الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

رحيل عميد المسرح الهندي.. السعودي إبراهيم القاضي

كيوبوست

لا مكان للمصادفات على الأرض، إن كل ما يحدث يترك أثره علينا بشكلٍ ما؛ خصوصاً إذا كانت نشأة الإنسان استثنائية، كما هي الحال بالنسبة إلى المخرج المسرحي الهندي، سعودي الأصل، إبراهيم حمد القاضي، والذي توفي يوم الثلاثاء عن عمر ناهز 95 عاماً.

فقد تأثر القاضي بالبيئة التي تربى فيها (الهند)، بينما بقي على اتصال دائم بثقافته الأم (الثقافة العربية). وعن نشأته يقول القاضي: “جذوري تمتد إلى المملكة العربية السعودية”، ويضيف: “أغنى السنوات من حياتي هي تلك التي قضيتها في (بوني)؛ حيث ولدت وترعرعت، والتعليم الذي تلقيته هناك، من والدي”.

تنوع ثقافي

ولد القاضي في مدينة “بوني” الهندية عام 1925، بعد أن غادر والده، الذي كان يعمل بالتجارة، مدينة عنيزة في المملكة العربية السعودية، إلى الهند وتزوج هناك وأنجب أولاده؛ ومن بينهم إبراهيم القاضي. وبالنظر إلى تجربة القاضي المسرحية يلاحظ انعكاس رحلة والده من السعودية إلى الهند عليه، فقد انتمى إلى خشبة المسرح هناك حتى أطلق عليه في ما بعد “عميد المسرح الهندي”، أو “أبو المسرح الهندي”.

اقرأ أيضاً: بعد رحيله.. أبرز محطات وآراء شيخ المعماريين رفعت الجادرجي

ومن أهم الأسباب التي مكَّنت القاضي من الاندماج بالمسرح الهندي، تعدد المنابع الثقافية التي نهل منها؛ فقد كان والده حمد علي القاضي، الذي ذكره دائماً في كتاباته، حريصاً على تثقيف أبنائه، فعبر المكتبة الخاصة بالوالد اطلع إبراهيم القاضي على الثقافة العربية التي تعلم لغتها في منزل العائلة في مدينة بوني على يد معلم عربي، إلى جانب العلوم الإسلامية، وإسهابه في قراءة الكتب العربية، التي قام بتحويل بعضها إلى أعمال مسرحية في الهند، وبذلك تمكن القاضي من الوصل بين الثقافتَين، كما عُني بثقافاتٍ أخرى كالإنجليزية واليونانية، بينما انتسب القاضي إلى الأكاديمية الملكية لفنون الدراما.

مشوار فني

أحدث القاضي تغييراً مفصلياً بالمسرح الهندي، بعد إدخاله أعمالاً ثقافية مختلفة إليه، إضافة إلى حبه وشغفه به، فقد كان مهتماً بالثقافة الهندية التي نشأ في كنفها، لذلك حصل القاضي على مكانة خاصة في الوسط الفني الثقافي في الهند، كمؤسس ومنتج.

خلال مشوراه الفني، عمل القاضي في عدة مرافق ثقافية كالمدرسة الوطنية للدراما في نيودلهي؛ حيث عمل مديراً فيها لمدة 15 عاماً، وأنشأ “مؤسسة القاضي” في عام 2006 لتدريس تاريخ الثقافة الهندية، وعلى صعيد الإنتاج الفكري ألَّف القاضي وأخرج أكثر من 50 مسرحية، بينما نقل معارفه وحبه للدراما، من خلال التعليم؛ فقد علَّم ودرَّب مخرجين وممثلين في الهند.

المدرسة الوطنية للدراما في نيودلهي- أرشيف

وتكريماً لمساهماته المسرحية والثقافية، قام وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن فرحان، بتكريم القاضي، وذلك بتأسيس “كرسي إبراهيم القاضي” في مايو الماضي.

وخلال مشواره الفني، نال القاضي عدة جوائز؛ منها جائزة النخلة الذهبية المقدمة من قِبل إدارة مهرجان أفلام السعودية في دورته الثانية عام 2015 في الدمام، كما أصدرت كتاباً وفيلماً وثائقياً عن حياته الفنية بعنوان “إبراهيم القاضي.. جسرٌ بين ثقافتين”.

اقرأ أيضاً: “جوجل” يحتفل بـ”هدى شعراوي”.. أن تكون معاناة الأنثى دافعاً لتحررها

وحصل القاضي على جائزة “بادما فيبوشان” للفنون عام 2010؛ وهي ثاني أعلى جائزة مدنية في الهند، وجائزة بادما بوشن عام 1991، وهي ثالث أعلى جائزة مدنية تقدمها الحكومة الهندية، وجائزة فارس الفرنسية للفنون والكتابة.

نَقَل معارفه وحبه للدراما.. فقد علَّم ودرَّب مخرجين وممثلين في الهند

وحاز على جائزة “أكاديمية سانجيت ناتاك” مرتين؛ كانت الأولى عن فئة العمل الإخراجي عام 1962، والمرة الثانية جائزة”الزمالة”، وذلك عن مساهمته في خدمة المسرح والعمل من أجله، وتعتبر الجائزة الثانية أهم جائزة تمنحها الأكاديمية.

وبعد رحيله، نعى كثيرون القاضي على مواقع التواصل الاجتماعي؛ منهم مثقفون وأدباء وغيرهم.

دور فعال
بالنظر إلى إنجازات القاضي في المسرح والسينما في الهند، يتضح مدى فاعلية دوره. وللاستدلال على مكانة القاضي، استعان المؤلف والناقد السينمائي السعودي فهد الأسطا، بتغريدة رئيس الوزراء الهندي على موقع “توتير” التي نعى فيها القاضي.

فهد الأسطا

وقال الأسطا، خلال حديثه إلى “كيوبوست”: “استطاع القاضي أن يضع بصمته في المسرح الهندي من خلال البحث والدراسة والتدريس وإنشاء المؤسسات الخاصة بتعليم المسرح.. أثره كبير بلا شك، لدرجة أن رئيس الوزراء الهندي يدرك هذا الأمر، ويدرك أن الوسط الفني هناك يثمن المبادرات الكبيرة التي قام بها في مجال الفنون المسرحية والسينمائية، والتي أثَّرت على جيل كبير من الممثلين والفنانين في الهند”.

وأشار الأسطا إلى الخسارة الكبيرة التي أصابت المجتمع الفني برحيل القاضي.

أما عن تأثيره على المستوى الفني في السعودية، فقال الأسطا: “على المستوى السعودي ربما ليس هناك أثر مباشر، والسبب الوحيد هو أن القاضي جاء مبكراً، بالنسبة إلى الحركة المسرحية في السعودية التي تعتبر حركة حديثة لا تتجاوز 50 أو 60 سنة بالكثير، قياساً بالحركة الفنية في الهند؛ لذلك خسارته تبدو في المجال الفني الهندي أكثر بكثير”.

وتابع المؤلف والناقد السينمائي السعودي حديثه حول دور القاضي في المجال الفني السعودي، قائلاً: “إن القاضي جعل من نفسه رمزاً وأنموذجاً ملهماً في البحث والتقصي والاهتمام والشغف تجاه الموضوعات الفنية إجمالاً”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة