الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

روبوت الفتوى.. ابتكار أردني لتجديد الخطاب الديني

خطوة تجريبية من أجل معرفة مدى جدوى الوسائل والأدوات الحديثة في تطوير وتنويع مصادر الفتوى

كيوبوست- مصطفى أبو عمشة

في خطوة هي الأولى من نوعها، أطلقت دائرة الإفتاء الأردنية “روبوت الإفتاء” داخل أحد المولات في العاصمة الأردنية عمان؛ لتمكين المواطنين من السؤال عما يريدون ومعرفة الأحكام الفقهية التي يجهلها المواطنون وما استشكل عليهم من مسائل شرعية.

وحول هذا الأمر، ينظر الداعية والباحث الشرعي د.عصر محمد النصر، إلى نشر الروبوت المتعلق بالإفتاء على أنه خطوة تجديدية من قِبل دائرة الإفتاء بالأردن، مشيراً إلى أنها ليست هي الخطوة الوحيدة التي صدرت عن الدائرة أو عن وزارة الأوقاف أو حتى عن أية مؤسسة دينية بالأردن؛ فهناك نشاط ديني ملحوظ للدولة الأردنية على خلاف ما كان يجري سابقاً، كما أن هناك عناية ظاهرة بالناحية الدينية والفتوى وإدارة الملف الديني، مؤكداً أن الأمر إذا ما تم تناوله من الناحية السياسية، فله أسبابه ومظاهره الخاصة.

دائرة الإفتاء تؤكد أن الخطوة الجديدة تسعى لتسهيل الوصول إلى المواطنين والتسهيل في عملية الفتوى- (صورة حصرية لـ”كيوبوست”)

فوضى الخطاب الديني 

ويضيف النصر لـ”كيوبوست”، قائلاً: “أظهر الأردن في فترة الربيع العربي ضعفاً كبيراً جداً في ترشيد التدين في المجتمع الذي تحوَّل إلى عدة مجتمعات متنوعة كانت ولا تزال تُدار بذاتها، وتعدداً في الخطابات الدينية المحلية؛ الأمر الذي انعكس على واقع الأردن في التعامل مع أزمة الربيع العربي، فظهر هناك نوع من الفوضى في الخطاب الديني وفي الفتوى؛ حيث كانت الفتوى تتجاوز الدولة على اعتبار أن غالبية الأفكار الدينية القائمة لا تؤمن أصلاً بالدولة الوطنية، بل تؤمن بالأمة؛ وهذا أدخل الدولة الأردنية في حرج شديد وأثر على سياستها واستقرارها، وكانت ذروته في 2014 التي تعد أصعب المراحل التي عاشتها”.

عصر محمد النصر

فمن أهم الأسباب التي دفعت الدولة اليوم إلى هذا التوجه، هو ضعف ارتباط الدعوة بالدولة؛ فكانت الدعوة تُدار محلياً من خلال رموز وأفكار وجماعات، حسب رؤية النصر، مشيراً إلى أن محاولة ترشيد الخطاب الديني والتدين التي حصلت من خلال الدولة الأردنية تعدَّت هذا الحد، منوهاً بأن المظاهر الدينية التي ترعاها الدولة أكبر بكثير من مجرد الإرشاد؛ فلو كان الأمر يقتصر على دائرة الإفتاء في تنظيم الفتوى، أو متعلقاً بوزارة الأوقاف في تنظيم عمل المساجد والجمعيات الدينية، لكان هيِّناً؛ لكن اليوم نشهد خطاباً وتوجهاً جديداً يعيشه الأردن على كل المستويات.

اقرأ أيضاً: فتوى رمضانية لداعية سوري تفتح الجدل حول ضوابط نشر الفتوى في مصر

ويؤكد النصر أن المتابع للواقع يرى أن هناك اليوم تمركزاً وإعادة تشكيل الخطاب الديني في المنطقة ككل وليس في الأردن بمفرده، مشيراً إلى أن الأردن سيكون له الدور الرئيسي في إعادة تشكيل الخطاب الديني؛ وهذا أصبح ظاهراً، وهو ما أكده اللقاء الأخير مع مفتي الأردن عبدالكريم الخصاونة، بأن الفتوى الدينية تتعدى الخدمة العامة لعموم المسلمين؛ ذلك أن الخطاب في العقود الثلاثة الماضية كان الأردن حريصاً فيه على المحلية في التعامل مع القضايا الدينية، وكان هناك نوع من التحسس في التعامل مع الخطاب الذي يأتي من خارج الحدود؛ لكن الأردن بات يمارس هذه القضية وأصبح اليوم يعلن صراحةً أن خطابه سيكون موجهاً إلى ما هو خارج الحدود، مشيراً إلى أن تصريحات المفتي أكدت أن الأردن سيستقدم طلاباً من أنحاء العالم الإسلامي لتدريسهم واحتضانهم لديه؛ وهو نوع من توظيف الحالة الدينية التي يتمثل جزء مهم منها في جامعة العلوم الإسلامية العالمية.

إضافة إلى ذلك، فإن وزارة الأوقاف الأردنية اليوم تستقدم كثيراً من المشايخ من التوجهات الصوفية والأشعرية؛ لإلقاء المجالس الهاشمية التي تُعقد كل عام، وهذا لافت للنظر باعتبار أن الأردن في توجهاته الرسمية الدينية كان يتحسس من أي وافد يلقي خطابه بالداخل؛ لكن اليوم بات يستقدم الشخصيات الدينية من الخارج.

تأتي الخطوة ضمن إطار التمركز وإعادة بناء الخطاب الديني في المنطقة- (صورة حصرية لـ”كيوبوست”)

ومن ضمن حالة التمركز الديني وإعادة بناء الخطاب الديني في المنطقة، فقد عمد الأردن إلى استحداث قضية الكراسي البحثية؛ حيث أصبح هناك أربعة كراسٍ بحثية، تمثلت في كرسي الإمام الرازي، وكرسي الإمام السيوطي، وكرسي الإمام الغزالي، وآخرها كرسي الإمام النووي الذي افتتحه العاهل الأردني بنفسه؛ وهذا يعني أن هناك توظيفاً وتوجهاً دينياً كبيراً للأردن، إضافة إلى ذلك في ما يتعلق بملف الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية في القدس التي يعد للأردن دور واضح فيها، ومحاولة إضفاء شرعية على الدور السياسي للأردن في قضية القدس.

الخدمة ستعزز التواصل بين دائرة الإفتاء والمجتمع الأردني- (صورة حصرية لـ”كيوبوست”)

تنويع مصادر الفتوى

وفي سياق متصل، يوضح مدير الإعلام والعلاقات العامة في دائرة الإفتاء الأردنية د.حسان أبو عرقوب، في تصريحات خاصة أدلى بها إلى “كيوبوست”، أن إطلاق  روبوت الإفتاء من قِبل دائرة الإفتاء هو عبارة عن خطوة تجريبية من أجل معرفة مدى جدوى الوسائل والأدوات الحديثة في تطوير وتنويع مصادر الفتوى، مشيراً إلى أن وضع مثل هذه الأجهزة في الأماكن العامة التي يقصدها ويتردد عليها المواطنون يؤدي إلى الوصول إلى أكبر شريحة ممكنة لتقديم خدمة الإفتاء للمجتمع.

حسان أبو عرقوب

ويؤكد أبو عرقوب أن الخطوة الجديدة مرجعيتها دائرة الإفتاء التي تسعى إلى التسهيل للوصول إلى المواطنين، والتسهيل عليهم في عملية الفتوى؛ وذلك عوضاً عن تكلف مشقة وعناء الذهاب إلى دوائر الإفتاء المنتشرة بالأردن، بل ربما تكون الخطوة أفضل وأسهل من الاتصال على تلك الدوائر؛ حيث إن الفكرة فيها عنصر جذب للمواطنين من باب التنويع والتحفيز في وسائل ومصادر الفتوى.

ويكشف أبو عرقوب أن الفكرة جاءت بعد دراسة من دائرة الإفتاء بالأردن، منوهاً بأن لدى الدائرة فريقاً تكنولوجياً عالي الخبرة الذي يسعى إلى تطوير الوسائل وعمل الاختبارات على الأفكار والمقترحات قبل إطلاقها بشكل رسمي؛ وهذا ما تمثل في الفكرة الجديدة التي تم إطلاقها في أحد المولات بالعاصمة الأردنية عمان، مؤكداً أنه سيتم وضع المزيد من الروبوتات في أماكن أخرى إذا ما تكللت الفكرة بالنجاح.

اقرأ أيضاً: ليبيا.. فتاوى الصادق الغرياني تؤجج الصراع وتخدم الإخوان

رامي عياصرة

أما الأكاديمي والمتخصص في الشؤون الشرعية، د.رامي عياصرة، فيصف في حديث إلى “كيوبوست”، الخطوةَ بمثابة اتصال عن بُعد بين دائرة الإفتاء والمواطنين، وأنها تواصل بين السائل والمفتي عبر إحدى منصات الاتصال المرئي، مشيراً إلى أنها بمثابة أسلوب جديد يوظف تكنولوجيا الاتصال؛ لتقريب الوصول إلى المفتي وتقريب الفتوى من الناس الراغبين في معرفة الحكم الشرعي لوقائع حياتهم، واصفاً الخطوة بأنها إيجابية؛ فهي تأتي في سياق تطوير أساليب التواصل والاتصال لدائرة الإفتاء العام مع المواطنين، مشيراً إلى أن هناك قانوناً للإفتاء يحصر الفتوى بدائرة الإفتاء، إلا أن هذا الأمر لا يعد واقعياً؛ فهناك مئات من المتخصصين بمختلف العلوم الشرعية يعملون خارج مؤسسة دائرة الإفتاء العام، هم جزء من مشهد الإفتاء في الأردن، مشدداً على أنه لا يمكن تكميم أفواههم ومنعهم من الفتوى في حال طُرح عليهم سؤال من محيطهم الاجتماعي، كما لا يمكن منع عموم الناس من التوجه إلى هؤلاء الدعاة والمتخصصين ممن يثقون في علمهم لأخذ الفتوى عنهم .

ويرى عياصرة أن الأصل هو التوافق على قواعد عامة عند المتخصصين ودائرة الإفتاء العام، والتي تعمل على الانسجام وعدم التضاد في الفتاوى، وذلك من خلال الاتفاق على منهج وقواعد الإفتاء في الأردن؛ حتى لا يقع الناس في حيرة بسبب تضاد الفتاوى.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مصطفى أبو عمشة

باحث وكاتب صحفي فلسطيني مهتم بشأن الشرق الأوسط والإسلام السياسي

مقالات ذات صلة