الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

رحيل عندليب نجد عبدالله الصريخ

عبدالله الزيد♦

“كما هي فريدة دوماً نهاية العالم”، كما يقول دريدا.. هذه حقيقة، ويمكننا جميعاً أن نكون شاهدين -بأم أعيننا- على حالات من قصص النهايات الفريدة؛ إحداها هذه الحكاية التي كُتبت نهايتها مع فجر يوم أمس الجمعة، وعلى مشارف “يناير” البارد من هذا العام 2021م؛ حين رحل المغني الشعبي البسيط عبدالله الصريخ.

في مطلع الخمسينيات الميلادية، وفي أحد الأحياء القديمة بمحافظة عنيزة في القصيم، ولد المغني الشعبي عبدالله الصريخ، ومضى طفولته بعد ذلك يتيم الأب يقضي معاناة كان دائماً ما يحبسها؛ لكنها تخرج -رغماً عنه- أغنيات يجسدها في محبوب غائب، عادة ما يكون مجهول الاسم والصفات، وهذا على غير المعتاد في الأغنيات الشعبية ذات التفاصيل المعيشية الصارخة.

 يقول عن تلك الفترة الشاعر المعروف عبدالعزيز السناني، من أهالي مدينة عنيزة ومن أصدقاء المرحوم: “نشأ الصريخ في فترة من ازدهار الفن الشعبي في المملكة والوطن العربي، وكان الصريخ موهبة شقت طريقها بقوة بين أسماء مهمة وكبيرة، حتى كان يلقب في الكويت بـ(عدوية) السعوديين، وكان مميزاً بشجن لا يمكن أن يشبهه فيه أحد، وقد كانت له شعبية طاغية في تلك الفترة”.

الشاعر عبد العزيز السناني

عُرفت عن أغنيات الصريخ -رحمه الله- الحوارات الذاتية؛ مع الليل والفقد والحرمان وجلب الماضي في وجود محبيه، عبر ألحان لم يستوعبها إلا مقام واحد هو مقام الصبا، الذي شارك الفقيد في كل أغنياته! ولا عجب لمَن يعرف عبدالله الصريخ، فلا مقام يمكنه احتمال هذا الإنسان البسيط والمتوحد مع روحه إلا مقام الصبا.

في السبعينيات الميلادية سُمع الصريخ لأول مرة يغني بـ”الحق وعجل يا حياتي على الروح”، ثم بدأت قصة من النجاح شاركه فيها الكثير من الشعراء؛ لكنه لم يمنح أشجانه وألحانه إلا لنفسه فقط، فكل أغنيات الصريخ من ألحانه، إلا مرة واحدة كان فيها الاسم الكبير “محمد شفيق” ملحناً لإحدى أغنياته.

تسابقت استوديوهات باريس نجد، وصوت عنيزة، ودوح البلابل، وصبا نجد، والأوتار الذهبية؛ لتسجيل أغاني الصريخ، قبل أن ينتقل خلال سنتين فقط إلى الكويت؛ لتسجيل ألبومه الأول، ثم القاهرة، وقدم الصريخ في عام 1397هـ أغنيته الوطنية في الملك خالد، رحمه الله، ثم كان عام 1410هـ إحدى النهايات الفريدة لحكاية الصريخ مع أغنية “فات الأوان”، حينما أعلن عبدالله الصريخ تركه الغناء واعتزال الفن، وقد تزامنت هذه النهاية مع موجة الصحوة الإسلامية العارمة في تلك الفترة.

بعد “فات الأوان” عاد عبدالله الصريخ إلى الساحة الغنائية؛ لكن عودته “كانت مجرد لقاءات تليفزيونية، وجلسات خاصة، في زمن أصبح فيه الفن الشعبي لا يشبه كل ما يحيط به؛ فلم يعد يحقق طاقة للوجود والحياة”.

عاد الصريخ فكانت عودته -رحمه الله- مثلها مثل الكثير من الأصوات الشعبية الأخرى العائدة مجرد “أنتيكات” على رفوف الفرجة، والاستذكار لزمن فني مختلف لم يعد يستوعب هذا اللون من الغناء. آخر سنتين من حياته عانى “عندليب نجد” المرض ولازم المستشفى، ليودع بعد ذلك “أبو سليمان” محبيه، وكل مَن عرف هذا الفنان الشعبي البسيط والمتواضع، محفوفاً بالحب وصادق الدعاء والدموع، ويبدو أن محبيه سيغنون في كل مرة يتذكرون فيها الصريخ أغنيته الشهيرة:

(كل ما جيت أبي أطرد صورتك من خيالي… شفتها في منامي تبتسم كل ليلة).

♦باحث سعودي

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبدالله الزيد

باحث سعودي

مقالات ذات صلة