الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

رحيل مخترع شريط الكاسيت “المتواضع”.. لو أوتينس

كيوبوست

لم يمضِ وقت طويل على انتهاء مرحلة من تاريخنا، تكدَّست فيها رفوف وأدراج المنازل والنوادي والمقاهي بالكاسيتات، بينما كانت محلات بيعها والأسواق تصدح بموسيقى الأغاني حديثة الإصدار لجذب المشترين.. لقد شكَّل اختراع الكاسيت أوائل ستينيات القرن العشرين ثورة في عالم الصوتيات، على يد مخترعه المهندس الهولندي لو أوتينس، الذي توفي نهاية الأسبوع الماضي، حسب ما أعلنت عائلته يوم الثلاثاء، عن عمر ناهز 94 سنة، في مسقط رأسه بقرية دويزل شمال مقاطعة برابانت.

اهتمام مبكر

ظهر اهتمام أوتينس بالتكنولوجيا وعلم الصوتيات منذ صغره؛ ففي مرحلة المراهقة كان أول إنجازاته الشخصية، إذ قام بتركيب راديو لعائلته خلال الحرب العالمية الثانية؛ لتتمكن من الاستماع إلى البث خلال الاحتلال النازي لهولندا، وقام بتجهيزه بهوائي، وأطلق عليه اسم “Germanenfilter”؛  لأنه يمكن أن يتجنب التشويش الذي استخدمه الجيش النازي.

اقرأ أيضاً: المشهد الصوتي.. فهم البيئة المحيطة بالصوت

خلال مراهقته عمل أوتينس في القوات الجوية الهولندية؛ لكنه وبسبب ضعف بصره لم يحلِّق، إنما مارس مهامه من الأرض، وحصل على شهادة في الهندسة، بعد انتهاء الحرب، وعمل بدوام جزئي كرسام في مصنع لمعدات الأشعة السينية.

مسجل شرائط محمول EL 3585- konbini

في عام 1952م، بدأ العمل في مصنع Philips في هاسيلت، ببلجيكا، وبعد ثماني سنوات تمت ترقيته إلى رئيس قسم تطوير المنتجات الذي تم إنشاؤه حديثاً في الشركة، وخلال عام كشف عن تصميمه EL 3585، وهو أول مسجِّل شرائط محمول منPhilips، والذي باع أكثر من مليون وحدة.

“أصغر من علبة سجائر”

لم يكن مسجل الشرائط المحمول هو الاختراع الأبرز لأوتينس؛ إنما شريط الكاسيت، الذي اخترعه في بداية الستينيات، وعُرض لأول مرة عام 1963، في معرض للإلكترونيات في برلين تحت شعار “أصغر من علبة سجائر”، وحقق من خلاله ثورة في عالم الصوتيات والموسيقى، علماً بأن أوتينس كان قد توقع أن يحقق الكاسيت نجاحاً؛ لكن ليس ثورة.

أشرطة كاسيت

وتتجلى تلك الثورة من خلال رصد التغيرات التي حصلت بفضل الكاسيت؛ فقد أصبح بمقدور الناس سماع موسيقاهم المفضلة أو كتبهم المُسجّلة صوتياً وهم يتحركون، غير ملزمين بأماكن محددة كصالات الحفلات الموسيقية، كما أن الكاسيت أصبح رسالة الحب البديلة عن تلك المكتوبة بين العشاق من شباب تلك المرحلة، وكان الكاسيت عاملاً مساهماً في نشر موسيقى الهيب هوب وR & B  خلال السبعينيات والثمانينيات، والأهم أنه على عكس الأسطوانات ومسجلات الأشرطة يمكن إصلاحه، عبر إدخال قلم بإحدى بكراته لإعادة لف الشريط داخله.

اقرأ أيضاً: إلياس الرحباني.. الأب الروحي للموسيقى اللبنانية الحديثة

ومع أن تأثير الكاسيت شمل العالم أجمع؛ لكن السبب وراء اختراعه كان شخصياً جداً، وهو أن أوتينس كان منزعجاً من مسجل الشرائط الكبير؛ فقد قال: “تم اختراع شريط الكاسيت بسبب انزعاجي من مسجل الشريط الحالي، إن الأمر بهذه البساطة!”، وكان هدفه أن يتناسب حجم الشريط مع الجيب الداخلي لسترته، وهذا ما كان، شريط بحجم علبة سجائر!

وعلى الرغم من عظمة اختراعه الذي رأى فيه جهداً جماعياً؛ فإن أوتينس وصف التجربة بأنها كانت لعباً ممتعاً، فقد قال: “كنا صبياناً استمتعنا باللعب”، وأضاف: “لم نشعر أننا كنا نفعل أي شيء كبير، لقد كان نوعاً من الرياضة”.

إلى القرص المضغوط

بنسخةٍ ذات جودة منخفضة وصل الكاسيت إلى اليابان؛ لكن بعدها عقد أوتينس اتفاقيات مع “سوني” لاعتماد اختراعه الحاصل على براءة اختراع ضمن شركة “فيليبس” كمعيار لإنتاج باقي الكاسيتات، وبدأ إنتاجها لتلقى رواجاً في أوساط الشباب والمراهقين، وقد تم بيع أكثر من 100 مليار شريط كاسيت.

في عام 1972، أصبح أوتينس مدير الصوت في NatLab التابع لشركة “فيليبس”، وحينها أسهم في ابتكار القرص المضغوط CD، وفي عام 1980 تعاون مع شركة “سوني” ضمن معيار القرص المضغوط “Philips-Sony” بمقاس 12 سم، والذي انطلق إلى العالم؛ حيث بيع منه 200 مليار وحدة. وعن رأيه بالأقراص المضغوطة قال أوتينس لصحيفة “إن آر سي هاندلسبلاد” الهولندية: “لا شيء يضاهي صوت القرص المضغوط”.

لو أوتينس.. 2014- خلال الترويج لفيلم Cassette: A Documentary Mixtape

مع كل تلك النجاحات، لم يخلع أوتينس عباءة تواضعه؛ ولكنّ ثمّة حسرة وحيدة ظلت في قلبه، وهي عدم اختراع فيليبس جهاز Walkman الذي ابتكرته “سوني”، وقال: “ما زال يؤلمنا أنه لم يكن لدينا واحد”.

في عام 1986 تقاعد أوتينس، وخلال المقابلات التي أجراها أكد مراراً أنه لا يشعر بالفخر حيال اختراعاته التي مكنت الناس من الوصول إلى الموسيقى؛ لأنها جهود جماعية!

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات