الواجهة الرئيسيةشؤون عربيةمجتمع

رمزية السلاح لدى عشائر الأردن بين الفوضى ودعاوى التقنين

وصل عدد قطع السلاح بالأردن إلى مليون قطعة غير مرخصة.. والأصوات تتعالى لتنظيم تداول السلاح والعمل على تغيير ثقافة المجتمع

كيوبوست – مصطفى أبو عمشة

لا تزال مشكلة فوضى السلاح في الأردن تطفو على السطح من حين إلى آخر؛ بل وتزداد الأصوات المتعالية الداعية إلى ضرورة تقنين حيازته بعد أحداث العنف الأخيرة التي شهدتها البلاد عقب إعلان نتائج الانتخابات النيابية، والتي أدَّت إلى استقالة وزير الداخلية اللواء الركن توفيق الحلالمة.

حيث شهدت عدة مناطق في الأردن حالة توتر واستعراضات بأسلحة أوتوماتيكية مع إعلان نتائج الانتخابات النيابية؛ وهو ما شكل إحراجاً كبيراً للسلطة؛ خصوصاً أن حالة الفوضى جرت بالتزامن مع إعلان حالة طوارئ للحد من انتشار جائحة كورونا، ما اضطر وزير الداخلية الحلالمة، إلى الاستقالة.

كما أبدى الملك عبدالله الثاني غضباً شديداً حيال ما حصل، وقال في تغريدات على موقع “تويتر”: “المظاهر المؤسفة التي شهدناها من البعض بعد العملية الانتخابية، خرق واضح للقانون، وتعدٍّ على سلامة وصحة المجتمع، ولا تعبر عن الوعي الحقيقي للغالبية العظمى من مواطنينا في جميع محافظات الوطن الغالي”.

اقرأ أيضًا: “فتى الزرقاء”.. ما الذي تغير لكي نعيش تفاصيل جريمة كهذه؟

وزير الداخلية الأسبق سمير الحباشنة يتحدث حول اقتناء السلاح في الأردن- قناة “رؤيا الإخبارية”

مجتمع يتحوَّل

ظاهرة انتشار السلاح غالباً ما يُساء استخدامها في المناسبات الرسمية والاجتماعية في المجتمع الأردني، وبهذا الخصوص يعزو عميد كلية العلوم الاجتماعية بجامعة مؤتة البروفيسور حسين محادين، في تصريحاتٍ خاصة أدلى بها إلى “كيوبوست”، هذه الظاهرة إلى أن المجتمع الأردني مجتمع متحول من جذور بدوية ريفية إلى أطراف الحداثة ودولة القانون والمؤسسات بالتدرج عموماً، ولعل جذور حمل السلاح الفردي تعود أيضاً إلى أن المجتمع الأردني يتمثل ثقافة المغالبة وليس الحوار بالمعنى المدني عموماً النابعة بطبيعة الحال من التفكير الإسلامي والعقلية العربية، معتقداً أن من المنطقي ثقافياً وتنشيئياً أن يكون السلاح الفردي جزءاً من الهوية الفردية والجمعية لكل مجتمع آخذ في التغير، من الجهة الأولى.

د.حسين محادين

ومن الجهة الأخرى، يرى محادين أن ثمة تجاذبات حياتية بين طبيعة هذه السلوكيات التاريخية ومتطلبات الامتثال لقيم وقوانين الدولة المركزية، وما بين هذين الحدَّين تظهر أحياناً سلوكيات متجاوزة، أقرب إلى الموسمية، أثناء مناسبات الفرح، وبالتالي يلجأ البعض إلى التعبير عن فرحه بإطلاق العيارات النارية، رغم خطورتها بالنسبة إلى الآخرين.

اقرأ أيضاً: الثأر في المجتمع الأردني.. رؤية عامة

إضافة إلى ما تمثله هذه التجاوزات من استنزاف نفسي وأمني اقتصادي مرتفع، علاوة على كونها مخالفة صريحة للقانون؛ خصوصاً بعد أن أسهمت التكنولوجيا وتحديداً وسائل التواصل الاجتماعي في نشر وتعزيز اعتداد هذه القلة على إظهار ضعف احترامها لقيم الدولة والنظام القانوني العام، حسب رؤية محادين، وذلك دون إغفال موقع الأردن الجغرافي وتنوع تركيبته السكانية ضمن إقليم صراعي ملتهب؛ خصوصاً ما يرتبط بالصراع العربي- الإسرائيلي في فلسطين المجاورة وحروب الإقليم المسلحة.

وبالتالي، فإن هذه العوامل الكامنة أسهمت، حسب تأكيد حسين محادين، ضمناً في اعتقاد البعض أنها مبررة أو مدعاة قوية لديهم لاقتناء السلاح الفردي، ترابطاً مع ما نجم عن الأعمال العسكرية التي استهدفت الدولة الأردنية في بعض محافظاتها، والتي قامت بها الجماعات الإرهابية خلال السنوات الماضية؛ مثل: تفجيرات عمان وقلعة الكرك الإرهابية والاعتداء على بعض المراكز الأمنية، مثل مركز البقعة.

اقرأ أيضاً: في الأردن وفلسطين.. جريمة الشرف باب مفتوح لانتهاك حياة النساء

ومن هنا، فإن محادين يؤكد أن ثقافة حمل السلاح التي غدَت عاملاً متمماً لمكانة حامليه، تتمثل في ضرورة تعديل بعض السلوكات الجمعية التي تحتاج إلى مد خطط طويلة الأمد، وإلى عمل منهجي وتأهيلي وإعلامي تنويري للمواطنين بصورة مستمرة؛ وهذا ما يجري عملياً في الأردن، مضيفاً أن مشكلة حمل واستخدام السلاح الفردي تحديداً وأحياناً الاتجار به كجزء من منظومة عابرة للجغرافيا والأقوام؛ خصوصاً أن تجارة السلاح في العالم تشكل أرقاماً ضخمة من التجارة الدولية وبدعم من الدول الكبرى وشركات الأسلحة المصدرة لها نحو الدول النامية؛ لتغذية الصراعات البينية.. كل هذه العوامل وغيرها قد جعلت مثل هذه السلوكيات منتشرة بنسب متفاوتة بين مجتمع وثقافة فرعية وأخرى.

شاهد أيضاً: فيديوغراف.. انتشار الجيش الأردني في شوارع عَمَّان

المجتمع القبلي

المجتمع القبلي في الأردن له وقعه بطبيعة الحال؛ فحمل السلاح من الموروث العشائري الأردني ونوع من أنواع التباهي، بل هو من العادات والتقاليد المتأصلة لدى الأردنيين التي ترى أن حمل السلاح هو من حماية النفس، وهذه تعد حجر العثرة الأساسي في انتشار الأسلحة بالأردن بل الإشكالية في الحد من هذه الظاهرة. وبهذا الصدد يؤكد الكاتب والمحلل الأمني الدكتور بشير الدعجة، أن سلاح الأردنيين لم يتم رفعه بوجه الدولة منذ إعلان إمارة شرق الأردن عام 1921م على الإطلاق؛ بل كان سنداً ونصيراً في كثير من الأحيان التي واجهت فيها الدولة ظروف وعراقيل صعبة.

العشائر الأردنية – أرشيف

ويرجع الدعجة، في تصريحاتٍ أدلى بها إلى”كيوبوست”، أحد الأسباب الرئيسية في حمل السلاح لدى الأردنيين إلى الحروب المتتالية التي خاضها الأردن مع إسرائيل، بدءاً من عام 1948 ومروراً بحرب 1967 وحرب 1968، وليس انتهاءً بحرب 1973؛ الأمر الذي كان له وقعه على المجتمع الأردني، والذي أدى إلى حمل السلاح من المواطنين لحماية أنفسهم نتيجة تلك الحروب.

د.بشير الدعجة

 كما أن ما يُعرف بـ”الربيع العربي” الذي ضرب العديد من الدول العربية والذي وصل وقعه بشكل خفيف إلى الأردن، بالإضافة إلى العمليات التي استهدفت الداخل الأردني من التنظيمات الإرهابية؛ ومنها تنظيم “الدولة الإسلامية” الذي نفذ عدداً من العمليات التي استهدفت أمن الأردن؛ كل هذه الأحداث جعلت من المواطن يفكر في ضرورة حمل السلاح لحماية نفسه من هذه التنظيمات.

ويرى الدعجة أن أحداث الربيع العربي أدَّت إلى تركيز الأجهزة الأمنية جهودها لحماية الأمن العام بالداخل الأردني، والسعي إلى امتصاص حركة الاحتجاجات والمسيرات التي رافقت موجة الربيع العربي وتسربت إلى الأردن؛ مما أدى إلى ضعف المسألة الأمنية على الحدود الأردنية (سوريا والعراق)، وهذا أدى إلى تزايد العمليات الإرهابية التي ضربت الداخل الأردني وزيادة تسرُّب واختراق عناصر “داعش” إلى الأردن؛ الأمر الذي جعل المواطن الأردني يتجه إلى حمل واقتناء السلاح لحماية نفس من التنظيمات المتشددة.

كما أن حالة الانفلات الأمني في العراق وسوريا أدت إلى تزايد نشاط تجارة تهريب الأسلحة من دول الجوار باتجاه الأردن، حسب رؤية الدعجة، وهذا جاء بالتزامن مع انشغال المؤسسات والأجهزة الأمنية الأردنية للتعامل والتصدي مع حركة الاحتجاجات والمسيرات في الأردن، منوهاً بأن محافظات ومدن الأطراف الشمالية والشرقية كانت من أكثر المناطق التي دخلت عبرها أسلحة رشاشة وأوتوماتيكية؛ والتي كانت تستخدم في دول الانفلات الأمني الواقعة مع الحدود مع الأردن (العراق وسوريا).

وحول التوجهات والخطط الرسمية لمكافحة ظاهرة انتشار الأسلحة وتهريبها في الأردن، يشير الدعجة إلى أن هناك إجراءات مشددة من الحكومة، وبدأت الأجهزة الأمنية مؤخراً في إعداد خطة شاملة لمعالجة هذه الظاهرة، موضحاً أن هناك إجراءات مشددة من قِبل الحكومة تتمثل في تعديل قانون الأسلحة النارية في الأردن، وسيكون هناك تشديد في العقوبات وتغيير للعديد من المواد القانونية على قانون حيازة السلاح الحالي الذي يعود إلى عام 1952؛ إذ عمدت الأجهزة الأمنية إلى تجهيز خطة أمنية للحد من انتشار الأسلحة بين المواطنين، وستكون هناك أيضاً حملات إعلامية وتوعوية موجهة إلى المواطنين؛ للحد من اقتناء الأسلحة غير المرخصة.

مناصر لأحد النواب الأردنيين الفائزين في انتخابات عام 2013 يطلق الرصاص ابتهاجًا – أرشيف رويترز

سلاح العشائر

في قت سابق كان “نواب العشائر” قد أبدوا تصديهم بقوة في المجلس النيابي المنتهية ولايته لمشروع يهدف إلى إجراء تعديل على قانون حيازة السلاح الحالي الذي يعود إلى عام 1952، والذي روَّج له وزير الداخلية السابق سلامة حماد.

بدوره، يصف الخبير الأمني الأردني جلال العبادي، الظاهرة بالعمل غير المشروع لا عرفاً ولا تقليداً؛ سواء على مستوى العشائرية الأردنية أو على مستوى القانون والنظام الأردني، مشيراً إلى أن هناك فئة ومجموعة خارجة عن القانون والنظام لا تنتمي إلى المدن والقرى ولا إلى المجتمع العشائري الأردني، وقد تجاوزت النظام، معتبراً أن واجب الحكومة التحرك لحماية أرواح المواطنين من هؤلاء، والحد من انتشار هذه الأسلحة ومحاولة السيطرة عليها أكثر فأكثر، مضيفاً أن هناك طرقاً كثيرة؛ منها تشديد القوانين والترخيص واسترداد هذه الأسلحة من حامليها وتعويض الناس عن قيمتها، مؤكداً أن حجة حمل السلاح للدفاع عن النفس لم تعد قائمة وفقدت أسبابها؛ لأن الدولة الأردنية تكفلت بالقضايا الأمنية وفرض حالة الأمن والاستقرار.

جلال العبادي

ويشير العبادي إلى أن عدد قطع السلاح المرخصة يقدر بـ350 ألف قطعة سلاح بين أيدي المواطنين، ويتم ترخيصها ومتابعتها بشكل سنوي بشروط محددة؛ مثل: اشتراط السن وضمان خلوها من الحالات الجرمية.

شاهد: الأردن.. جاهة عرس تتحول إلى جبهة حرب لكثرة إطلاق النيران!

ويضيف العبادي: “لدينا في الجانب الآخر أكثر من مليون قطعة سلاح غير مرخصة في المجتمع والشارع الأردني، وتتناولها السوق الحرة وتجار الأسلحة والمهربون غير القانونيين”، منوهاً بأن هناك عقوبة تصل إلى أكثر من 3 سنوات سجناً للاتجار بالأسلحة؛ ولكن السلطات تحتاج إلى تفعيل وتشديد في تطبيق القوانين ومتابعة الحكومة لها بشكل فاعل.

ويعتبر العبادي أن الحملة الأمنية الأخيرة التي تقوم بها الأجهزة الأمنية لجمع السلاح ليست الأولى من نوعها؛ حيث يضيف قائلاً: “نحن بحاجة إلى عمل رسمي مؤسسي ومنظم لمتابعة هذه الظاهرة، وليس مبنياً على ردود الأفعال بعد كل حدث أو مناسبة تحصل”، داعياً في تصريحاته الخاصة إلى عقد مؤتمر وطني تتحاور فيه جميع الأطراف الأردنية وتقتنع بأن لديها مشكلة لتعمل على حلها، مع المحافظة على حقوق كل الأطراف، معتبراً أن فوضى وثقافة حمل السلاح ليست وليدة اللحظة، وبالتالي ليس من السهل إنهاؤها في فترة قصيرة؛ لكن ينبغي التخلص من هذه الثقافة تدريجياً.

ويختم العبادي حديثه، قائلاً: “ندرك أن سلاح العشائر دافع عن الدولة والحكومة والنظام؛ فهو رصيدها، لكن في الفترة الحالية التي وصل فيه انتشار السلاح إلى فئات غير مصرح لها حمله؛ خصوصاً من فئة الشباب الصغار ممن لم يجيدوا حمل السلاح واستخدامه ولا يتحملون المسؤولية، فمثل هذا سيخلق للأردن تبعات وكوارث غير محسوبة العواقب والنتائج”.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة