر بستالين وليس لينين..

ريمتشوكوف: لم يخطئ الذين قالوا: (ستالين هو لينين اليوم)! ستالين هو لينين اليوم. ستالين هو أفضل طالب في مدرسة لينين، يشبهه في التعصُّب، في اتباع أيديولوجيا التدمير، في الأوامر المتلاحقة في برقيات لينين: “لا تحقيق، لا محاكمات، أطلقوا النار على المضاربين، الشكاكين، المخربين”.

هُيِّئ لمنظِّري اليسار أن الأفكار التي يحملونها هي بحد ذاتها قيمة ثمينة، بالطبع أثمن من حياة الإنسان، وكل مَن لا يتبنَّى عقائدهم ليس أكثر من غبارٍ يجب تدميره، إزالته، إلغاؤه.. وهكذا.

مثال 1: أطلقوا على الفلاحين سمة الازدواجية! وعنوا بذلك أن الفلاح كادح حقيقي من جهة، وهو من جهة أخرى مالك تافه وبورجوازي! بعد انتصار البلاشفة أصبح الشعب كله كادحًا ولم تعد هذه السمة تميِّز الفلاح وحده، وسينساها الفلاح حين لن يعود لها أي معنى. لكن سمة المالك (البورجوازي، المدير التنفيذي لأعماله) قد حوَّلت طريقة تفكير الفلاح من كادح حقيقي إلى مستغلٍّ لعمال المزارع الفقراء. وطريقة التفكير هذه يجب القضاء عليها.

اقرأ أيضًا: خبير روسي : هل تصمد روسيا أمام الحرب التكنولوجية الأمريكية ؟

مثال 2: تضوَّر الناس جوعًا في بتروغراد ولم توفر الحكومة لهم الخبز؛ فجاء الفلاحون من مناطق أخرى إلى الناس هناك ليبيعوهم الخبز ويقبضوا ثمنه! هنا يوصف الفلاحون بالمُضاربين أو المستغِلّين. لماذا؟ لأن الفلاحين اخترقوا حاجز الخبز وباعوه في بتروغراد الجائعة، أي أنها سوقٌ لبيع خبزهم الذي تعبوا في صنعه! سلبوهم الخبز وأطلقوا عليهم النار في أماكنهم. مات أهالي بتروغراد من الجوع، وقُتِل الفلاحون؛ لأنهم مضاربون ومستغِلّون. عودوا إلى تعليمات لينين في برقياته: “أطلقوا عليهم النار..”. قتلوهم، وبقي الناس جائعين، وكم كانوا كثيرين. سوف يوثِّق المؤرخون كم من الأشخاص ماتوا في بتروغراد بسبب الجوع ما بين 1917- 1919، أرقامٌ تصل إلى حدّ الإبادة الجماعية.

لهذا كانت أفعال ستالين خلال فترة حكمه الأطول بكثير من حقبة لينين، والتي بنى فيها نظامًا، ليست سوى التطبيق العملي لأفكار لينين الجهنمية، الطوباوية، الواهمة، الباغضة للإنسان! تذهلني أفكاره المريضة البعيدة بالمطلق عن فهم طبيعة الإنسان. كلما تدنَّى فهم الإنسان للآخر، سوف يمارس دورًا غبيًّا في محاولة تغيير تركيبة الإنسان، وكأنه مهندس خبيرٌ بتطويع البشر.

جوزيف ستالين – أرشيف

لا ألوم بوتين في رأيه، لينين أسوأ بكثير من ستالين، لينين صاغ فكرة الاشتراكية الواقعية على أنها قتل، دم، تدميرٌ للطبقات. تدمير الطبقات فكرة غير مقبولة على الإطلاق من وجهة النظر المعاصرة. كيف تطلق النار على كل مَن لا ينتمي إلى فئتَي العمال والفلاحين؟! لأنه ينتمي إلى الطبقة المستغِلّة؟! هو لم يرتكب لا ذنبًا ولا خطأً. كان هناك دومًا قتلٌ للبشر: “خذ 100 شخص كرهائن.. 1000..”، واقتلهم. يتدخل غوركي للشفاعة: “أليكسي ماكسيموفيتش: من الأفضل أن نقتل ألف شخص، ولكننا ننقذ عشرات الآلاف من العمال”. كانت هذه فلسفتهم.

بسبب عناد لينين وسياسته شديدة القسوة، ورعب الموت الذي بدأ مع الحرب العالمية الأولى ثم عشر سنوات من الحرب الأهلية منذ 1914 حتى 1924، فقدت حياةُ الإنسان في روسيا أية قيمة. كم من الحزن والدموع على الأرواح المفقودة! كل هذا هيَّأ نفوسَ السوفييت للقمع عام 1937 وما تلاها.. كان الواقع أقرب إلى إرهاب عميم، ذلك الواقع جرَّد النظام السوفييتي برمّته من إنسانيته.

اقرأ أيضًا: الإمارات وروسيا.. جهود سنوات ممتدة لبناء علاقة استراتيجية

ماكسيموفا: بقيت لدينا بضع دقائق للكتب..

ريمتشوكوف: قرأت كتاب فلاديمير هوتاريف- جارنيشيفسكي: “المواجهة.. (الخدمات الخاصة، الجيش والسلطة عشية سقوط الإمبراطورية الروسية بين عامَي 1913- 1917)”، وهو بحث قدَّمه كاتبه بنزاهة عن بدايات التنافس حينها بين إدارة التحقيق السياسي ودائرة مكافحة التجسس وغيرها.. من قراءة هذا الكتاب بعد 100 عام من كتابته، تستشف تلك العلامات التي أنذرت بموت روسيا القيصرية.

وأيضًا كتابٌ جديد صادر عن معهد جايدار: “كيف تغيَّر العالم عبر عشرة أعوام من الأزمات المالية”، فيه تحليلٌ جيد للقضايا الرئيسية في اقتصاد الأزمات.

المصدر: نيزافيسيمايا غازيتا

اتبعنا على تويتر من هنا

 

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة