الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةحوارات

رفيقي لـ”كيوبوست”: ممارسة الأحزاب الإسلاموية للحكم زلة كبرى

المفكر والباحث في الشأن الديني محمد عبد الوهاب رفيقي خلص من تجربته القاسية الى ضرورة مراجعة التراث الفقهي

 المغرب ـ حسن الأشرف

كان أشهر من نار على علم في المغرب، وهو شيخ سلفي يهز بخطبه النارية منابر المساجد، ليجرب السجن بضع سنين تحت ذمة “قانون الإرهاب” في سنة 2003، قبل أن يغادره في عام 2012 بعفوٍ من العاهل المغربي الملك محمد السادس بعد أن قضى من عقوبته (المقررة استئنافيا في 25 عاماً) تسع سنوات، خاطا لنفسه مساراً فكرياً وأيديولوجياً جديداً جعله محط جدل وسجال يكاد لا ينتهي، وذلك بنسفه لكثيرٍ من الأفكار والمواقف التي كان ينافح عنها، وهو ينهل من أيديولوجية “السلفية الجهادية”.

إنه محمد عبد الوهاب رفيقي (الملقب بأبو حفص)، المفكر والباحث في الشأن الديني المتخصص في ملف التطرف والإرهاب.

اقرأ أيضاً: ما هي أوجه الاختلاف بين التيارات السلفية المتنافسة؟

يؤكد رفيقي، في الحوار الذي خص به موقع “كيوبوست”، أنه كان ضحية لظروفٍ اجتماعية وسياقات إقليمية وسياسية أفضت به إلى اعتناق أيديولوجية متطرفة، مبرزاً أنه بفضل المعرفة والقراءة استطاع أن يحدث نقلة نوعية تاريخية في حياته.

وفي ذات الحوار، يرى رفيقي أن ظاهرة “الإسلام السياسي” تسير إلى زوالٍ بسبب انكشاف حقيقة شعارات “الأحزاب الإسلاموية”، مورداً أن وصول هذه التيارات إلى الحكم زلة كبرى، داعياً في الآن نفسه إلى تشذيب وتنقية وإعادة مراجعة الفقه الديني…

رفيقي أبو حفص قبل التغيير

لنتحدث قليلاً عن المرحلة التي اشتهرتَ فيها داعية وخطيباً متشدداً لكن مُفوها أيضاً لك جمهورك وأتباعك.. ما أبرز الأسباب والسياقات التي خلقت منك تلك الشخصية المتدينة المتشددة؟

– السياق الذي أنتج مني الشيخ والخطيب المفوه الذي لديه أتباع ومحبون هو سياق أسري بامتياز. لولا الأسرة لم أكن لأسلك هذا المسار، بدليل أنني حاولت التمرد عليه خلال فترات متعددة من حياتي، دون أن أنجح في ذلك.

أسرتي هي من اختارت أن أكون شيخاً سلفياً، والدي رحمه الله هو من قرر ذلك بتحريض من الشيوخ والوعاظ الذين كانوا في ذلك الوقت يؤطرون المجتمع في المساجد الكبرى بالبلاد.

والدي كان موظفاً بسيطاً تأثر مثل غيره من هذه الأيديولوجية التي انتشرت في المجتمع خلال السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، إذ خضع لتحريض كبار الشيوخ السلفيين بالمغرب، من قبيل تقي الدين الهلالي ومحمد زحل، والقاضي برهون، على أن يكون ابنه شيخاً، وأن يكون أحد إنتاجات الدعوة السلفية الوهابية بالمغرب.

عانيت وقاسيت بسبب ذلك كثيرا، فالوالد بذل كل ما يملك ليحقق حلمه ذاك، ورغم أنني ابنه الوحيد فقد دفعني إلى الاغتراب في مختلف القرى، والتجول في شتى المدارس الدينية، وعشت ظروفاً قاسية لا يتحملها طفل ولا حتى شخص كبير.

كان وقتي ممتلئاً طيلة النهار، لا فسحة للعب أو اللهو مثل أقراني، بل حتى مساري الدراسي كان مرتبطاً بإعداد داعية وشيخ سلفي، فكانت النتيجة كما أراد والدي أن أكون.

هل تعتبر نفسك ضحية للظروف الاجتماعية والنفسية التي أفضت بك إلى التطرف الديني؟

– نعم..كنتُ ضحية الظروف الاجتماعية والسياسية، ولعلي أحد ضحايا السياسات العامة في البلاد في تلك الحقبة، وأعتقد أنه حتى أسرتي كانت بدورها ضحية للخطاب الأيديولوجي الذي تغلف باسم الدين، والذي نجح في محاربة نموذج “التدين المغربي” الذي يختلف في كثيرٍ من مواقفه عن التدين السلفي المشرقي.

لعل السؤال الكبير الذي ربما تكرر على مسامعك، أستاذ رفيقي، هو كيف جاءت تلك الانعطافة التاريخية في حياتك من “سلفي متشدد” إلى أحد أبرز دعاة الحداثة وحرية المعتقد في المغرب؟

– حصول الانعطاف لم يكن بين عشية وضحاها، بل أخذ مني جهداً نفسياً ومعرفياً كبيراً، كما عانيت في تدبير هذا التحول مع الأسرة والمحبين.

ولعل الدافع الأكبر في هذا الانعطاف كان هو حبي للقراءة، فكلما تعمقتُ في الاطلاع وقفتُ على كثيرٍ من تناقضات الفكر الذي رُبيتُ عليه، فأنا لم أكن مقتنعاً بذلك الفكر، إذ كنت تابعاً ومقلداً أعيد إنتاج ما حفظته وأخذته من المدارس الدينية والشيوخ الذي درست على أيديهم.

وكان أول قرار لي بعد قراءات طويلة أن أعيد النظر في كل ما سبق أن درسته، ثم كان المنعطف الأكبر عندما قررت الاطلاع على العلوم الأخرى غير العلوم الدينية، وذلك عندما اشتغلت لفترة طويلة خلال فترة محنتي بالسجن بدراسة الفلسفة، وعلوم القانون، حتى أنني حصلت بالسجن على شهادة البكالوريوس في تخصص القانون الدولي، كما انفتحت على الأدب العالمي، ومعرفة التاريخ، وآليات التحول والسياقات المختلفة داخل المجتمع.

اقرأ أيضا: الإسلام والعلمانية!

هذه المعطيات لعبت دورها، بشكلٍ تدريجي لسنواتٍ طويلة، في التحول الذي طرأ على فكري وأيديولوجيتي، لأجد نفسي دون أن أقرر ذلك يوماً ما بقناعاتٍ مختلفة بمسافاتٍ بعيدة عما كنت عليه من قبل.

تحولك الأيديولوجي والفكري فاجأ -حتى لا أقول صدَم- الكثيرَ من شيوخ ودعاة السلفية.. منهم من تبرأ من صداقتك و”أخوتك” ومنهم من اتهمك بالزندقة والإلحاد..كيف واجهتَ هذا السيل العارم من الاتهامات التي تمسّ عقيدتك؟

– قبل الجواب عن سؤالك هذا، لا بد لي أن أشير إلى نقطة مهمة تتمثل في كوني اشتغلت كثيراً على مسألة المصالحة مع الذات، وأعتقد أنني نجحت في ذلك إلى حد كبير.

اكتشفت من خلال رحلة البحث التي خضتها أنني كنت أعيش في تخاصم مع الذات، فالذات تريد شيئاً وأنت تفرض عليها شيئاً آخر، والصورة التي تُظهرها للناس ليست هي الصورة التي أنت عليها في الحقيقة، وهكذا..

لقد حصل لي نفور أن أعيش مرة أخرى هذه الحالة، فقررت البحث عن بلوغ مرحلة المصالحة مع ذاتي، وعندما تحققت هذه المصالحة، لم يعد يعنيني أي شيء، رضي من رضي وسخط من سخط.

رفيقي بجانب شيوخ سلفيين قبل انقطاع حبل الود

أما الجواب عن سؤال كيف تعاملتُ مع اتهامات التجريح والتخوين والنهش في الأعراض بسبب تحولي الفكري والأيديولوجي، فلا أنكر أنني كنت في البداية أتأثر قبل وصولي لقناعة المصالحة مع ذاتي. لكن بعد ذلك، لم يعد يعنيني الأمر، وصرت أواجه تلك الاتهامات بالابتسامة والشفقة على هؤلاء الذين لا يجدون سوى السب والشتم وسيلة للرد والمواجهة.

يقول البعض إنه من حقك أن تنتقل من مرحلة التطرف غير العنيف أو التشدد الديني إلى الدفاع عن الحداثة والحرية، لكن ليس لك أن تدعو مثلاً إلى المساواة بين الجنسين في الإرث لكون الإرث محسوماً في القرآن، لأن ذلك يعارض الدين ومشاعر المجتمع المغربي المحافظ.. الخ.. ما ردك أستاذ رفيقي؟

– هذا يعني شيئاً واحداً هو أن مثل هؤلاء الأشخاص لم يستوعبوا بعد معنى الحرية. وأتأسف على حال من يسمون أنفسهم مثقفين، وإسلاميين معتدلين، عندما يقولون هكذا كلام. هؤلاء لم يدركوا ما بذلته وقاسيته من أجل نيل حريتي، وأن أعتقد ما أريد وألا يفرض علي أحد كيفما كان قناعاته وأفكاره.

لقد واجهت العالم بأسره، واجهت والدي رحمه الله، وواجهت الأسرة والمقربين، وتخليت عن الأصدقاء والأتباع، وتحملت كل هذه الأمور من أجل أن أكون حراً في فكري واعتقاداتي.

أنا لم أخض كل هذه المعركة ليفرض علي شخص آخر ماذا أعتقد، وماذا أقول، وماذا لا أقول.

سحقا لمن كان يريد أن يحدد لي المكان الذي أضع فيه قدمي، فأنا أقول ما أشاء، وأعتقد ما أشاء، وما يعنيني ليس إن كنت مخطئاً أو مصيباً، بقدر ما يهمني أن أكون مقتنعاً بما أقوله وأفكر فيه.

اقرأ أيضاً: سعيد ناشيد: الإسلام السياسي يُكِن للدولة الوطنية عداءً غريزياً

لنتحدث عن ظاهرة “الإسلام السياسي”.. يقول محللون إن الإسلام السياسي شرع في الأفول في كثيرٍ من الدول، ومنها المغرب.. هل حقيقة أفل الإسلام السياسي في هذه البلدان، وما أسباب الإخفاق؟

– أرى أن ظاهرة الإسلام السياسي في البدان العربية سائرة إلى الاندثار في المستقبل القريب، وهي اليوم تعيش أسوأ أيامها. وممارسة أحزاب الإسلام السياسي للحكم، في عددٍ من الدول، كان زلة كبرى كشفت عن زيف شعاراتها، كما نزعت عنها المثالية والطهرانية التي كانت تسوق بها نفسها.

ولا يمكن وصف تجربة حكم هذه التيارات والأحزاب الإسلامية إلا بأنها تجربة فاشلة بكل المقاييس، بدليل أن الشعوب رفضتها في أكثر من بلد.

ويمكن إضافة عامل آخر أفضى إلى اندحار أحزاب الإسلام السياسي، وهو الثورة المعلوماتية الهائلة التي أبرزت الكم الكبير للتناقضات داخل هذه التيارات والأحزاب.

برأيك.. هل بإمكان أحزاب “الإسلام السياسي” إعادة ترتيب أوراقها الداخلية والعودة من جديد إلى واجهة الحكم في هذه الدول؟

– من الصعب الحديث عن عودة أحزاب الإسلام السياسي إلى الحكم في البلدان العربية والإسلامية، إلا في حالة واحدة، وهي أن تعيد ترتيب أوراقها بشكل جذري، وليس إجراء إصلاحات وتعديلات شكلية على مواقفها وفكرها السياسي.

أرى أن الأحزاب الإسلاموية مطالبة بأن تتخلى وتتبرأ من أطروحتها الأصلية أولا، وهي السعي إلى إحياء نظام الخلافة الإسلامية، ومن شعارات “الإسلام هو الحل” أو نموذج “الأمة الإسلامية”.

أحزاب وتيارات الإسلام السياسي يجب أن تتحول إلى أحزاب وطنية ومدنية مائة بالمائة، ولا يعود لها أي دور ديني في المجتمع، وعندها يمكن أن تتنافس مع باقي الأحزاب على الحكم، لكن إذا أصرت على مبادئها فلا يمكن لها أن تستمر، ولن تواجه سوى الرفض والتبرم من طرف الشعوب.

المغرب يحارب التطرف والإرهاب

تعد من أشد أنصار تشذيب التراث الإسلامي.. ما هي أهم مرتكزاتك الفكرية والدينية في هذا الصدد؟

– أولا يتعين تحديد ما الذي أقصده في هذا الصدد، فأنا أتحدث عن التراث الفقهي، وليس التراث الإسلامي عموما، فلا أحد يمكنه التنكر لتراثه الذي قدمه الآباء والأجداد؛ من علوم ومعارف وثقافة وإبداع ومرويات شفوية، فتراثنا غني ومليء بما يمكن الاستفادة منه والاستمتاع به.

لكن الإشكال في التراث الفقهي والديني الذي تحول إلى قوانين يريدون أن يلزمونا بها وأن نعيش في جلبابها إلى يوم القيامة، رغم أنها أنتجت وولدت في سياقات اجتماعية وتاريخية مختلفة عن السياقات الراهنة.

التراث الديني يجب أن يُنقح بشكل شديد ودقيق؛ لأنه بكل بساطة لم يوضع ولم يُنتج لهذا العصر، وإنما جاء في عصر وظروف أخرى، وعالج قضايا ومشاكل غير قضايانا ومشاكلنا الحالية.

قد نجد في التراث الإسلامي ما يمكن استلهامه لوضع القواعد والأسس الكبرى التي تتيح إنتاج فقه جديد لهذا العصر، غير أن الإصرار على ذلك التراث الديني، رغم اختلاف السياقات والظروف والبيئات يعد جناية على الأجيال الحالية التي من حقها أن يكون لها فقه مستقل وملائم مع الواقع الذي تعيشه.

هل يمكنك اختزال وصفة ناجعة لانتشال الشباب من فخ التطرف والإرهاب في المجتمعات الإسلامية؟

– أرى أن الوصفة الجاهزة لتجنيب الشباب فخ التطرف والإرهاب هي المعرفة أولا وثانيا وثالثا، وليس القراءة بالضرورة. الشباب ليس ملزماً أن يقرأ الكتاب الورقي، ولكن يتعين أن يكون مطلعاً على ما أنتجه العالم اليوم، حتى من خلال وسائل التكنولوجيا الحديثة.

اقرأ أيضا: لماذا يواصل التطرف الإسلاموي الازدهار؟

كلما زاد اطلاع الإنسان ومعرفته بما يدور حوله من أحداث ومجريات الأمور بخصوص مجالات التقدم والحقوق، ساعده ذلك على تفادي النظرة الحدية التي تدفع صاحبها إلى التطرف.

أدعو أيضا الشباب إلى السفر أو التجول واقعيا أو افتراضيا أيضاً لمعرفة أن العالم ليس فكرة واحدة، كما أنه ليس نظرة واحدة ولا رواية واحدة.

وأدعو أيضا الحكومات إلى تغيير مناهج التعليم، بما يضمن إنتاج شباب محصن غير قابل للاستقطاب من طرف جماعات التطرف. وهنا تلعب المدرسة دوراً بارزاً في حماية أجيال الشباب من الوقوع في براثن الفكر المت

اتبعنا على تويتر من هنا

 

 

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

حسن الأشرف

صحفي مغربي

مقالات ذات صلة