الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

رحيل الرئيس المالي السابق “بوبكر كيتا”.. الرجل الذي ودع شعبه حقناً لدمائه

كيوبوست- عبد الجليل سليمان

وكأن الموت حين يُدرك المُقاتل في فراشه، يُصبح قدراً أكثر مأساوية؛ مما لو كان لحقه في ميدان المعركة، فبعد حياة حافلة بالمُنازلات والمُنازعات في سوحِ السياسية بكل تعقيداتها وتشابكاتها، في دولة مثل مالي؛ ظلّت منذ استقلالها عن فرنسا 1959، واقفة على الدوام؛ على شفا جرف هارٍ، ها هو الرئيس المالي السابق إبراهيم بوبكر كيتا، يُتوفى في منزله بالعاصمة باماكو، 16 يناير الجاري، عن عمر ناهز الـ76 سنةً؛ دونما ضجيج، وفقط عبر إعلانٍ صغير صادر عن أسرته، لم يكشف عن سبب الوفاة.

 بعد سبعة أعوام من حكمه لجمهورية مالي، غربي إفريقيا، أجبر قادة الانقلاب العسكري، بوبكر كيتا، على الاستسلام، وأرغموه على التنازل عن السلطة في 18 أغسطس 2020. وفي مشهدٍ عاطفي مؤثر، أعلن تنازله عن السلطة، التي تسنمها منذ 2013، على الهواء مباشرة من خلال التلفزيون الوطني، وهو مُرتدياً “البوبّو”، الزي الشعبي؛ واسع الكُمّينِ؛ وكأنهما جناحان، فيما كانت دموعه تكاد تطفر من عينيه، وتضيق الدنيا عليه؛ بينما يُغادر عرشَه؛ مَهِيضَ الجَنَاحِ وكسير الخاطر، وبصوتٍ كأنه صادر عن قاع حنجرته؛ خاطب المواطنين والجنود من جميع الرتب قائلاً: “استسلموا؛ لأنني لا أريد أن تُسفك قطرة دم واحدة من أجل إبقائي قيد العمل”، ثم غادر في هدوء.

اقرأ أيضًا: ماكرون إلى باماكو.. الرئيس الفرنسي في متاهة مالي

من كوتيالا إلى (فيكتور هوغو)

في إقليم سيكاسو، جنوب شرق مالي بالقرب من حدودها مع بوركينا فاسو، تنهض كواتيالا، أكبر مدن جنوب البلاد، ولد بوبكر كيتا عام 1945، وهو سليل عائلة كبيرة ذات جذور راسخة وشهرة ضاربة.

في هذه المدينة نال قسطاً من تعليمه، فأكمل المرحلتين الابتدائية والوسطى، قبل أن يفوز عبر منافسة قوية بمنحة لدراسة المرحلة الثانوية في باريس؛ التي كانت حُلماً بعيد المنال؛ ليس فقط لصبّي مثله، في الثالثة عشرة من عمره، وإنما لمن هم أكبر سناً وأعلى شأناً وتأهيلاً.

اقرأ أيضاً: دلالات وتداعيات إنهاء عمليات “برخان” ضد الجهاديين في منطقة الساحل

حزم الصبي بوبكر كيتا أمتعته، وغادر الجنوب إلى باماكو، ثم إلى باريس 1958؛ حيث التحق بـ (ليسيه جانسون دي سيللي)، التي ألقى الروائي والشاعر العظيم فيكتور هوغو كلمة افتتاحها عام 1880، كثانوية تهدف إلى تدريب النخب الفرنسية العلمية والأدبية والعسكرية والصناعية والدبلوماسية والسياسية من الذكور، لقيادة الجمهورية الثالثة الفتية.

لكنه لم يلبث عاماً دراسياً ونصفه، حتى رضخ لرغبة والدته التي لم تكن تعجبها باريس، ولا جانسون دي سيللي، ولم تسمع بهوغو ولا الجمهورية الثالثة أو العاشرة، فعاد مجدداً إلى مالي، لكنه اختار عاصمتها باماكو ملتحقاً بثانوية “محمد أسكيا”، حيثُ حصل على البكالوريا، ثم غادر إلى السنغال ليلتحق بكلية الآداب في جامعة داكار العريقة، قبل أن ينال ماجستير التاريخ من جامعة السوربون لاحقاً.

قبعة.. وسيجار هافاني.. ويسار

بوبكر كيتا بقبعة اليسار- وكالات

حياة أكاديمية حافلة وشيقة عاشها بوبكر كيتا، قبل أن تأخذه السياسة وتحمله بين تضاعيفها من اليسار، حيث بدأ معتنقاً مبادئ الاشتراكية الثورية، أو هكذا قدم نفسه إلى الأوساط السياسية حينها، التي كان أول عهده بالانخراط فيها عندما ترأس رابطة الطلاب والمتدربين الماليين في فرنسا (AESMF) ، ومن خلالها تعرف على شابٍ غيني شديد الذكاء، وموسوعي الثقافة، اسمه ألفا كوندي، الذي أصبح فيما بعد الرئيس الرابع لغينيا قبل أن يُطاح به في انقلابٍ عسكري، 5 سبتمبر 2021، أي بعد عام من إطاحة رفيقه بوبكر كيتا في عرش باماكو.

اقرأ أيضاً: الصحراء تغدر بـ”الصحراوي”.. زعيم “داعش” في الصحراء الكبرى يتبدد في سرابها

في باريس، عاش كيتا في كنف اليسار، لكنه عاش حياة شخصية صاخبة، فلم يأنف عن النوادي الليلة حيث الحفلات الملونة، والصخب الضارب في الجنون، وقيل إنه كان عاشقاً خرافياً للقبعات الدائرية وللسيجار الهافاني، تمثلاً باليسار الثوري في كوبا وأمريكا اللاتينية. وقبل ذلك بسنوات ارتبط بأميناتا مايغا، ولم يفارقها إلى أن رحل، وأنجب منها أربعة.

عاد من السوربون إلى باماكو، تاركاً حياته الصاخبة ذيولاً للذكريات، يجترها حين يشاء، فهنا يصبح الجامع ضرورياً لمن يريد أن يكون سياسياً ذا شأن، فكان لا بد لكيتا أن يحصل على دعم أحد رجال الدين، فاقترب من الإمام محمود ديكو رئيس المجلس الإسلامي الأعلى في مالي، يصلي الجمعة خلفه، ويؤدي الحج والعمرة رفقته.

قشَّة في مهب الريح

احتجاجات في مالي ضد الرئيس كيتا، 2020- وكالات

انضم إبراهيم بوبكر كيتا إلى حزب التحالف من أجل الديمقراطية (ADEMA-PASJ)، وأسهم في تأسيسه مع ألفا عمر كوناري، وأصبح أمينًا للعلاقات الإفريقية والدولية في مايو 1990، وتولى إدارة الحملة الانتخابية لمرشح الحزب إلى الرئاسة، ألفا عمر كوناري عام 1992بنجاح، وعندما حقق الأخير الفوز كافأه بتسميته كبيراً لمستشاريه ومتحدثاً رسمياً لحكومته، ثم سفيراً لمالي إلى ساحل العاج والغابون وبوركينا فاسو والنيجر، قبل أن يعين وزيراً للمالية والخارجية على التوالي في عام 1993، ويصعد سريعاً إلى قمة الهرم كرئيس وزراء لحكومة كوناري عام 1994، ويستمر في منصبه حتى 14 فبراير 2000، حيث قرر الاستقالة من منصبه مع اقتراب انتهاء الفترة الرئاسية لكوناري المقررة عام 2002، طمعاً في الترشح إلى الرئاسة خلفاً له، وبالفعل خطا خطوة كبيرة نحو ذلك بفوزه برئاسة حزب التحالف من أجل الديمقراطية في أكتوبر 2000، قبل أن تعصف به الخلافات داخل الحزب ليغادره ويؤسس حزباً جديداً تحت اسم التجمع من أجل مالي (RPM) في يونيو 2001، ليخوض انتخابات عام 2002 تحت رايته، ويخسر السباق، لكن حصوله على المركز الثالث وضعه على رئاسة البرلمان.

اقرأ أيضاً: هل يصنع “طباخ بوتين” من ثروات إفريقيا طبقاً روسياً شهياً؟

عاود كيتا الكرة؛ للمرة الثانية عام 2007 فحصل على 19.15% من الأصوات، ليضع نفسه في المركز الثاني بعد الرئيس أمادو توري الذي أُعيد انتخابه، ليصل إلى السلطة عام 2013 في انتخاباتٍ جرت بعد تدخلٍ عسكري قادته فرنسا ضد المسلحين المرتبطين بتنظيم القاعدة.

ثم حقق ولاية ثانية من خمسة أعوام بعد حصوله على نسبة 67,17% من الأصوات في الدورة الثانية للانتخابات الرئاسية لعام 2018، مقابل 32,83% للمعارض سومايلا سيسيه، قبل أن تهب مظاهرات عارمة مناوئة له، بقيادة الإمام محمود ديكو، صديقه وداعمه السابق، الذي انقلب عليه وألَّب الجماهير ضده، فصار حكمه قشة في مهب الريح.

انقلاب الإمام

الإمام محمود ديكو- وكالات

وبالعودة إلى انتخابات عام 2013، أيد رجل الدين القوي الإمام ديكو؛ الرئيس كيتا، ضد التكنوقراطي سوميلا سيسيه، نفس منافسه في الانتخابات الرئاسية التالية 2018، إلا أن هذه تختلف عن تلك، حيث جرَت بينما (سيسيه) كان رهينة في أيدي الجهاديين، بعد اختطافه خلال حملةٍ انتخابية في الريف، الأمر الذي اعتبره مناصروه أمراً مدبراً من كيتا، الذي تخلى عنه الإمام ديكو بعد استقالته من رئاسة المجلس الإسلامي الأعلى، وإطلاقه حركة سياسية إسلامية مناهضة للرئيس، قادت حشود مظاهرات ضخمة في جميع أنحاء مالي للمطالبة باستقالة إبراهيم بوبكر كيتا، متهمة إياه بالفساد والمحسوبية، وسوء الممارسة الانتخابية، والعجز عن وضع حد للعنف الطائفي والجهادي، الأمر الذي أضعف حكومته وشلَّ قدرتها في إدارة الدولة، ما أغرى قادة الجيش، لاحقاً إلى إطاحتها، وإعلان وضع جديد، لم يمض عليه بضعة أشهر، حتى رحل كيتا إلى الرفيق الأعلى، بينما لم يحقق الانقلابيون تقدماً يُذكر، إن لم يكونوا عادوا بالبلاد القهقرى، بإضافتهم مرتزقة شركة (فاغنر) الروسية إلى قائمة طويلة من الحركات الجهادية والانفصالية الناشطة في طول البلاد وعرضها.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة