الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

رسالة داود أوغلو.. مسمار آخر في نعش أردوغان

يقر أوغلو بتراجع شعبية حزب العدالة والتنمية وبُعده عن منظومته الأخلاقية.. وبُعد الخطاب السياسي للنظام عن الواقع واستغلال الدين لتحقيق مكاسب سياسية

كيوبوست

قد يتذرَّع أردوغان بأن منتقديه لا يحبون حزبه، أو يتقولون عليه بغير الحقيقة، لكن ماذا هو فاعل أمام آخر رئيس وزراء منتخب في تاريخ تركيا -قبل أن يُعَدِّل أردوغان الدستور لكي يصبح نظام الحكم رئاسيًّا بدلًا من برلماني، أي لكي يصبح الأمر بيد الرئيس أردوغان، ولا أحد آخر- بماذا يمكن أن يرد على ثاني رئيس عام لحزب العدالة والتنمية؟!

داود أوغلو نشر رسالة مطولة، وحسب ما يقول، فالانتخابات المحلية الأخيرة هي ما دفعته إلى كتابة هذه الرسالة، التي وإن لم توجه مباشرة إلى الرئيس التركي؛ إلا أنها حمَّلته أسباب ما وصل إليه الواقع السياسي التركي حاليًّا، الرسالة كانت ثقيلة في محتواها وتحمل رسائل إلى أردوغان والحزب والشعب التركي، من شخص عمل مع الرئيس التركي لسنوات عديدة، وخرج من نفس الحزب الذي ظهر فيه أردوغان. ويمكن لقارئ الرسالة الطويلة أن يستشف منها إلى أي مدى وصلت ديكتاتورية أردوغان وحزبه وعائلته في تركيا.

اقرأ أيضًا: فاسد ومتناقض وداعم للإرهاب.. أردوغان يُغرق تركيا

“العدالة والتنمية” يعود إلى الخلف

يرى داود أوغلو، في رسالته التي نُشرت على صفحته الشخصية بموقع فيسبوك“، أن شعبية حزب العدالة والتنمية تراجعت، ويدلل على ذلك ما حدث في نتائج أنقرة وإسطنبول المدينتَين اللتين كانتا تحت يد الحزب لسنوات طويلة. ويبين أوغلو أن حزب أردوغان لم يعد يهتم بأمور أساسية كانت عماده خلال السنوات الماضية؛ مثل “القيم والأخلاق، والخطاب المتوافق مع القيم، والانفتاح على جميع شرائح المجتمع، والهيكل التنظيمي القوي، والفكر الحر وروح المشاركة”، ولعل هذا يوضح إلى حد بعيد أزمة حزب الرئيس التركي، فكل ما قام عليه الحزب الذي تأسَّس عام 2001 لم يعد موجودًا، وباعتراف كادر كبير مثل أوغلو.

ويركز رئيس الوزراء السابق على فكرة الأخلاق، بقوله: “العمل السياسي يقوم على منظومة أخلاقية في الأساس، وتاريخيًّا كانت من أهم الأُسس التي قام عليها حزبنا، لكنها تضررت بسبب الخطاب الذي أصبح قائمًا على الشعارات وإظهار التمسُّك بالقيم والمبادئ والتصرف بعكس ذلك؛ ما جعل المواطنين يفقدون الثقة في خطابنا”.

وحسب “روسيا اليوم“، فقد طالب حزب العدالة والتنمية بإعادة الانتخابات المحلية في مدينة إسطنبول؛ بذريعة أن “مخالفات وانتهاكات تخللت عملية التصويت وأثَّرت بشكل مباشر على النتيجة”.

ومعروف أن حزب العدالة والتنمية لديه تحالفات انتخابية مع حزب الحركة القومية، في ما يُعرف بتحالف الشعب، وهو ما يراه أوغلو سياسة “أضرَّت بحزبنا سواء من حيث نسبة الأصوات، وأيضًا من حيث الهوية الحزبية، ولم يستطع حزبنا تحقيق أهدافه سواء داخل التحالف نفسه أو في مقابل التحالفات الأخرى، وخسرنا عديدًا من البلديات التي كنا نديرها”.

تعلَّق شبكة “DW” على هذه التحالفات بالقول: “إن حزب أردوغان شكَّل تحالفًا انتخابيًّا مع حزب الحركة القومية اليميني المتطرف، قبل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي أُجريت في يونيو العام الماضي، وفاز أردوغان بالرئاسة، لكن تراجع فيها مستوى التأييد للحزب”.

كان رد فعل حزب العدالة والتنمية على ضياع مناطق رئيسية منه في الانتخابات المحلية الأخيرة كله تخوينًا للآخر ومحاولة دائمة للتشكيك في النتائج؛ حتى إن جنازة أخيرة في أنقرة شهدت حسب “بي بي سياعتداءات على زعيم المعارضة رئيس حزب الشعب الجمهوري، كمال كليجدار أوغلو.

ولكن أوغلو، رئيس وزراء أردوغان السابق، يوجه إلى الحزب رسالة، قائلًا: “المتنافسون في الانتخابات هم منافسون سياسيون وليسوا أعداء”، و”القلق من بقاء الدولة، لا يمكن أن يكون مبررًا لإضعاف الديمقراطية.. لأنها أساس بقاء ووجود الدولة”.

اقرأ أيضًا: تركيا والدواعش.. الطريق إلىدولة الخلافة

تحدث إلى أردوغان سرًّا لكنه لم يسمع

يكشف أوغلو عن تحذيره لأردوغان من “المراحل الحرجة التي تمر بها البلاد في السنوات الثلاث الماضية”، وذلك “شفهيًّا وخطيًّا”، وأنه لم يخبر الرأي العام بهذا الكلام، وما أرغمه فقط على أن يخرج إلى العلن بهذه الأحاديث هو الانتخابات الأخيرة التي جرت في 31 مارس.

ويورد رئيس وزراء أردوغان السابق ما انتقلت إليه السياسات في تركيا من ديكتاتورية من حيث “الابتعاد عن لغة التواضع واستبدال التكبر والأنانية بها، والمنافسة من أجل إطلاق أسماء السياسيين على الشوارع والمدارس والمباني.. توسيع الهوة بين حقيقة الأوضاع والوعود الخطابية، واستغلال الدين من أجل تحقيق مكاسب سياسية”.

وفي إشارة إلى  التداخل الكبير من قِبَل العائلات في الحكم، وعائلة أردوغان، يقول أوغلو: “لقد نسي البعض أن العمل السياسي وقيادة البلاد هما منوطان بشخص مَن يتولى القيادة دون تدخُّل من عائلته أو الدائرة المحيطة به في صنع القرار”.

ما يفعله أردوغان وقادة حزب العدالة والتنمية من تشويه للآخر، وهو ما شهدته الانتخابات الأخيرة، يتحدث عنه أوغلو ويؤكد أن هناك مَن يستخدم مواقع التواصل الاجتماعي؛ لترويج الافتراءات وتشويه المنافسين، وهو ما اعتبره “انعدام الوفاء لمَن بذلوا كثيرًا من أجل نجاح الحزب”.

صراحةً يقول رئيس وزراء أردوغان السابق: “إن هواجس البقاء المطلق حوَّلت الخطاب السياسي إلى دولتي وأمني بدلًا من التركيز على الإنسان والحرية والإصلاح الشامل”، مع ملاحظته أن ضعف الحماس في الانتخابات الأخيرة كان “نتيجة الإحباط الناجم عن عدم الوفاء تجاه عناصر أجهزة ومؤسسات الحزب”.

يُقر أوغلو بحاجة تركيا إلى دستور جديد، وأنه أكد لأردوغان ذلك بعدما وجد أن هناك تعديًا على مبدأ الفصل بين السلطات، وأن هناك هيمنة على التشريع والقضاء. ويوجه أوغلو إلى أردوغان شخصيًّا الانتقاد؛ فهو يرى أن الرئيس القادم من حزب لا يصح أن يكون أيضًا رئيسًا للحزب في وقت رئاسته للدولة. وغير التحوُّل إلى النظام الرئاسي بشكل كامل، وسَّعت تعديلات الدستور التركي في 2017 من صلاحيات الرئيس، وحسب موقع “تركيا بوست“، جعلت التعديلات الرئيس رأس الدولة ووسَّعت صلاحياته في ما يخص محاسبة إداريي الدولة وتعيين الوزراء وإقالتهم، وحجب الثقة عنهم.

اقرأ أيضًا: أحلام تركيا في ليبيا

تناقض في إدارة الدولة

وحول التناقض في بعض الأمور بإدارة الدولة، يؤكد أوغلو في رسالته أن طريقة معاملة منظمة فتح الله غولن بها كثير من التناقض، فبينما يتولَّى أرفع المناصب في الدولة مَن “درسوا في مدارس المنظمة، ولديهم أقارب وإخوة يعملون في مناصب مهمة بها”، يتم فصل موظف في المستويات المنخفضة من العمل “بسبب علاقة أحد أقربائه بمستوى متدنٍّ مع المنظمة”. وأن الوزارات محاصرة بين ما تفرضه الهوية والوظائف السياسية. ويطالب رئيس وزراء أردوغان السابق بضرورة “إضفاء الصبغة الديمقراطية على العلاقة بين الجيش والسياسة”؛ حتى لا تتعرض البلاد إلى محاولة انقلاب أخرى. ويوضح أوغلو أن حرمان مَن تم فصلهم من الوظائف العامة على خلفية انقلاب 2016 من حقوقهم السياسية، مثل الترشُّح والتصويت في الانتخابات غير مقبول دون قرار من المحكمة، باعتبار أن “الدستور نص أساسي للجميع، لا يمكن تفسيره بشكل مزاجي”.

مركز “إدراك” للأبحاث والدراسات قال: “تأتي هذه الرسالة الطويلة أو البيان وسط توارد للأخبار حول استعداد داود أوغلو لإطلاق حزب سياسي جديد سيضم في قوامه عديدًا من القيادات السابقة لحزب العدالة والتنمية الحاكم”؛ وهو ما يجعل الأيام القادمة قد تحمل كثيرًا من المفاجآت لأردوغان وحزبه.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة