الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

رحيل العميل المزدوج جورج بليك.. الخائن البطل!

كان للعميل المزدوج جورج بليك -الذي ولد في مدينة روتردام الهولندية لأم هولندية وأب مصري يهودي- حياة زاخرة بالغموض والمخاطرة

كيوبوست

رأت فيه بريطانيا “جورج بليك” الخائن، بينما تصفه روسيا برجل الاستخبارات السوفييتي الأسطوري، الملقب بـ”جورجي إيفانوفيتش”، والذي رحل يوم السبت الماضي، عن عمر ناهز الـ98 عاماً، وفقاً لجهاز الاستخبارات الخارجية الروسية.

وعن سبب وفاته، كشف مدير المكتب الإعلامي لجهاز الاستخبارات الروسية، سيرغي إيفانوف، لصحيفة “روسيسكايا غازيتا”، عن أن بليك أُصيب بارتفاع ضغط الدم بشكل مفاجئ، بينما حاول فريق إسعاف كان قد وصل إلى مكان وجوده، ضبط ضغطه، إلا أن حالته الصحية عادت لتتدهور؛ ما أدى إلى وفاته.

وقبل وفاته كان للعميل المزدوج جورج بليك، الذي ولد في مدينة روتردام الهولندية، عام 1922، لأم هولندية وأب مصري يهودي، حياة زاخرة بالغموض والمخاطرة، فقد كان عميلاً مزدوجاً، عمل لصالح الاتحاد السوفييتي سابقاً لمدة 20 عاماً.

اقرأ أيضًا: عودة الجاسوسية الروسية.. أهلًا بكم في الحرب الباردة الجديدة

عميل مزدوج

بداية انخراط بليك بالعمل السياسي والعسكرية، تعود إلى هولندا؛ حيث انضم في عمر الـ18 إلى صفوف المقاومة الهولندية أثناء الحرب العالمية الثانية؛ إذ عمل كساعٍ ينقل الرسائل بين جماعات المقاومة الهولندية، إلا أنه لم يكتفِ بهذا الدور وقرر الوصول إلى بريطانيا عام 1942، وهناك التحق بالبحرية الملكية، وبعد ذلك انتسب إلى جهاز الاستخبارات البريطاني “MI6″، وكانت مهمته تجنيد عناصر بأوروبا الشرقية؛ لذلك تعلم بليك الروسية في جامعة كامبريدج عام 1948.

في العام نفسه، ابتعث بليك إلى سيئول، على أنه نائب القنصل البريطاني؛ لكنه في الحقيقة جمع معلومات استخبارية حول كوريا الشمالية الشيوعية والصين والشرق الأقصى السوفييتي. وفي كوريا الشمالية، تعرَّض ودبلوماسيين بريطانيين إلى الأسر، إبان الحرب الكورية التي اندلعت في يونيو 1950، واحتجز هناك ثلاث سنوات حتى عام 1953.

بليك عائداً إلى بريطانيا من كوريا الشمالية- Getty Images

خلال السنوات الثلاث التي قضاها بليك في كوريا الشمالية محتجزاً، تبنَّى الفكر الشيوعي؛ فقد طالع العقيدة الماركسية، وتأثَّر بما تعرَّضت له كوريا الشمالية من قصف ودمار أمريكي؛ فقرر التعاون مع الاتحاد السوفييتي. وعن قراره، قال بليك في نوفمبر 2017، بمناسبة عيد ميلاده الـ95: “إن مهمتهم كانت صعبة وحاسمة، في إنقاذ العالم من خطر الحرب النووية، وتدمير البشرية على جدول أعمال سياسيين غير مسؤولين”، وأضاف: “إنها معركة حقيقية بين الخير والشر”.

ونتج عن قرار التعاون الذي دام 20 سنة، كشف الاتحاد السوفييتي عن مئات العملاء البريطانيين في أنحاء أوروبا الشرقية، خلال خمسينيات القرن الماضي، بفضل المعلومات الاستخباراتية التي قدمها بليك إلى موسكو.

ثاني أطول عقوبة في تاريخ بريطانيا

انكشف أمر بليك عام 1959؛ نتيجة لانشقاق عميل بولندي عن الاتحاد السوفييتي. وفي عام 1961، حُكم عليه بالسجن لمدة 42 عاماً؛ وهي ثاني أطول عقوبة سجن في تاريخ المملكة المتحدة، أمضى من الحكم خمس سنوات فقط، وفي عام 1966 هرب من سجن “Wormwood Scrubs”، بطريقة جريئة ومعقدة، بمساعدة نشطاء سلام مناهضين لبرنامج بريطانيا النووي العسكري، عبر قناة المانش، ووصل بسلامة إلى ألمانيا الشرقية، التي كانت تحت سيطرة الاتحاد السوفييتي؛ ومنها إلى روسيا.

صورة جورج بليك بعد اعتقاله من قِبل السلطات البريطانية- Getty Images

بطل أم خائن؟

لأنه كان عميلاً مزدوجاً للمخابرات البريطانية والاتحاد السوفييتي، وانحاز في نهاية المطاف إلى الخيار الشيوعي، رأت فيه بريطانيا خائناً، بينما تعده روسيا بطلاً أسطورياً.

بغض النظر عن وجهة نظر الطرفَين، يبدو أن العامل الحاسم في مدى أخلاقية خيار بليك، هو دافعه، الذي لم يكن متمثلاً بالمكافأة إنما بالقناعة؛ فمن خلال تجربته الشخصية أصبح بليك ماركسياً ملتزماً، وعن تشكل قناعاته الشيوعية قال بليك في وقتٍ سابق: “بطريقة ما اتجه تطوري نحو الشيوعية.. نحو رغبتي في العمل من أجل الاتحاد السوفييتي”.

جورج بليك مع مجموعة أصدقاء من ضمنهم العميل المزدوج كيم فيلبي- ANL/ Rex/Shutterstock- نقلاً عن “الغارديان”

وفي مقابلة مع وكالة “رويترز” في موسكو عام 1991، عبَّر بليك عن اعتقاده أن الشيوعية كانت “مثالية”، وكانت تستحق العناء رغم أنها لم تتحقق، وأنها فكرة نبيلة والبشرية ستعود إليها.

وعن جدواها، قال في إحدى مقابلاته: “شعرت أنه من الأفضل للإنسانية أن يسود النظام الشيوعي، وأن يتم وضع حد للحروب”.

وخلال حياته لم يشعر بليك بالندم على قراره وانتماءاته السياسية والفكرية؛ إذ قال: “بالنظر إلى حياتي، يبدو كل شيء منطقياً وطبيعياً”، واصفاً نفسه بالسعيد والمحظوظ.

حصل بليك على عدة أوسمة وميداليات؛ كان آخرها وسام الصداقة الروسي، من الرئيس فلاديمير بوتين، عام 2007، بينما أقام حتى مماته في موسكو، وبقي متمسكاً بالمبادئ الماركسية.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات