الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

رحيل شاعر اليمن وأديبها عبد العزيز المقالح

كيوبوست

غيّب الموت أحد أبرز رواد القصيدة اليمنية المعاصرة، والأب الرمزي لأجيالٍ من شعراء اليمن، الشاعر والناقد عبد العزيز المقالح، الاثنين، عن عمر ناهز الـ85 عاماً. الشاعر الذي أصبح شاعراً بفضل الحزن: “إذا صح أنني شاعر فقد أصبحت كذلك بفضل الحزن.. هذا النهر الشاحب الأصفر الذي رأيته واغتسلت في مياهه الراكدة منذ طفولتي”.

الحياة المبكرة

ورث عبد العزيز المقالح، من مواليد قرية المقالح بمحافظة إب عام 1937م، عن والده الشيخ صالح المقالح، الحس الثقافي، فمن خلال مكتبة والده بدأ بقراءة القصص والروايات ما صقل لغته، وأكسبه خيالاً أدبياً واسعاً.

وعلى الرغم من هدوئه، ورث المقالح عن والده أيضاً، النفَس الثوري، فقد كان والده داعماً للثورة الدستورية عام 1948م، وأُسر بتهمة التعاون مع الثوار، بأمر من الإمام أحمد، ما اضطر العائلة للانتقال من العاصمة صنعاء إلى محافظة حجة، لتكون قريبة من الشيخ صالح، وكان المقالح يبلغ حينها 12 عاماً.

اقرأ أيضاً: مرايا الشعر مع سهام الشعشاع.. عبدالرحمن الأبنودي

وخلال سنين طفولته، عايش المقالح أصدقاء والده وكانوا من أبرز مثقفي اليمن، كما بدأ قراءة الفلسفة والأدب، وظهرت موهبته بالشعر عندما كتب أول قصيدة وكانت رثاء بأخيه المتوفي.

بداية الشعر والثورة

في أواخر الخمسينيات بدأ المقالح كتابة الشعر ونشره، وكان ينشر قصائده تحت اسم ابن الشاطئ، فيما نشر باسمه أول مرة قصيدة “من أجل فلسطين”، وبُثت عبر إذاعة صنعاء، ونشر قصائد تالية في صحيفة الرياضة، وكان أحد محرريها.

ومع بزوغ القومية العربية، وحركات التحرر العربية ضد الاستعمار، وأبرزها ثورة الضباط الأحرار، أصبح المقالح مهتماً بالتغيير والتجديد في اليمن عبر تحريرها من التخلف، ومن قبضة الحكومة الإمامية (المملكة المتوكلية اليمنية التي قامت بعد انتهاء الحكم العثماني) لصالح قيام الجمهورية، لذلك كان من المشاركين في ثورة 1962م، وقرأ بيانها يوم انطلاقتها إلى جانب رفاق آخرين، كما كان منزله معقلاً للثورة.

الراحل عبد العزيز المقالح

وعلى مدى سنواته التالية ظل المقالح متمسكاً باليمن، الذي عاش فيه ورفض مغادرته، ومهتماً بقضاياه وهمومه وضرورة تطويره، مؤمناً بدور الثقافة في العملية التطويرية، فيما اعتصره الحزن على ما حل باليمن بفعل الحرب، وظلّت صنعاء محور شعره وعنوان قصائده.

تجربة أكاديمية وثقافية

توجه المقالح إلى القاهرة عام 1967م لاستكمال دراسته الجامعية، وحصل على شهادة الليسانس في اللغة العربية وآدابها، كما حصل على درجتي الماجستير والدكتوراه من جامعة عين شمس. وخلال تواجده في مصر وقع “حصار السبعين” أو “حصار صنعاء” الذي فرضته القوات الملكية اليمنية منذ نوفمبر 1967م- فبراير 1968م على الجمهوريين المتحصِّنين في صنعاء، وبهذه المناسبة كتب المقالح أجمل قصائده “الأبطال… والسبعون”، وجاء فيها:

“وددت لو كنت الطريق

يعبرون فوقه إلى الجبل

لو كنت صخرة تحمي صدورهم

من الأعداء

لو كنت لقمة

أو شربة من ماء”.

وخلال مراحل دراسته المتواصلة، كان المقالح نشيطاً على المستوى الثقافي، فقد واصل الكتابة الشعرية وحضور الفعاليات الثقافية، كما جعل منزله صالوناً ثقافياً عُقدت به ندوات حضرها شعراء وأصدقاء ومهتمون، مكّنته من الغوص في الحالة الثقافية عامة، كما قضى أوقاتاً طويلة في مكتبة الجامعة يقرأ، فتعرّض لأنواع مختلفة من الشعر والأدب والفكر والفلسفة.

اقرأ أيضاً: نزار قباني.. الشاعر الذي فضَّل جنون البحر على شيخوخة المرافئ

وآمن المقالح بالقومية العربية، وتمسّك بقضايا الأمة، والقيم التقدمية كالحرية والثورة ضد الاستبداد والاحتلال، فانسجمت مواقفه مع مبادئه، وغادر مصر عام 1979م، إثر رفضه اتفاق كامب ديفيد.

رصيده الشعري والأدبي

كتب المقالح القصيدة العمودية والتفعيلة، إضافة لدراساتٍ نقديّة وازنة، كما تطرّق في كتاباته لمواضيع كالتصوف والزهد، وهو القائل:

“أنا الهالك حتمًا

فما الداعي إلى تأجيل موتي”.

وأصدر المقالح، الذي يُعتبر أحد أبرز الشعراء في العصر الحديث، 15 ديواناً، أولها كان “لا بد من صنعاء” عام 1971م، إضافة إلى “الخروج من دوائر الساعة السليمانيّة” عام 1981م، وكتاب “صنعاء” عام 1999م، وكتاب “الأصدقاء” عام 2002م، وآخر دواوينه كان “بالقرب من حدائق طاغور” عام 2018م.

غلاف ديوان لا بد من صنعاء

كما كتب المقالح عدة مؤلفات أدبية، مثل “الأبعاد الموضوعية والفنية لحركة الشعر المعاصر في اليمن”، و”شعر العامية في اليمن”، و”قراءات في الأدب والفن”، و”أزمة القصيدة الجديدة”، و”تلاقي الأطراف”، و”عمالقة عند مطلع القرن”، و”ذاكرة المعاني”.

غلاف كتاب “الأبعاد الموضوعية والفنية لحركة الشعر المعاصر في اليمن”

وشغل الشاعر الراحل مناصب علمية وثقافية مهمة؛ فكان رئيساً لجامعة صنعاء من عام 1982م- 2001م، وأستاذاً للأدب والنقد الحديث في كلية الآداب، ورئيس مركز الدراسات والبحوث اليمني، ورئيس المجمع العلمي اللغوي اليمني، وعُين مستشاراً ثقافياً للرئيس علي عبد الله صالح منذ عام 2001م.

وكان عضواً في مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ومجمع اللغة العربية بدمشق، وعضو مجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت.

اقرأ أيضاً: كيف أصبحت صنعاء الحصينة مهددة بالتدمير؟

فيما حاز خلال مسيرته الشعرية والأدبية على عدة جوائز وتكريمات، من بينها وسام الفنون والآداب عدن 1980م، ووسام الفنون والآداب صنعاء 1982م، وجائزة الثقافة العربية “اليونسكو” عام 2002م، ووسام فارس في الآداب والفنون من فرنسا عام 2003م، وجائزة الشعر من مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية في الإمارات، وجائزة أحمد شوقي للإبداع الشعري من اتحاد كتاب مصر عام 2019م.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة