الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

رحيل مبارك.. ثاني أطول حكام مصر الحديثة بقاءً في السلطة

كيوبوست

برحيل الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، طوَت مصر مرحلةً مهمةً لثاني أطول حكامها بقاءً في السلطة في العصر الحديث بعد محمد علي، مؤسس الدولة المصرية الحديثة؛ حيث بلغت فترة حكم مبارك نحو 30 عامًا، بدأت بعد اغتيال الرئيس الأسبق محمد أنور السادات، خلال حادثة المنصة في أكتوبر 1981، وحتى تنحيه عن السلطة في 11 فبراير 2011 على إثر ثورة 25 يناير؛ التي خرج فيها الشباب مطالبين بإسقاط النظام نتيجة سوء الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

مبارك في أثناء الاحتفال بتخرج نجله الأصغر جمال في الجامعة- أرشيف

وأعلنت مصر الحداد ثلاثة أيام على الرئيس الراحل الذي سيُعامل معاملة العسكريين حسب قانون يعود تاريخ إصداره إلى عام 1979، بينما ستُقام له جنازة عسكرية غدًا الأربعاء. ونعى الجيش المصري والحكومة والبرلمان الرئيس الأسبق، مقدرين دوره في حرب أكتوبر. وقررت الإمارات تنكيس الأعلام لمدة يوم واحد؛ حدادًا على الراحل.

مبارك مع زوجته سوزان – أرشيف

فعلى مدى نحو ثلاثة عقود ارتبطت شخصية مبارك بالدولة المصرية؛ فالرئيس الأسبق الذي تدرَّج في المناصب داخل القوات المسلحة ليصبح قائدَ القوات الجوية إبان حرب 1973، ثم نائب رئيس الجمهورية منذ أواخر السبعينيات حتى توليه منصب الرئيس، اتَّسم بالجدية الشديدة في العمل والصرامة في التعامل وعدم التهاون مع الأخطاء؛ خصوصًا في العشرية الأولى من حكمه بالرئاسة.

مبارك إلى جوار السادات – أرشيف

ومنذ بداية حكمه باستفتاء شعبي، اهتم الرئيس الراحل بالبنية الداخلية وتوصيل شبكات الطرق والصرف وتحسين إمدادات الكهرباء؛ لكن هذه الاهتمامات تزامنت مع ظروف عالمية واقتصادية صعبة دفعت بالاقتصاد المصري نحو مزيد من التدهور، قبل أن يتعافى الاقتصاد في أوائل التسعينيات عقب مشاركة مصر في حرب تحرير الكويت وإسقاط عدد من الدائنين المبالغ المالية المستحقة؛ في مقدمتهم الولايات المتحدة، وتخفيض نادي باريس الديون المصرية بنسبة 50%.

خلال زيارته أحد المصانع في مصر – أرشيف

وخلال السنوات الأولى من حكمه، نجح مبارك في رفع العَلَم المصري على طابا عام 1989، بعد مفاوضات ماراثونية استمرت 7 سنوات. ورفع بعد أشهر فقط من توليه الحكم العَلَمَ المصري على سيناء بعد اكتمال تحريرها في 25 أبريل 1982، حسب اتفاقية كامب ديفيد.

خلال لقائه مع نتنياهو في 2010 – أرشيف

نجح مبارك في فك العزلة العربية على مصر التي حدثت أواخر حكم السادات؛ بسبب اتفاقية السلام الموقعة بين مصر وإسرائيل، واستعاد مقر الجامعة العربية إلى قلب القاهرة بعدما نُقل إلى تونس، كما اتخذ مواقف عديدة لصالح القضايا العربية؛ خصوصًا إبان الاجتياح الإسرائيلي للبنان، وخلال مفاوضات السلام التي جَرَت مع الفلسطينيين وأسفرت عن اتفاقية أوسلو.

مبارك خلال لقائه الرئيس الإسرائيلي- أرشيف

واجه مبارك تحديات داخلية عديدة؛ بدايةً من أحداث الشغب لأفراد الأمن المركزي في منتصف الثمانينيات، مرورًا بمشكلات داخلية عديدة؛ منها الزيادة السكانية، وصولًا إلى مواجهة إرهاب الجماعات المتطرفة الذي أعاق عملية التنمية لسنوات طويلة؛ خصوصًا في قطاع السياحة، وكانت أبرزه حادثة إطلاق النار على السائحين في معبد حتشبسوت في الأقصر عام 1997، والتي شلَّت حركة السياحة لنحو 3 سنوات؛ وهي المواجهة التي تراجعت حدتها مع المراجعات الفكرية التي جَرَت في أواخر التسعينيات.

مبارك خلال لقائه الرئيس الفلسطيني محمود عباس – أرشيف

لكن يؤخذ على مبارك تعامله بتعالٍ مع الدول الإفريقية؛ خصوصًا بعد محاولة الاغتيال الفاشلة التي تعرَّض إليها في أديس أبابا عام 1995، وجعلته يتجنب بشكل كامل حضور المناسبات الإفريقية المختلفة، كما بدأت مشكلة المياه مع إثيوبيا في الظهور خلال سنوات حكمه الأخيرة.

خلال مشاركته في قمة الصين وإفريقيا – أرشيف

مع بداية الألفية، أجرى مبارك انفتاحًا في المجال العام، انعكس في السماح للقطاع الخاص بالدخول إلى مجال الإعلام، وتأسيس القنوات الفضائية والصحف الخاصة. وغيَّر نظام اختيار رئيس الدولة من الاستفتاء على شخص ليكون عبر إجراء انتخابات رئاسية تعددية؛ وهي الانتخابات التي شهدت شرارة قوة المعارضة المصرية، والتي تزامنت أيضًا مع الحديث المتكرر عن سعي جمال مبارك، نجل الرئيس الأصغر، إلى تولِّي السلطة خلفًا لوالده؛ حيث برز دور الابن سياسيًّا بصورة غير مسبوقة، وكذلك دور والدته السيدة سوزان مبارك؛ التي برز دورها في الجوانب الاجتماعية، وكانت مرافقةً للرئيس في جميع زياراته الخارجية.

سوزان مبارك

بعد وفاة حفيد مبارك، محمد علاء، عانى مبارك حالة حزن عميقة أثَّرت عليه بشكل كبير؛ خصوصًا في ما يتعلق بإدارة ملفات الدولة المهمة، والتي تردد بقوة أن جمال نجله كان يُديرها. بينما زاد الحزب الوطني الذي ترأسه مبارك من احتكاره للسلطة بإقصاء المعارضة عبر الانتخابات البرلمانية في 2010؛ والتي أسفرت عن فوز برلمان ينتمي بالكامل إلى الحزب الوطني، باستثناءات قليلة، وبأعمال تزوير فجَّة رصدتها المنظمات الحقوقية. وكانت الانتهاكات الأمنية شرارة الخروج إلى الشارع ضد النظام في 25 يناير 2011.

خلال لقائه مع المشير طنطاوي وزير الدفاع بشرم الشيخ 2010 – أرشيف

فضَّل مبارك التنحي مع تزايد الاحتجاجات في الشارع ضده وسعي المتظاهرين إلى محاصرة مقر إقامته بالقصر الجمهوري؛ خصوصًا بعدما رفض تنازله عن إدارة البلاد لنائبه المعيَّن حديثًا عمر سليمان، ليقرر التخلِّي عن منصبه وتسليم السلطة إلى المجلس العسكري برئاسة وزير الدفاع المشير طنطاوي.

عمر سليمان في استقبال مبارك بعد عودته من رحلة علاجية في ألمانيا – أرشيف

وعلى مدى نحو 9 سنوات، بعد تخلِّيه عن السلطة، واجه مبارك اتهامات عديدة لم تُثبت إدانته سوى في اتهام وحيد فقط؛ وهو مخالفات مالية في قضية بناء قصور خاصة في مدينة شرم الشيخ من أموال الرئاسة، وهي القضية المعروفة إعلاميًّا بقضية “القصور الرئاسية”؛ لكن في المقابل حصل على براءات في عدة قضايا، أهمها قتل المتظاهرين خلال الثورة؛ حيث لم يثبت قيامه بإصدار أمر بإطلاق النار على المتظاهرين المحتجين.

مبارك خلال إحدى جلسات محاكمته – أرشيف

وعلى الرغم من النظرة السلبية التي صاحبت تقييم نظام مبارك بعد تخليه عن السلطة في 2011؛ خصوصًا في ما يتعلق بمعدلات الفساد التي كُشف النقاب عنها والانحيازات الشخصية في اختيار المسؤولين وإقصاء بعضهم خوفًا من شعبيتهم، والقبضة الأمنية التي حكم بها البلاد؛ فإن هذه النظرة تغيَّرت بشكل كبير خلال السنوات الماضية مع انكشاف مزيد من الحقائق.

مبارك في شبابه – أرشيف

اللواء طيار متقاعد، محمد أبو بكر، قال في تعليق لـ”كيوبوست”: “إن تقييم فترة حكم مبارك يجب أن يتم بشكل موضوعي بعيدًا عن التأثُّر بالانطباعات المسبقة؛ فهو رجل قدَّم كثيرًا إلى الدولة المصرية، وارتكب أخطاءً بالفعل؛ لكن في النهاية لا يمكن الاختلاف على وطنيته ودوره المهم في الحفاظ على مصر وتجنيبها كثيرًا من المخاطر خلال فترة حكمه”.

مبارك في غرفة عمليات القوات المسلحة – أرشيف

وأضاف أبو بكر أن مبارك كان قائدًا بارعًا في القوات المسلحة، ونجح في ترك بصمته خلال فترة رئاسته للقوات الجوية، مشيرًا إلى أنه نجح أيضًا خلال الفترة التي ترأس فيها في تحقيق إنجازات مهمة للدولة المصرية؛ خصوصًا في ما يتعلق بالحفاظ على وحدة الأراضي المصرية والتصدي لمخاطر عديدة، لكن الأخطاء ربما برزت في السنوات الأخيرة من حكمه.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات