الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون عربية

رمضان حزين في السودان.. والتقاليد الرمضانية على حافة الانهيار!

يأتي رمضان هذا العام والسودان يمر بأزمات هي الأكثر تشابكاً وتعقيداً في تاريخه السياسي والاقتصادي والاجتماعي منذ الاستقلال

كيوبوست- عبدالجليل سليمان

اعتاد السودانيون على الإنفاق بسخاء على شهر رمضان؛ إذ دأبوا على تخصيص ميزانيات ضخمة لشراء (مقاضي) الشهر الكريم، بما في ذلك شراء أوانٍ منزلية جديدة خاصة به.

وتبدأ الاستعدادات لاستقبال الشهر منذ رجب أو قبله بقليل؛ حيث يتم تجهيز (الحلو مُر) سيِّد  المائدة الرمضانية السودانية، بلا منازع، إذ لا يخلو منه بيت سوداني إلا استثناء؛ وهو مشروب خاص برمضان فقط، ونادراً ما يُستخدم في بقية أشهر العام.

ولأنه مرتبط بنيوياً بشهر رمضان، أصبح (الحلو مُر) كأنه مشروب مقدس، لا فكاك عن وجوده على المائدة الرمضانية رغم أنه جهد كبير وكلفة مالية باهظة، ومع ذلك تتمسك به الأُسر السودانية تمسكها بالصيام والقيام وصلاة التراويح.

اقرأ أيضاً: العصيدة والحلو مر يتسيدان المائدة الرمضانية السودانية

رمضان حلو ومُر

رقائق ومشروب الحلو مُر- وكالات

يأتي رمضان هذا العام والسودان يمر بأزمات متعددة الأوجه؛ هي الأكثر تشابكاً وتعقيداً في تاريخه السياسي والاقتصادي والاجتماعي منذ استقلاله عام 1956؛ فقد انخفضت قيمة الجنيه السوداني حتى بات كأنه غير مبرئ للذمة، وساد الدولار الأمريكي في التعاملات المالية والنقدية، بينما ارتفعت أسعار السلع الأساسية وغير الأساسية إلى أعلى مستوياتها منذ أكثر من ستة عقود، وفقاً لخبراء اقتصاديين، كما ضعفت القوة الشرائية للمواطنين إلى درجة غير مسبوقة، وبلغت معدلات البطالة أقصاها.

اقرأ أيضاً: “الضرا” أو إفطار الشوارع.. تقليد رمضاني عريق في السودان

ومنذ انقلاب 25 أكتوبر، 2021، وإطاحة حكومة عبدالله حمدوك، لم يتمكن رئيس مجلس السيادة عبدالفتاح البرهان، من تشكيل حكومة بديلة تضطلع بإدارة الدولة، فاقم من ذلك الاحتجاجات الشعبية المستمرة المُطالبة بعودة السياق المدني الديمقراطي؛ الأمر الذي شل النشاط الاقتصادي وأقعد بحركة البيع والشراء وضاعف من نسبة الفقر التي وصلت ذروتها مع اندلاع الحرب الروسية- الأوكرانية؛ حيث تأثرت واردات القمح بشكل كبير، ما خلق أزمة خبز طاحنة، وارتفعت أسعار رغيف العيش نحو ثلاث مرات أو يزيد.

أسواق خالية

مشهد من إفطار جماعي في الشوارع والساحات- وكالات

“لم تشهد الخرطوم مثلما جرت العادة زفة لرمضان هذا العام، وبدت الأسواق كمدن أشباح، خالية من المتسوقين، يا له من رمضان حزين!”.

فائقة يس

هكذا ابتدرت فائقة يس، الصحفية المتخصصة في القضايا الاجتماعية، إفادتها لـ”كيوبوست”، مشيرةً إلى أن الأوضاع المعيشية المتردية التي خلفتها الحالة السياسية المتأزمة ستجعل رمضان هذا العام شديد الاختلاف، وأن كل المؤشرات تدل بوضوح على ذلك؛ فحركة البيع والشراء في الأسواق في أدنى مستوياتها؛ حيث انخفض الإقبال على شراء مستلزمات الشهر الكريم، ولربما يؤدي ذلك إلى إحجام السودانيين عن الخروج إلى الشوارع لتناول الإفطار كما هي عادتهم منذ الأزل، وعليه فإن تقليداً سودانياً أصيلاً مهددٌ بالإطاحة من المشهد الرمضاني هذا العام.

وكشفت يس، لـ”كيوبوست”، عن أسر كثيرة أحجمت هذا العام عن تجهيز رقائق الحلو مُر، وشراء أوانٍ منزلية جديدة؛ احتفاء بقدوم الشهر الكريم، وهذا وحده دليل كافٍ على الأوضاع المعيشية المزرية التي يشهدها السودان.

اختفاء محتمل للمسحراتي

هيام تاج السّر

من جهتها، أشارت الصحفية هيام تاج السر، إلى أن رمضان هذا العام، لا يأتي فقط تحت وطأة الغلاء والفقر وندرة السلع، وإنما أيضاً في ظل أوضاع أمنية شديدة الانفلات؛ حيث انتشرت عصابات النهب المعروفة بـ(9 طويلة)، في أنحاء العاصمة السودانية كافة؛ وهي مجموعات شبابية على ظهور (موتسيكلات) تعمد إلى نهب المواطنين تحت تهديد السلاح الأبيض، الأمر الذي سيجبر قطاعاً واسعاً منهم على التزام بيوتهم والامتناع عن الخروج إلى الشوارع لتنظيم الإفطارات الجماعية، وربما ستختفي عادة المسحراتي؛ خشية تعرض العصابات لمن يتصدون لهذه المهمة الجليلة، بجانب إعلان “لجان المقاومة” و”تجمع المهنيين السودانيين” اللذين يقودان الاحتجاجات، استمرارها في شهر رمضان، وفقاً لجداول زمنية سيتم الكشف عنها لاحقاً؛ ما يعني مزيداً من عمليات إغلاق الشوارع وسماء ملبدة بدخان الغازات المُسيلة للدموع، وبالتالي فلن يكون لرمضان هذا العام ذات السمت والنكهة التي اعتاد عليها السودانيون. 

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة