الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

رحيل صباح فخري سلطان “القدود الحلبية” وملك الطرب العربي

كيوبوست

ولد باسم “صباح الدين أبو قواس”؛ لكنه اكتسب اسم “صباح فخري”، نسبة إلى السياسي السوري فخري البارودي، الذي اهتم بموهبته، فكان لصباح فخري الذي رحل عن عالمنا الثلاثاء، من اسمه المستعار نصيب؛ إذ لا يعتبر مجرد مطرب ذي صوت استثنائي بقوته -فهو الذي غنَّى عام 1968م لمدة عشر ساعات متواصلة في العاصمة الفنزويلية كاراكاس، محطماً رقماً قياسياً، دخل عبره موسوعة جينيس- بل كان حافظاً لإرث موسيقي وحضاري، تضرب جذوره بتاريخ عريق، وجغرافية امتدت بين موشحات الأندلس وقدود حلب، متميزاً بقدرته على تأدية قصائد عربية من القرن الثالث الهجري؛ مثل “يا حادي العيس” بأسلوب يحفظ مكانة التراث ويجاري تطوُّر اللحن والأداء، حتى بات يلقب بـ”سيد الموشحات” و”ملك الطرب العربي” و”سلطان القدود الحلبية”.

موسيقى وتصوف

ليس غريباً أن يتميز الراحل صباح فخري بسجل موسيقي وفني عريق عمره يقارب سبعة عقود، فهو ابن مدينة حلب السورية؛ واحدة من معاقل الموسيقى الشرقية، والتي ولد فيها فخري في الثاني من مايو عام 1933م، لينشأ في جو عائلي جمع بين الموسيقى والتصوف، فقد كان والده قارئاً ومنشداً صوفياً، بينما انحدرت والدته من عائلة دينية كانت تُقيم حلقات الذكر الصوفي.

وكنتيجة موضوعية لبيئة البيت المتصوف والمرتكز على الموسيقى كأداة للتعبير، كان صباح فخري ملتصقاً طوال حياته بالروحانيات ومعبراً عنها بصوته غير المحدود، وكانت البداية بأن درس أُسس ومبادئ اللغة وعلم البيان والتجويد في “المدرسة القرآنية” في حلب، وخلال طفولته المبكرة جالس كبار المنشدين والقارئين، وتمكن من حفظ القرآن، وكان يؤذن في جامع الروضة في المدينة، ويتلو القرآن في جوامع أخرى وفي والموالد والمآتم.

الأذان بصوت صباح فخري

وكان لنساء حلب تأثير على مسيرة صباح فخري، فقد كان يغني في التجمعات التي كانت تعقدها النساء في المدينة، وعلى يد صديقة والدته تعلَّم وأدى أول موال في حياته؛ “غرد يا بلبل وسلّ الناس بتغريدك”.

وبعمر الـ14 عاماً خاض تجربة غنائية واسعة، عندما ذهب في جولات موسيقية إلى دمشق وحمص وحماة عام 1947م، مع أحد عازفي الكمان، الذي أطلق على صباح فخري اسم “محمد صباح”، ليتغير في ما بعد إلى صباح فخري، نسبة إلى الزعيم الوطني فخري البارودي، مؤسس معهد الموسيقى الشرقي في دمشق.

صباح فخري في شبابه- أرشيف

وعند الحديث عن الموشحات الأندلسية والقدود الحلبية، لا بد من أن يلمع اسم صباح فخري بالذهن، فهو عرَّاب القدود والموشحات، وكانت أولى خطواته بهذا الاتجاه عندما تعرَّف على عازف العود والملحن السوري الراحل محمد رجب، الذي علَّمه أول موشح وهو “يا هلالاً غاب”.

مسيرة فنية سورية

على الرغم من أنه كان قادراً على مغادرة سوريا لاستكمال مسيرته في إيطاليا؛ فإن صباح فضَّل البقاء في سوريا، وأن يحفر مسيرته الفنية في معاهدها وعلى خشبات مسارحها العريقة، فخلال دراسته الأكاديمية درس الغناء والموسيقى في معهد حلب للموسيقى، ثم في معهد دمشق، وتخرَّج في المعهد الموسيقي الشرقي عام 1948 بدمشق، أي بعمر الـ15 عاماً، وهناك درس الموشحات والإيقاعات والقصائد والأدوار والصولفيج (الدراسة النظرية للموسيقى) والعزف على العود.

وفي العام ذاته، قدَّم صباح فخري عرضاً مهماً في بداية مشواره الفني؛ إذ غنى في القصر الرئاسي في دمشق أمام الرئيس السوري شكري القوتلي، آنذاك، ورئيس الوزراء جميل مردم بيك.

خمرة الحب اسقنيها

وبقائه في بلده الأم سوريا، لم يمنعه بالتأكيد من التواصل والتفاعل مع البؤر الموسيقية في الوطن العربي، فقد التقى الموسيقار المصري محمد عبدالوهاب، الذي استمع إلى صوته وعبَّر عن اندهاشه، قائلاً: “مثلك بلغ القمة، ولا يوجد ما أعطيك إياه”.

بينما أقام صباح فخري حفلات غنائية لا حصر لها في بلدان عربية وأجنبية، كما شارك في العديد من المهرجات العربية والدولية، مؤدياً القدود الحلبية والموشحات الأندلسية، والقصائد الملحنة لشعراء كـ”أبو فراس الحمداني والمتنبي وابن الفارض والرواس وابن زيدون وابن زهر الأندلسي ولسان الدين الخطيب”، وأصدر خمس أسطوانات كبيرة، إلى جانب عشرات الكاسيتات، وكان أبرز ما يميزه هو قدرته على الغناء لساعات طويلة، وطريقته الخاصة في تحفيز الجمهور للتفاعل معه.

مالك يا حلوة مالك

ومن أشهر ما غنَّى: “قل للمليحة في الخمار الأسود، ومالك يا حلوة مالك، وخمرة الحب، ويا طيرة طيري، وقدك المياس، ويا مال الشام، وابعتلي جواب، ويا شادي الألحان”، وغيرها من الأغاني التي تعتبر رموزاً للسلطنة بالعالم العربي.

اقرأ أيضاً: وفاة عَلَم الموسيقى الفارسية محمد رضا شجريان عن 80 عاماً

ولفخري مشاركات سينمائية، كفيلم “الوادي الكبير” مع المطربة الراحلة وردة الجزائرية، وفيلم “الصعاليك” عام 1965م مع دريد لحام ومريم فخر الدين، كما أطل عبر التليفزيون ببرنامج “أسماء الله الحسنى” مع الفنان الراحل عبدالرحمن آل رشي ومنى واصف وزيناتي قدسية، ومسلسل “نغم الأمس” مع الراحل رفيق سبيعي وصباح الجزائري، إلى جانب المسلسل الإذاعي “زرياب”.

إرث

ولم يكن فخري ذاكرة للتراث الموسيقي الحلبي عبر صوته فقط، فقد وثَّق نحو 160 عملاً فنياً بين ألحان وقصائد وموشحات ومواويل.

وترك وراءه إرثاً كبيراً؛ فقد حصد عشرات الجوائز من مهرجانات ودول عربية وأجنبية؛ فمثلاً تقلَّد وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة عام 2007م، ونال الميدالية الذهبية في مهرجان الأغنية العربية بدمشق عام 1978م، وجائزة الغناء العربي من دولة الإمارات العربية المتحدة.. وغيرها.

قُل للمليحة في الخمار الأسود

وشغل فخري عدة مناصب؛ منها نقيب الفنانين في سوريا لعدة مرات، ونائب رئيس اتحاد الفنانين العرب، كما كان عضواً في مجلس الشعب السوري في دورته التشريعية السابعة لعام 1998، وعضواً في اللجنة العليا لمهرجان الأغنية السورية.

ونال عدة ألقاب كـ”قلعة حلب الثانية” و”ملك القدود الحلبية” و”أبو كلثوم” و “أمير الطرب” و”ملك الطرب والفن الأصيل”.. وغيرها.

اقرأ أيضاً: زرياب.. والأساطير في الموسيقى مع مصطفى سعيد (فيديو)

وأُقيمت له في مصر عام 1997 جمعية فنية تضم محبيه ومريديه، وهي أول جمعية رسمية من نوعها تُقام لفنان غير مصري.

رحل صباح فخري في الثاني من شهر نوفمبر 2021 ميلادياً، عن عمر ناهز 88 عاماً، وقد نعته وزارة الثقافة السورية ونقابة الفنانين في سوريا عبر حسابها على “فيسبوك”، ووزيرة الثقافة المصرية إيناس عبدالدايم، وفنانون وإعلاميون عرب كثر.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات