الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

رحيل نوال السعداوي.. رائدة الدفاع عن حقوق المرأة

كيوبوست
في شهر المرأة، وفي أول أيام الربيع، وفي يوم عيد الأم، رحلت الطبيبة والكاتبة والفيلسوفة المصرية المدافعة عن حقوق الإنسان نوال السعداوي، عن عمر ناهز الـ90 عاماً.
والسعداوي واحدة من أكثر النساء تأثيراً في العالم العربي، من خلال عملها الدؤوب وآرائها الجريئة في نصرة المرأة العربية وتحريرها من قفص التبعية والاستعباد، والتي أثارت جدلاً في حياتها وفي مماتها.

اقرأ أيضًا: “جوجل” يحتفل بـ”هدى شعراوي”.. أن تكون معاناة الأنثى دافعًا لتحررها

نضج مبكر
مع أنها تعرضت إلى تهديدات كثيرة بالقتل؛ بسبب آرائها الجريئة حول واقع المرأة في العالم، والتي لُخصت بلغة مباشرة عندما أشارت إلى هتافات النساء في المظاهرات، في إحدى مقالاتها، قائلة “.. يهتفن في نفس واحد: يسقط العنف والتحرش بالنساء، تسقط الرجولة الزائفة، تسقط الأنوثة الذليلة، تسقط تعرية أجسامنا للسوق والأرباح، تسقط تغطية رؤوسنا باسم الدين والأخلاق، تسقط الازدواجية والتفرقة بين البشر، تسقط عبودية القرن الحادي والعشرين”، إلا أن شجاعتها لم تخذلها؛ إذ بقيت تشهر أفكارها وقناعاتها في محيط لا يسمح بالاختلاف، وتواجه السلطة الذكورية في مجتمع أبوي، كما وصفته، يرفض التخلي عن سلطته ووصايته المطلقة.

نوال السعداوي (أف ب).

وتلك الشجاعة لم تكن مكتسبة؛ إنما كانت أصيلة في السعداوي، لنضجها المبكِّر، فكان من الصعب عليها التغاضي عن الظلم والقهر، عندما لاحظت أن لأخيها حقوقاً تفوق حقوقها، وعندما سمعت جدتها تقول “الولد يساوي 15 بنتاً.. البنات آفة”!

في سن العاشرة عبَّرت السعداوي، المولودة عام 1931 لعائلة ريفية تقليدية، عن رفضها الاضطهاد الواقع على المرأة؛ من خلال رفضها الزواج في تلك السن، وساندتها في ذلك أُمها التي عاشت تجربة الزواج المبكر، وحُرمت من تحقيق طموحها بأن تكون باحثة في مجال الطب، ولشدة القهر رحلت مبكراً، حسب ما أشارت إليه السعدواي في مقال “المكبوت تحت الضلوع يخرج للشارع”.

غلاف كتاب مذكرات طبيبة

بينما كان والدها، الموظف الحكومي، صوفياً ومنفتحاً، كما أكدت في إحدى مقالاتها؛ ففي إحدى المرات طلب منها أخوها أن تجلب له الماء، فقال له والدها: “قُم اخدِم نفسك يا بغل!”، كما شجعها على التعليم؛ فقد أنهت دراستها الجامعية، وتخرَّجت في كلية الطب عام 1955م، وتخصصت بعدها في الطب النفسي.

اقرأ أيضاً: رحيل مخترع شريط الكاسيت “المتواضع”.. لو أوتينس

وقد أثمرت تلك التربية، التي كانت على الرغم من انفتاحها جزئياً، لا تزال تمييزية، وشخصيتها الثورية كشفت عن إبداع مبكِّر، ومساهمات فكرية وأدبية، وتساؤلات، أجابت عنها أو حاولت، عبر عشرات الكتب الفكرية، ومقالات ظلت تكتبها حتى وقت قريب من رحيلها.

نوال السعداوي بعمر الشباب

نضال متواصل
في عام 2020م، صنَّفت مجلة “تايم” الأمريكية، نوال السعداوي ضمن أكثر النساء تأثيراً في العالم العربي خلال الـ100 عام الماضية؛ بسبب نضالها كناشطةٍ نسوية، ودفاعها عن حقوق المرأة، ومطالبتها بتحريرها من الاستعباد، معتبرة أن ذلك التحرر سيتم من خلال المرأة عبر قوة التنظيم.

اقرأ أيضاً: العلاقة بين تمكين المرأة ومكافحة التطرف

ومن أبرز القضايا التي حاولت السعداوي التصدي لها، ومرت به هي شخصياً بعمر السنوات الست، كان ختان الإناث؛ وهو ظاهرة منتشرة في مصر وتحديداً في الأرياف، وتحدثت عن تجربة تعرضها إلى جراحة مؤلمة أُجريت في الحمام! وفي روايتها «الوجه العاري للمرأة العربية»، والتي وثقت من خلالها شهادتها على جرائم جنسية ارتكبت بحق نساء خلال عملها كطبيبة؛ وأبرزها الختان.

غلاف كتاب الوجه العاري للمرأة العربية

وعندما تم في عام 2008م تجريم عادة ختان الإناث في مصر، بعد نضالات نسوية طويلة، ظلَّت السعداوي تسلط الضوء على استمرار هذه الظاهرة؛ خصوصاً في المناطق النائية.

اقرأ أيضًا: هل يمكن أن يكون هذا عالم المرأة؟

وكمفكرة جذرية، ربطت السعداوي بين النظام الرأسمالي الأبوي واضطهاد المرأة وتقييدها بأنوثتها لتكون زوجة وأماً فقط، وحكرها بجسدها دون عقلها، عبر منعها من التفكير، لتبقى حبيسة دورها النمطي.. فقد وجدت بالنظام الرأسمالي نظاماً عنصرياً قائماً على القوة والعنف بالدولة والعائلة، يستخدم المرأة لتحقيق الأرباح، مؤكدة أن “جذر اضطهاد المرأة يرجع إلى النظام الرأسمالي الحديث والذي تدعمه المؤسسات الدينية”.

نوال السعداوي خلال تسلّمها دكتوراه فخرية من الجامعة الوطنية المستقلّة في المكسيك (أ ف ب).

المرأة والجنس 

نتيجة لجرأتها في الطرح خسرت السعداوي وظيفتها في وزارة الصحة عام 1972، بعد صدور كتابها “المرأة والجنس”، الذي ناقشت فيه ظاهرة الختان والعذرية وغشاء البكارة، وكل مظاهر الشرف الشكلي المقرونة بجسد المرأة دون الرجل، والذي أثار جدلاً بين مؤيدين ومعارضين وصفتهم السعداوي في الكلمة القصيرة بداية الطبعة الثانية من الكتاب، قائلةً: “أفزعتهم المعرفة كما يفزع الضوء القوي عينَين تعودتا الظلام!”.

غلاف كتاب المرأة والجنس

وغير ذلك، تعرضت السعداوي إلى مضايقاتٍ كثيرة؛ منها إغلاق مجلة الصحة عام 1973م، التي كانت قد أسستها في وقتٍ سابق، وتعرضها إلى الاعتقال عام 1981م؛ لمعارضتها الرئيس المصري حينها أنور السادات، كما اضطرت إلى مغادرة مصر والعيش في الولايات المتحدة، ثم عادت عام 1996.

اقرأ أيضاً: “MeToo”.. هل نجحت مع المرأة العربية؟

ولطالما صرحت السعداوي بمعارضتها للحجاب؛ فقد نظمت حملة لخلعه، كما عارضت تعرية جسد المرأة واستخدامه كسلعة لتحقيق الأرباح، وعن الحجاب قالت: “أنا ضد الحجاب؛ لأنه ضد الأخلاق”.

نوال السعداوى على غلاف مجلة «تايم» الأمريكية

موقفها من الدين
اهتمام السعداوي بقضايا المرأة الحقوقية، ودفاعها عنها في مواجهة السلطة الأبوية، قادها للعودة إلى الجذور؛ إلى الأديان، التي تشكِّل ثقافة المجتمع ونظامه، فرأت أن كل الأديان بحاجة إلى تجديد، ويجب أن يتم ذلك من خلال النخبة المفكرة عبر ثورة ثقافية.

اقرأ أيضاً: في جزر بيجاغوس.. نظام أمومي وشعب عرف العدل!

ومن خلال دراستها للأديان مدة عشر سنوات، قالت: “كل ما كنت أدرس الأديان أكتشف التناقضات والعنصرية”، ورأت أن كل الأديان طبقية وأبوية وعنصرية، وقائمة على الخداع والتناقضات؛ فجوهر الدين العدل لكنه غير موجود فيها، كما أكدت أن المشكلة في الأديان ليس بتطبيقها فقط؛ بل بالنصوص، فهناك نصوص سقطت مع الوقت لأنها تتعارض مع المصلحة!

غلاف كتاب مذكراتي في سجن النساء

إرث
لم ينحصر تأثير السعداوي على العالم العربي فقط؛ بل امتد عالمياً، فحصلت على درجات شرفية من جامعات عالمية، وصدر لها أكثر من أربعين كتاباً، ترجمت لأكثر من 20 لغة، ورشِّحت لجائزة نوبل أربع مرات، بينما نالت عدة جوائز؛ منها جائزة الشمال والجنوب من المجلس الأوروبي عام 2004م، وجائزة إينانا الدولية من بلجيكا عام 2005م، وجائزة ستيغ داغيرمان من السويد عام 2011م.

اقرأ أيضًا: رحلت شويكار.. الكوميديانة الفاتنة صاحبة الأدوار المتنوعة

رحلت نوال السعداوي التي لا تخشى الموت؛ لأنه بالنسبة إليها غير موجود؛ لأن الإنسان يفقد حواسه حين يموت، أما الجنة والنار بالنسبة إليها فهما شيئان رمزيان، وللاستمرارية شكل آخر.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة