شؤون خليجية

روحي وما ملكت يداي فداه

بمناسبة اليوم الوطني السعودي

كتب: د. منصور المرزوقي

رحمك الله يا صوت الأرض وأنت القائل: «وطني الحبيب وهل أحب سواه؟». كلنا تربى على إيقاع هذه الأغنية الخالدة للفنان العربي الكبير، الراحل طلال مداح. وكم نتمثل مضامينها ومعانيها السامية في هذه الذكرى العزيزة: العيد الوطني. وهي مناسبة لاستحضار علاقتنا بالوطن وعلاقته بنا، وهنالك جوانب شتى لتناول هذه العلاقة، لكن البارز من بينها هو الجانب العاطفي: المحبة اللامشروطة لهذا الوطن الشامخ.

حديثي هنا سيتناول جوانب أخرى غير العاطفة، مثل المساهمة في البناء، والوعي بمكانتنا الحضارية، والوعي بدورنا في الحضارة الإنسانية.

اقرأ أيضًا: السعودية والغرب: مقدمة حول الهجوم الغربي

يعكس الوعي بالعلاقة بين الوطن والمواطن مراحل تطور الثقافة السياسية للشعب وتطور مؤسسات الدولة والجانب المفاهيمي الذي تعمل في إطاره. وإنه مما يدعو للفخر أن نرى الحملات التطوعية العظيمة وهي تنشط في كل الاتجاهات، من مساعدة المواطنين لبعضهم البعض (مثل العمل الخيري)، إلى مساعدة مؤسسات الدولة على تنفيذ عملها (مثل المساهمة في تنظيف الشواطئ)، إلى المساعدة في رفع الوعي البيئي. وهذه الحملات تعكس وعيًا بقيم المواطنة وقيم الوطن والمساهمة في بنائه. 

كنت في حديث مع أحد الأشخاص الذين يعملون في قطاع التعليم العام وحدثني عن استشعاره لحجم المسؤولية التي يحملها تجاه المواطنين الذين أوكلوه تعليم أبنائهم، وتجاه الأجيال المقبلة الذين سيجنون ثمر (أو وبال) ما يزرع هو الآن، ثم تجاه الوطن الذي يحتاج إلى أيد وطنية مخلصة ومدربة. كم هو عظيم أن يكون المعلم/المعلمة على قدر عال من الوعي بدورهم وأهميتهم في اللحظة الآنية وفي العقود المقبلة.  

بالإضافة، تشكل أرضنا منبت العرب ومنصتهم التي انطلقوا منها لتوحيد وحكم العالم العربي، وبناء نهضته، والمشاركة في الحضارة الإنسانية وازدهارها. كما تشكل أيضًا مهبط الوحي والدين الإسلامي، وبلد الحرمين الشريفين وقبلة المسلمين، ومرقد النبي العربي، محمد (صلى الله عليه وسلم) وصحابته.

فلقد ولدت الأمة العربية في سوق عكاظ، وترعرعت في دار الندوة، وخرجت إلى الأمم مع المعلقات، كما ولدت الأمة الإسلامية في مكة وترعرعت في يثرب، وخرجت إلى العالم من سقيفة بني ساعدة!

وأرضنا أرض حضارات وأمجاد وتاريخ تليد! ألا تذكرون أيام العرب الكبرى، ومرويات كليب وأخيه الزير سالم، وامرئ القيس، وعنترة، وحاتم الطائي، والخنساء! ألا تذكرون عظماء مملكة كندة في نجد (٣٠٠ سنة قبل الميلاد)، وتاريخ جزيرة تاروت في القطيف (٣٠٠٠ سنة ق.م.)، والبابليين الذين اتخذوا من تيماء عاصمة لهم (٥٥٦ ق.م.)، واللحيانيين في غرب نجد وشمال الحجاز (٥٠٠ ق.م.)، والنبطيين في العُلا ومدائن صالح (١٠٠ ق.م.)، ونجران وتاريخ حروبها مع ملوك سبأ (660 ق.م.)، وحضارات الربع الخالي التليدة!

اقرأ أيضًا: السعودية والغرب: خطابنا وتعزيز الصور النمطية 

خرج أجدادنا حاملين لواء العروبة والإسلام والعلم والأدب والفروسية، فأناروا المدينة ودمشق وبغداد وقرطبة حين كانوا سلاطينها! ها هم أجدادنا الذين بنوا الدواوين وسيروا الجيوش، ثم شيدوا المكتبات ودور الترجمة، واستقدموا العلماء والأطباء والأدباء والمترجمين في دولة الخلافة الراشدة، ثم في الدولتين الأموية والعباسية! وها نحن نعيد بناء بيت الحكمة، جامعة كاوست، تأسيًا بجدنا أبي جعفر المنصور القرشي المكي الحجازي، الذي بنى بغداد وأنشأ أول جامعة في التاريخ. 

وسنرسل أبناءنا إلى مشارق الأرض ومغاربها، طلبًا للعلم والمعرفة، وانفتاحًا على العالم، كما فعل أجدادنا الخلفاء من قبلنا. فلقد أرسل جدنا أبو جعفر المنصور لإمبراطور الروم حينها، يستقدم منه الكتب والعلوم والمعارف. وقد قام جدنا المأمون باستقدام خزانة كتب الروم من قبرص. وها نحن نعيد الكرة.

وقد ملأ محمد حسن عواد وعبد الرحمن بن منيف وعبدو خال السمع والبصر، وأشدى محمد الثبيتي وفوزية أبو خالد العرب بقصائدهم، كما فعل جدنا أمرؤ القيس، وفعلت جدتنا الخنساء من قبل، ونظّر عبدالله الغذامي للأدب والثقافة العربية، وغنى محمد عبده من المحيط إلى الخليج! وإعلامنا وقنواتنا وكتابنا طاروا في الآفاق! ومعرض الرياض للكتاب هو أهم معرض عربي على الإطلاق. ومهرجان الجنادرية أمة بذاته، وسوق عكاظ محجة للعلماء والأدباء من شتى أصقاع الأرض! و”مؤسسة الفكر العربي” هي بمثابة دار الندوة التي كان يجتمع فيها أجدادنا قبل الإسلام!

اقرأ أيضًا: السعودية والغرب: العالمية المتمحورة حول الغرب

ومعدل القراءة في السعودية وصل إلى ٦:٤٨ ساعة أسبوعيًا، حسب تصنيف مؤشر ثقافة العالم. وهذا يساوي عدد الساعات في فرنسا والسويد، ويضع المملكة العربية السعودية في الشريحة الثانية عالميًا، للشعوب الأكثر قراءة، وقد سبقنا في ذلك الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان. 

وقد احتلت السعودية المركز الأول عربيًا من ناحية الأبحاث العلمية، برصيد ٧٠٠٠ بحث محكم، متقدمة بذلك على مصر بكل ما فيها من عدد وعديد (التي كان نصيبها أكثر من ٦٠٠٠ بحث). وقد فازت السعودية بالمركز الثلاثين عالميًا من ناحية براءات الاختراع، (ولم يحضر معها على تلك القائمة من الدول الإسلامية سوى ماليزيا، وقد خلت القائمة من أي دولة عربية سوى السعودية).

وسجلت بيانات مكتب براءات الاختراع بمدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، ٢٣٣ براءة اختراع، في عام ٢٠١٣ وحده. وسجلت جامعة كاوست، بيت حكمتنا، ١٦٠ براءة اختراع، ونشرت أكثر من ١٣٠٠ بحث علمي محكم في كبريات المجلات العلمية في العالم، منذ تأسيسها في عام ٢٠٠٩ وحتى نهاية عام ٢٠١٢. وشركاتنا الكبرى العابرة للقارات، مثل سابك وصناعاتها التحويلية، خير شاهد على ما أنجزنا!

ونحن نقوم باستثمار ٧٥٪ من ميزانية قواتنا المسلحة في داخل البلد، ليكون خيره لنا. وها هي شركات برنامج التوازن الاقتصادي الإستراتيجي، مثل «شركة السلام» و«شركة الإلكترونيات المتقدمة»، والمصانع الحربية، مثل «المؤسسة العامة للصناعات الحربية» و«المصنع السعودي لأنظمة الأهداف الإلكترونية»! فنصنع الطائرات بلا طيار، مثل طائرات «صقر»، والمدرعات، مثل «فهد»، والأنظمة الإلكترونية لطائرات «إف ١٥» و«إف ١٦»، بالإضافة لتصنيع أجنحة طائرات «إف ١٥» محليًا. 

وقد بنينا جيشًا متطورًا مهاب الجنابِ، انتظم فيه أبطال كرام عظام، يذودون عن تراب هذا الوطن العظيم، كما فعل قبلهم أجدادهم الأبطال، الحارث بن عباد (فتاكة العرب)، وعمرو بن كلثوم (أعز العرب)، وعمرو بن مالك (ملاعب الأسنة)، وحمزة بن عبد المطلب (أسد الإسلام)، وخالد بن الوليد (سيف الله المسلول)، وسعد بن أبي وقاص (ليث القادسية)! 

وقد احتل الجيش السعودي، في آخر تقويم عالمي، المرتبة الثالثة بعد إسرائيل وتركيا، ثم تلاه جيش الإمارات في المرتبة الرابعة، وحلت إيران في المرتبة الخامسة، ثم مصر في المرتبة السادسة.  

وها نحن حماة الحرمين وأصحاب سقايتهما ورفادتهما، كما كان أجدادنا قبل الإسلام وبعده! ولعمري إن حلف الفضول، الذي عقد على أرضنا، في دار جدنا الأكرم عبدالله بن جدعان قبل الإسلام، وحضره النبي العربي القرشي الكريم، لقائم إلى يومنا هذا! فما يضام حاج أو معتمر، ولا يروع آمن في بيت الله، ولا يجوع جار البيت الحرام! 

أليس بجدنا حاتم الطائي يضرب المثل؟

نستقبل كل عام ملايين الحجاج والمعتمرين، كما كنا دومًا منذ آلاف السنين، ونباهي العالم أجمع بأننا خدمٌ لضيوف البيت، نسهر على حمايتهم وراحتهم ورفدهم وإكرام جوارهم! نحمل المسن على أكتافنا ونرمي عنه جمراته، وندل من تاه ونرشده، ونسعف من ألم به مرض، ونسقي من لحقه من نسكه تعب، ونعين من تقطعت به الأسباب والسبل أو شطت به التكاليف. 

وأبناؤنا وبناتنا، من بعد، يتطوعون سنويًا لخدمة ضيوف البيت وتطبيبهم، متأسين بجدتنا العظيمة، رفيدة بنت سعد الأسلمية، التي نُصبت لها خيمة في مسجد رسول الله، بعد إسلامها، لتمارس التطبيب ومداواة المرضى والجرحى، ولتعلم التطبيب والتمريض، فكانت صاحبة أول عيادة ومدرسة لتعليم الطب في الإسلام.

ولا تخلو أرض من عيب أو نقص، وما نحن سوى مثل غيرنا من الأمم. لكننا نصل الليل بالنهار لبناء أرضنا، وتطوير أنظمتنا السياسية والقضائية والإعلامية، وبناء مجتمع معرفي تسود فيه الحرية والكرامة والعدل والمساواة وسيادة القانون، واقتصاد متين، والسهر على السلم الأهلي والعدالة الاجتماعية.

حمل تطبيق كيو بوست على هاتفك الآن، من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة