الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون خليجيةمقالات

رواية «الصقر» لجيلبير سينويه تستلهم حياة مؤسس اتحاد الإمارات العربية

الشيخ زايد في سيرة روائية

خاص – كيوبوست

باريس – كاظم جهاد حسن

جيلبير سينويه، مؤرخ وكاتب، اسمه الحقيقي سمير كساب، وُلد في القاهرة من أب مصري وأم فرنسية في 18 فبراير 1947. انتقل إلى باريس في 1968، ودرس في المعهد العالي للموسيقى، واشتغل بعد ذلك أستاذاً للغيتار الكلاسيكي. لمع نجمه في البداية مؤلفاً لنصوص أغانٍ عرفها الجمهور الفرنسي بأصوات عدد من أكبر المطربين والمطربات في فرنسا؛ على رأسهم كلود فرانسوا، وفرانسوا فاليري، خصوصاً النجمة إيطالية الأصل مصرية الولادة داليدا، التي غنَّت نصوصاً عديدة من تأليفه. ومن أشهرها كلمات أغنيتها “حلوة يا بلدي” التي حققت انتشاراً واسعاً باللغات الثلاث التي غنتها بها؛ وهي العربية، والفرنسية، والإسبانية. 

ومع اقترابه من سن الأربعين أحسّ سينويه بأنه منذور للفن الروائي، فهجر تعليم الموسيقى وتأليف الأغاني وتفرغ للكتابة السردية.

صدر لسينويه حتى الآن أكثر من ثلاثين رواية تاريخية، وسيرة روائية شملت عدة شخصيات تاريخية وفكرية؛ منها ابن رشد، وابن سينا، وغاندي، وجمال عبدالناصر، والملك فاروق الأول. وفي ثلاثيته التاريخية «إن شاء الله» أعاد في أكثر من ألف صفحة سرد قرن كامل من تاريخ الشرق الأوسط، من نهاية الدولة العثمانية وقيام بريطانيا وفرنسا بتقسيم المشرق العربي واقتسامه بموجب اتفاقية سايكس- بيكو الشهيرة، حتى تفجير برجَي مركز التجارة الدولية في نيويورك في الحادي عشر من سبتمبر 2001.

جليبير سينيويه

في هذا الفن المتطلب والصعب حقَّق سينويه نتائج باهرة آتية من توفُّر موهبته على خصلتين متضافرتين بصورة لافتة للنظر؛ تتمثلان في هوس الإبحار في عوالم التاريخ القديم والحديث، وفي أسرار العبقريات الشخصية من جهة، والصياغة السردية المثيرة والمضمخة بالشعر من جهة ثانية. بفضل هذا كله نالت أعماله انتشاراً واسعاً في الفرنسية، وتُرجمت إلى العديد من اللغات. ومن آخر أعماله كتابه «أنا القدس»، الصادر في 2019، والذي يأتينا على لسان المدينة المقدسة، تروي سيرتها التاريخيّة، وتشجب ما لحقها من ويلات وطمس لحقيقتها التاريخية.

وها هو ينشر اليوم سيرة روائية بعنوان «الصقر»، يستلهم فيها حياة مؤسس الإمارات العربية المتحدة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان. فيها يسترجع الشيخ زايد، في سن الستة والثمانين، في نهاية أيامه، الأحلام والمواقف والمبادرات التي مكنته من أن يُخرج من قلب الصحراء بلاداً قادها على طريق التقدم: الإمارات العربية المتحدة، وعاصمتها أبوظبي. ولعل من المفيد، حتى ندرك كيف استقبل الفرنسيون هذه الرواية، أن نترجم هنا، قبل أن نعرض الكتاب، الخلاصة التي وضعتها منشورات غاليمار الشهيرة في إعلانها عن الكتاب:

خبر عن الرواية في الصحافة الفرنسية

«اعتباراً من 1966، وما إن تسلَّم دفة الحكم من شقيقه الشيخ شخبوط، أحدث زايد نقلة نوعية في تاريخ البلاد؛ محققاً ما راوده من أحلام في التقدم والمساواة، ومسترشداً بنصائح المقربين منه ومَن شاركوه رؤيته: التعليم للجميع، تمكين المرأة، وامتلاك الحرية في العبادة، وإقامة أولى المزارع الصديقة للبيئة، وإرساء سياسة لحماية الطبيعة. 

لقد اقتدى هذا الرجل المتحضر، المنفتح على العالَم والمحب للإنسانية، بأحدث الدول الغربية لإيصال بلده إلى الحداثة، مع الحفاظ على أصالته وثقافة أسلافه. كما أن قناعته بأن الثروة البترولية في هذه المنطقة الجافة هي هبة إلهية يجب أن ينعم بها كل الأهالي جعلته لا يتردد في استثمارها لتمويل مشروعات البنية التحتية للبلاد، فضلاً عن مساعدة دول الجوار (كمصر، وسوريا، والأردن، والهند) التي حظيت بدعمه، وكذلك العديد من دول الغرب. وبفضل إصراره وتعاون الشيخ راشد، حاكم دبي، تحققت أعجوبة أخرى، ألا وهي توحيد الإمارات العربية المجتمعة في أصلها وتاريخها في دولة واحدة، متماسكة كالصخر».

منعطفات مسيرة

بفعل المسافة الزمنية التي باتت تفصلنا عن رحيل الشيخ زايد، صار في مقدور الكتَّاب أن يتعاملوا معه بصفته شخصية تاريخية، وأحد رموز تراث حي ترك هو عليه دمغته القوية. وها هو جيلبير سينويه، الذي اعتاد تسطير سيَر روائية لكبار رجال التاريخ، يضع لحياة الشيخ زايد وفلسفته في الحياة والعمل هذه الاستعادة السردية الباهرة التي تأتينا مدعومة بشهادات الأصدقاء وأفراد العائلة والمساعدين والمهندسين المعماريين وعلماء الآثار، وجميع من عرفوه وأحبوه.

اقرأ أيضًا: الإماراتيون يحتفون بعام زايد: كل ما تريد معرفته عن الشيخ المؤسس

في الفصل الأول يقول الروائي، بلغةٍ مكثفة، كل شيء. فيه، كما في أغلب الفصول، يتحدَّث بطل الرواية بنفسه، يقدم لمن لا يعرفه نفسه وتاريخه وتاريخ بلاده في تعاقب الأطوار والعهود:  

«اسمي زايد بن سلطان آل نهيان. أنا حفيد زايد الكبير. طوال قرون لم يطرأ تغيير يُذكَر على هذه المنطقة من العالم حيث ولِدتُ: تموجات الكثبان والشواطئ الفضّية أنعم من المخْمَل. في القرن الخامس عشر جاء البرتغاليون. أسسوا وكالات تجارية في المنطقة، وطوروا تجارة اللؤلؤ والذهب، ثم أبحروا بعيداً، ولم يتركوا وراءهم سوى مدافع برونزية ضخمة مصوَّبة نحو الأُفق. في ما بعد، جاء الهولنديون ثم الأتراك العثمانيون إلى المنطقة، ولم يستطيعوا الاقتراب منَّا. اقتصر حضورهم على حاميات صغيرة أقاموها على التخوم الغربية من الخليج العربي، ثم استسلموا لخدر الرمال. مرَّت عقود أيضاً. وشهد القرن التاسع عشر وصول الإنجليز. وقد وضع مسؤولو المكتب البريطاني في الهند الخليج وبلادي تحت حمايتهم لمصلحة العرش البريطاني، وذلك حتى عام 1971.

في تلك الأزمنة البعيدة كانت قبيلة بني ياس -إحدى القبائل الكبيرة في شبه الجزيرة العربية- مؤلفة من عدة أفخاذ. وكان التاريخ المشترك، الذي يتجاوز صلة الدم، هو الذي وحَّدهم. أغمضوا أعينكم. تخيَّلوا آلافاً مؤلفة من السهول الرملية، والشجيرات التي أحرقتها الشمس. مساحة شاسعة مخيفة لا يغامر باجتيازها سوى الأبطال. على طرف هذا الرّبع الخالي، في واحة ليوا، حَطّ بنو ياس الرحال، ومن هذا المكان المبارك بدأ كل شيء».

شاهد: سيرة حياة الشيخ زايد في دقيقة!

ثم تأتي المحطات والمنعطفات والتفاصيل، معركة كبرى يخوضها زايد بلا أسلحة، كما يقول هو نفسه، مستعيناً بعقله وحكمته، وتعاليم موروثه وثقافته، وقد عقد العزم على تأسيس بلاد حديثة ومتينة البناء انطلاقاً من كيان أصلي، بسيط وتقليدي، شجاع ومتماسك. يعرض الروائي هذه التجربة التي تغطي عقوداً عديدة عبر تعدد الشخصيات الساردة، فتارةً السارد هو الشيخ زايد نفسه، يتذكَّر ويعقِّب على الماضي، وتارةً أخرى تضطلع بالسرد شخصية أخرى من بين من تعاونوا معه وثمَّنوه وعرفوه عن قرب، من عرب وأجانب. كما يعقِّب على الأحداث أحياناً سارد عليم غير منخرط في الرواية؛ أي ليس بين شخصياتها.

وهذا التعدد للأصوات ووجهات النظر وإجراءات الرجوع في الماضي (الفلاش باك) والمناوبة بين الماضي والحاضر، والانتقال بين الأجواء الأُسَرية والسياسية، وبين المناظر الطبيعية والمدينية، والأحداث المحلية والعالمية، هذا كله أثرى الرواية، وجعل منها رواية بلاد، وحقبة من تاريخ البلاد والعالم، يتوسطها الشيخ زايد، ويتحرك في قلبها.

الوئام المُبرَم

بعد الفصل الأول الذي يفصح فيه الشيخ زايد عن هويته وانتمائه، ويستعرض تاريخاً كاملاً عبر محطاته الأساسية، تقودنا الرواية إلى واقع البلاد. نحن في عام 1948، والشيخ زايد يتلقى زيارة ولفريد ثيسيغر، الرحالة الإنجليزي المعروف بكتابيه عن الربع الخالي، وأهوار العراق. وهذا في الحقيقة واحد من عدة لقاءات تزخر بها الرواية، تجمع زايد بأهل العلم والأدب؛ مما يدل على سعة علاقاته وتنوعها منذ شبابه. كان الهم الأساس يتمثل في توفير الماء لبلاد ظمأى بكاملها، بأرضها وكائناتها كلها، «الماء ذهب الصحراء» كما يدعوه زايد، «الماء هو الحياة».

كانت البلاد، يومذاك، تقع تحت رحمة الغوص بحثاً عن اللؤلؤ في ظروف بالغة القسوة: «كان الغواصون، يقول زايد في الرواية، يعملون طوال اليوم. يستعينون بحجر كبير لتسريع نزولهم، وعندما يوشك الهواء على النفاد يُرفعون إلى السطح بواسطة حبل يسحبه أحد البحارة على الزورق، هذه هي مهمته. يبقون تحت الماء ما بين دقيقتين وأربع دقائق يجمعون خلالها بواسطة قفازات جلدية الأصدافَ التي يضعونها في سلال معلقة بأوساطهم. أدواتهم تقتصر على مِلقط من عظم لسد المنخرين. كان تكرار الغوص يُنهك الجسد، وكل من يمارسونه يعانون مشكلاتٍ في السمع، إن لم يصبحوا صُماً. لا يمكثون طويلاً تحت الماء، لكن كثيراً منهم يصعدون وأنوفهم تنزف دماً، زِدْ أن بعضهم كان يبقى مثقلاً بالدَّين حتى نهاية حياته، وبعد مماته ترث عائلاتهم تلك الديون. أمرٌ فظيع، لكن هذا هو الواقع. لم يكن لآبائي من خيار آخر. كان علينا أن نحيا، وأن نبقى أحياء».

ثم أتى اللؤلؤ الزراعي الذي اخترعه الياباني كوكيشي؛ ليحدّ من تعاون الإنسان والطبيعة هذا، تعاون محفوف بالعناء والتضحيات، وليُغرق صيادي اللؤلؤ الحقيقي في البؤس. وكان الشاب زايد لا يرى حلاً إلا في التحديث، والمزيد من التحديث. فاقتاد إليه من كانوا حوله؛ اقتادهم بروح الحوار والوئام والمجادلة الحكيمة والصبر، حتى استوت البلاد في طريق التحديث.

شاهد: الإمارات: العمل والأمل

ظل زايد يعمل ويخطط في ظل أخيه البكر الشيخ شخبوط، رئيس الأسرة وحاكم العَين، حتى انتقل إليه الحكم بموافقة شقيقه نفسه وبمباركة منه في 1966. كان جزء لا يمكن الاستهانة به من محيطه متشبثاً بأصالته، وزايد يرى أن التقدم لا يمحو الأصالة؛ بل بالعكس يقويها. مدرستان أو فلسفتان في قلب كيان واحد، تعايشتا بوئام وقيّض للثانية منهما أن تدوم؛ لأنها كان يمليها ويوجهها إصغاءٌ عميق لنداء المستقبل.

«طوال حياتي كنت أحلم مستيقظاً»

يصوِّر سينويه بطل روايته رجلَ رؤية، يحلم ببلاد تحتل مكانها في قلب التقدم والتحديث، ثم يعمل طيلة عقود على تقريب الواقع من حلمه، وعلى تعديل حلمه بموجب إلزامات الواقع وضروراته، حتى يحصل تساوق وتناغم وانسجام. الأرض والمجتمع هما في نظر زايد بنيتان ينبغي تعديلهما لا العصف بهما عصفاً. كان واعياً لضرورة القيام بثورة معرفية وكيانية هادئة وحكيمة؛ لا سلسلة انقلابات هوجاء.

ولم يكن ساعياً إلى التحديث من أجل التحديث، ليكون ذلك له ولشعبه مصدر مباهاة محضة أو رقي مادي محض؛ بل لإنقاذ الشعب من غوائل الجهل والفقر وانعدام العلاج الطبي وضآلة المعرفة العلمية. هذا ما يشهد عليه في الرواية جون إليوت، أول مهندس معماري إنجليزي استعان به الشيخ زايد لتخطيط مدينة أبوظبي الحديثة: «كان يرى، أقول بوضوح إنه كان يرى مدينة المستقبل التي يحلم بها. مدينة – بستان تتخللها الحدائق والمساحات الخضراء. كان يحلم ببحر من الخضرة. كان يرى المستشفيات، المكتبات العامة، الجامعات. أذكر تحذيراً وجهه إليَّ ذات يوم أثناء مداولاتنا في مكتبه بقصر الحِصن: انتبه، يا جون، لا أريد مدينة نفطية! أريد مدينة، مدينة حقيقية».

الشيخ زايد بن سلطان يستمع لشرح المهندس عن أحد-المشاريع في أبوظبي

وبقدر ما كان زايد يكره العنف والغضب، كانت حكمته تنقلب عند الضرورة إلى حسم. هكذا دعا في 1950 الرجال إلى التعويض بالأعمال الزراعية عن انحسار تجارة اللؤلؤ وصيده، وأقنعهم بالذهاب للبحث عن الماء حيث يكون؛ أي في الطبقات الجوفية من الأرض. فتعاونوا في حفر بئر أمّ، ثم عملوا على إيصال الماء بأفلاج؛ أي شبكة ممرات مائية. كان هدفه هو توزيع الماء على السكان بالتساوي لقاء رسم زهيد. لكن العائلات الأكثر غِنًى سارعت إلى شراء كميات كبيرة من الماء؛ لكي تعود فتبيعها بسعر أكبر مرتين أو ثلاث مرات إلى العائلات الأكثر فقراً. والذين لا يقدرون على الدفع باتوا محرومين من الماء. فقرر زايد تخصيص ذلك الماء للفقراء وحدهم، وأمر الأثرياء باللجوء إلى مياه الأفلاج القديمة، حتى كفّوا عن تجارتهم غير المشروعة.

ويرينا الكاتب ببراعة أن هوايات زايد، القنص بالصقر مثلاً، والمتعة التي كانت تأتيه بها ممارسة الصيد، لا يمكن فهمها وتقييمها بمعزل عن فلسفته في التوازن الطبيعي، والتعايش البيئوي، ومعرفته بسلوك الحيوان ومنطقه وحيَله من أجل البقاء. وإن أحد أجمل فصول الرواية هو الفصل الرابع، الذي يصف صراع الشاهين وطائر الحُبارى، كل منهما يسخِّر كل فطنته، وما جادت به عليه الطبيعة من إمكانات، ليدافع عن نفسه. كما أن الصحراء لم تكن لديه مكاناً يتميز بشظف العيش وينبغي الخروج منه ونسيانه؛ بل هي فردوس متقشّف ينبغي إكثار فرص العيش الكريم والرفاهية المشروعة فيه. وهي أيضاً مدرسة ومنهل تعاليم ومخزون من التقاليد الحية ولوحة فاتنة وينبوع شِعر. جمالية الصحراء وفلسفتها هاتان عرف سينويه أن يُظهرهما بروعة في لوحات وعبارات ومحاورات عديدة.

الشيخ زايد في المقناص

إن إنساناً، وخصوصاً إنساناً مؤسِّساً بانياً، لا يكون صنيع نفسه بمفردها، وهذا ما يقرّ به زايد في أكثر من موضع في هذه الرواية، ويعمد إلى التذكير به مراراً على سبيل العرفان ولغاياتٍ تعليمية. هو أولاً ثمرة تاريخ متعاقب وعصارة خبرات متراكمة وموروثة جيلاً عن جيل. وإلى حضور الأسلاف المثمر والدائم الاعتمال فيه، هناك الحلفاء والمساعدون والأصحاب الأوفياء، من رجال ونساء. وهناك مشاهداته ولقاءاته وحواراته، مناسبات غفيرة عرف زايد أن يرقبها بعين يقظة ويترجم استنباطاته منها إلى أفعال قوية وتجارب ملموسة لصالح بلاده وشعبه.

رجال ونساء.. عظام وبسطاء

تبدأ الشخصيات التي يعد زايد نفسه مديناً لها بمواصلة مسيرته التأسيسية بالنساء. كوكبة كاملة من النساء الرائعات. من أمِّه سلامة التي جعلت أبناءها الخمسة، وعلى رأسهم شخبوط وزايد، يقسمون على العمل بروح الوئام، وتفادي العنف بين الإخوة مهما كان الموقف، ومهما تكن المناسبة، إلى عقيلته الشيخة فاطمة التي كانت إلى جانبه، مشجِّعة ومحاورة في أكثر من موقف ومنجَز، من تحقيق وحدة الإمارات إلى إنشاء «صندوق الزواج» لحماية المواطنين من غلاء المهور يومذاك. وهناك نساء أخريات؛ شرقيات وغربيات، منهن سوزان هليارد، صاحبة كتاب جميل عن أبوظبي «قبل النفط»، «أيام كانت البلاد مشرعة على كل الرياح». يقول بخصوصها زايد: «إن كنت، أنا زايد، فكّرتُ في سوزان فجأة هذا اليوم فذلك، من بين بواعث عديدة، لأن الفضل يعود إليها، وإلى زوجها، في اكتشافنا، أنا وأخي شخبوط، أن الوجود الإنساني في إقليمنا يرقى إلى أكثر من ألفي سنة». ذلك أن زوجها الآثاري تيم هليارد، هو الذي اكتشف في جزيرة «أمّ النار» قرب أبوظبي، أطلالاً قديمة ترقى لأكثر من ألفي سنة، وهكذا تم اكتشاف حضارة دِلمون الإماراتية القديمة. وهناك أيضاً زليخة داود («مَن يتذكّر ماما زُلَيخة؟ واسمها الحقيقي الدكتورة زُليخة داود. كانت أول طبيبة هندية تأتي للعمل عندنا»)، وفروك هيرد بك، التي إليها يعود الفضل في تأسيس مركز الوثائق والبحوث الذي شكل مؤسسة أولى قوية تحفظ ذاكرة البلاد.

الشيخ زايد مع الأطفال – يونيو 1980

أما الرجال، فهناك في مقدمتهم الشيخ راشد، الحليف الأكبر في تجربة الاتحاد، التي يتذكرها زايد بكلمات ملؤها الشاعرية والعرفان: «في قلب الصحراء كان لقاؤنا… كنا بدويَّين، تحت شمس وهّاجة… رجلان صقلتهما قرون من العواصف وسكون الريح». وعن هذا الامتداد للذاكرة التاريخية يعلن زايد في الصفحة الأولى من الرواية: «من فضائل الشيخوخة أن ذاكرة الإنسان لا تحتفظ إلا بالجوهري. لكنْ ثمّة يقين: إنني أحتفظ بألف عام من الذكريات». وهناك بين هؤلاء الرجال صديقه ومحاوره فارس، ومترجمه نشيبي الذي رافقه في رحلات ولقاءات لا تحصى، والمهندسون المعماريون الذين استعان بهم لتخطيط مدينة أبوظبي، من الإنجليزي جون إليوت، مصمم «قصر الإمارات» الرائع، إلى الياباني كاتسوهيكو تاكاهاشي، فالمصري الدكتور عبدالرحمن حسنين مخلوف، الذي وصل إلى أبوظبي في نوفمبر 1968، واستطاع أكثر من غيره أن يجسد على الأرض حلم الشيخ زايد بمدينة حديثة ذات جادّات مستقيمة واسعة. كان وفاق الرجلين مثالياً، فالدكتور مخلوف «كان متأثراً جداً بالفيلسوف اليوناني أرسطو الذي كان يرى أن الدولة المثالية يجب أن تكون من أجل سعادة مواطنيها في المقام الأول. وتخطيط المدن مهمة اجتماعية قبل كل شيء».

الشيخ زايد والشيخ راشد آل مكتوم

هؤلاء جميعاً، ومعهم جمهرة من الناس البسطاء الذين أصغى لهم زايد في مختلف المواقف والمناسبات، يحتفي بهم جميعاً على شاكلته، أي عبر فعل التذكر والعرفان، كما عندما يقول في الرواية: «لقد واجهتُ تحدياً ضد الزمن، الفقر، الأمية، المرض، تدعمني كلمات زوجتي، فاطمة، التي تعاودني بلا انقطاع: “من الآن فصاعداً أنت تملك السلطة لرفع مكانة بلادنا إلى أعلى ذُرى المعرفة، والتقدّم. أقْدِمْ، أقْدِمْ على وجه السرعة! ابْنِ لنا مدارس، كليات، متاحف، جامعات…” كلما عاينتُ التحول الكبير الذي أطلقت له العنان تحضرني، كالتماعات الضوء، وجوه أشخاص بقيت مُغفلة زمناً طويلاً، وكلٌّ منها ساهم بطريقته، وبكل تواضع، في نهضة بلادي. لم يكونوا من كبار المهندسين، ولا الخبراء، ولا الاقتصاديين، بل هم أناس بسطاء ميزتهم الأولى الكرم وعظمة الروح».

بساطة الآخرين، الفعالة والعميقة هذه، تقابلها بساطته هو نفسه وتعدده أبعاد شخصيته. لا يتعارض الجِد لديه مع التخفف، ولا نقول الهزل، ولا مع التبادل البسيط مع مَن حوله في نوع من روح لطافةٍ وفكاهة عميقة. ها هو ذا يتجول مع صديقه فارس ذات يوم، فيرى صبياناً يلعبون الكرة الطائرة فيرجوهم قبوله لاعباً بينهم، ويشاركهم اللعب بابتهاج وتواضع. وفي قلب محاوراته مع بوتو، رئيس الباكستان، يسمع من أحد مساعدي الرئيس عن مكان مشهور بطائر الحُبارى، الذي يهواه الصقّارون لأنه يشكل لصقورهم تحدياً كبيراً، فيشعرهم صيده بالفخر. كان ذلك في منطقة رحيم يارخان التي تبعد عن العاصمة إسلام آباد تسعمئة كيلومتر ولا يمكن الوصول إليها إلا براً، فيمدد زايد زيارته ويزور المنطقة ويمارس القنص فيها. ولا ينسى، في ختام زيارته، أن يوصيهم بالحفاظ على طيور الحُبارى وتحريم صيدها بالبنادق؛ حتى لا يختل التوازن الطبيعي. وحتى حارسه الذي لم يكن يريد تصديق وصول الإنسان إلى القمر (حدث أثناء زيارة زايد لإنجلترا في 1969 وبينما هما يخرجان من وليمة عشاء أقامتها على شرفه الملكة إليزابيث الثانية)، يحاوره زايد ويدعوه إلى عدم جعل الإيمان مضاداً للتقدم والعلم.

الشيخ زايد بن سلطان في إحدى رحلات القنص في باكستان عام 1972

أما لقاءاته ومحاوراته مع كبار الشخصيات الأجنبية، فكان يستثمرها كلها ليستمد منها درساً؛ إضافة ما يأتي بها إلى بلده أو خطر يوفِّر على شعبه مغبّة الوقوع فيه. من هؤلاء الرحالة الإنجليزي الآنف الذِّكر ولفريد تثيسيغر، الذي يستقبله زايد بحفاوة. منه يفهم ما تعنيه الصحراء لزائر غريب، وعن طريقه يمسك ببعض مفاتيح تفكير الإنجليز، وهو يشهد في ذكرياته عن زيارته على معنى الضيافة وروح التحكيم وفضّ النزاعات التي شهدها لدى زايد. ومنهم الرائد البحار الفرنسي جان إيف كوستو الذي ساعد، على متن سفينته كاليبسو، في التنقيب عن النفط واستحصال خرائط وعينات من صخور الأعماق البحرية، ووزير الخارجية الفرنسي موريس شومان، الذي عن طريقه عرف زايد أنه توجد في فرنسا، منذ قرن تقريباً، إدارة مهمتها الحرص على ألا تعمد بعض الأُمهات البائسات، اللواتي لا يمكنهن الاحتفاظ بأطفالهن، إلى التخلي عنهم. بروح الثقة هذه، المدعمة بروح الانفتاح، قابل زايد مرتين ملكة إنجلترا إليزابيث الثانية، وزوجها الأمير فيليب. في اللقاء الأول، الذي حدث في لندن في يونيو 1969، احتفظ زايد بكامل رباطة جأشه عندما أبدت الملكة استغرابها من إصراره على زراعة أشجار النخيل بالآلاف، فكأنه، كما قالت له، مصمم على «تحويل الصحراء إلى غابة»! بعد ذلك بعشر سنوات يقول له الأمير فيليب، وقد جاء بصحبة الملكة لزيارة البلاد: «تعلمون، إنكم حققتم هنا اثنين من أقدم أحلام الإنسان: تحويل الصحراء إلى أرض مخضرّة، ومياه البحر إلى مياه للشرب. حلمان صارا واقعاً»!

الشيخ زايد والنخيل

«أبيض كوردة بيضاء»

هكذا راح زايد يرى بلاده التي رآها في أحلامه ورؤاه البانية تتحقق رويداً رويداً: «يوماً بعد يوم كنت أرى أرضنا تُغيِّر وجهها. طرق الأسفلت تحل محل مسارات الرمال. في حي العريش القديم تقوم مبان جديدة بدل العرشان»؛ «كما في حياة كل البشر، عرفنا أياماً مشرقة وأخرى عاصفة. كانت البلاد تمضي قُدماً. مبانٍ جديدةٌ ترتفع كل يوم. أعداد متزايدة من السيارات تجوب شوارع حديثة التزفيت. أول خط هاتفي مباشر يربطنا بدُبَي. أولى جامعاتنا، جامعة الإمارات العربية المتحدة، تفتح عن قريب أبوابها لاستقبال الفتيات والفتيان. الزراعة التي لطالما علّقت عليها أهمية كبرى تنمو على نحو يتعدى آمالي، ولن أيأس من وصولنا ذات يوم إلى الاكتفاء الذاتي. لا أريد أن أرى ثانية سنوات القحط والمجاعة التي عشتها في طفولتي. في موازاة ذلك تحتضن أرض جزيرة السعديات الصغيرة مركز أبحاث على مقربة من الساحل يبحث عن حلول تسمح بحماية المساحات الزراعية من زحف الكُتل الإسمنتية».

الشيخ زايد والإعمار

ولم يكتفِ بتعمير بلاده، بل بسط يد الأخوّة والتعاون للبلدان الشقيقة وحتى للأقطار النائية المتضررة بهذه الآفة الطبيعية أو تلك. كان يتبرع بالمال في كل مكان ومناسبة، وله في ذلك فلسفته. تبرع ذات يوم بأربعين مليون دولار للحكومة الصومالية لبناء سد ومعمل للسكر ومساعدة السكان المهددين بالمجاعة، فسأله أحد مساعديه وأصدقائه: «من أين لك هذا السخاء كله؟ ألا تتعب من العطاء؟»، فأجاب زايد: «تخيَّل أن الله أعطاك دخلاً قدره عشرة ملايين دولار، وأنت لا تحتاج لتلبية احتياجاتك الشخصية والعائلية إلا إلى مليون، ماذا تفعل بالباقي؟ أقول لك، يا فارس، إن كان لديك حد أدنى من الحياء فمن المستحيل ألا توزعه على المحيطين بك، على المحتاجين. إن التصرف خلاف ذلك ليس إجراماً فحسب؛ بل جحود بحق الخالق الذي أعطاك فأغناك».

بهذا السعي كله لا تعود البلاد ونهضتها ثمرة اكتشاف النفط كما يتصور بعضهم على عجل، بل ثمرة ما استطاع رجل أن يعمله بالنفط. قادة آخرون لديهم الذهب الأسود أيضاً؛ ولكنهم قادوا بلدانهم إلى حروب ومجاعات.

ومع التقدم في التجربة والعمر، راحت الذكريات تفرض نفسها بإلحاح، ذكريات الفقر النبيل الذي منه بدأ مسيرته الظافرة هذه: «عندما وصلنا إلى صحراء طفولتي اجتاحتني موجة من الذكريات. رأيت أُمِّي مجدداً، رأيتُني ألعب حافي القدمين بين أشجار النخيل، وأسبح مع الصغار في أحواض الأفلاج. هل حصل هذا أمس؟ لقد حصل أمس…».

ثم يأتي حلم بناء الجامع الذي حمل بعد قيامه اسمه وصار محجّاً للزائرين. هو ذا يقول في ما يحلم به، ويتخيله: «سيكون أبيض كالطهارة. أبيض كوردة بيضاء. نقياً كقلب طفل. خطوطه ليِّنة للناظر. ما من ثقل؛ بل هندسة أثيرية، تكاد تكون لا مادية. الإلهي في ملاقاة الإنسان». ويضيف، وهو ما تحقق فعلاً: «لبناء هذا الصرح سوف يُؤتى بخيرة مواد البناء من إيطاليا، من اليونان، من ألمانيا، من المغرب، من الهند، من تركيا، من إيران، من الصين، من العالم كله؛ لأن العالم كله سيكون له نفاذ إليه».

وقد لا يكون أجمل لاختتام هذه القراءة لرواية «الصقر» من التذكير بأن كلَّ واحدٍ من فصولها يحمل عنواناً أو بالأحرى استهلالاً مأخوذاً من إحدى مقولات الشيخ زايد في الفصل نفسه. وقد حرص الكاتب على أن يأتي كل استهلال على هيئة حكمة أو مقولة نافذة تلخص قناعات زايد، ومن ورائه عمق موروث وثقافة. من هذه الاستهلالات: «طوال حياتي كنت أحلم مستيقظاً»، «لا ينتصر الناس على الطبيعة إلا بالخضوع لها»، «من اختلافاتنا يجب أن تنشأ الرابطة التي توحِّد الناس»، «كل كتاب يقرأه الصغار سوف يفتح عيونهم على عوالم جديدة، ولسوف يبدعون هم أيضاً بدورهم»، «مَن يملك الخيار يملك معه أيضاً القلق الذي يرافقه»، «التاريخ لا يحب الجمود».

 اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة