شؤون دولية

رحلات الموت: الهروب من جحيم أفريقيا إلى الموت في المتوسط

كيو بوست استطاعت رصد عدد من صفحات وسائل التواصل الاجتماعي التي تشجع على تهريب البشر عبر ليبيا

خاص كيو بوست – 

لأسباب اقتصادية وأمنية، يجد الكثير من الشباب في دول وسط وشمال أفريقيا أنفسهم راغبين في الهجرة من بلدانهم باتجاه أوروبا سعيًا نحو تحسين أوضاعهم الحياتية. وبما أنه من الصعب الحصول على تأشيرة دخول رسمية، يلجأ كثير منهم إلى شبكات تهريب تنقلهم إلى إحدى الدول الأوروبية بطريقة غير مشروعة عبر البحر غالبًا، مقابل مبلغ معين قد يصل إلى أكثر من 2000 دولار للشخص الواحد.

وفي ظل حالة الفلتان الأمني التي تسيطر على ليبيا وضعف قبضة السلطات على الموانئ والمناطق الساحلية المطلة على البحر الأبيض، تتحول ليبيا إلى ما يشبه سوق للتهريب والاتجار ببشر يأملون أن تتحقق أحلامهم بعيدًا عن القارة الأفريقية.

حسب المصادر الأمنية الليبية، يوجد ثلاثة طرق تتركز فيها خطوط الهجرة غير الشرعية، ويعتبر المسلك الشرقي الممتد من الصومال والسودان إلى ليبيا الخط الأول الذي يتبعه المهربون، أما خط الوسط الممتد من النيجر وتشاد فيعتبر الأكثر نشاطًا. وهناك الطريق الممتد من دول وسط أفريقيا عبر الجزائر وصولًا إلى منطقة غات ثم تراغن والقطرون (غرب ليبيا على الحدود الجزائرية) فيعتبر أصعبها وأقلها نشاطًا، بسبب التشديد الأمني الجزائري على الحدود مع ليبيا. وتعتبر مدينة “أغاديز” التجارية الواقعة في نيجيريا أكبر نقطة لتهريب البشر في أفريقيا، من خلال عبور الصحراء الكبرى وصولًا إلى ليبيا، ثم إلى البحر المتوسط باتجاه إيطاليا في معظم الأحيان.  

 

من هم المهربون؟

ينتمي أغلب المهربين إلى ميليشات مسلحة تنتمي إلى قبائل “التُبو” –المقيمة جنوب ليبيا- ذات العلاقة مع قبائل أفريقية أخرى في عمق تشاد ونيجيريا، والتي بدورها تتعامل مع شبكة معقدة من العاملين في مجال التهريب، بهدف تأمين وصول المهاجرين من خلال طرقات خاصة تتيح لها الوصول إلى ليبيا من هذه الدول. وكشف الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية للجنوب الليبي “مختار عاشور” أن التهريب يعتبر مصدرًا مهمًا لتمويل ميليشيات هذه القبائل ونشاطاتها التي تشمل أيضًا تهريب الأسلحة والمخدرات، إلى جانب ارتباطها بعلاقات مشبوهة مع حركات تمرد في دول أفريقية، توفر لها وللمهاجرين التابعين لها حماية في الجزء الجنوب-شرقي من السودان، ومناطق واسعة من دول تشاد ونيجيريا.

وبين تقرير صادر عن “اليوروبول” عام 2015 أن غالبية الأشخاص المشتبه بضلوعهم في أنشطة التهريب هم من جنسيات بلغارية ومجرية وباكستانية ومن كوسوفو. وبين التقرير عددًا من النقاط الساخنة لنشاطهم في مدن شمال أفريقيا، مثل الجزائر وبنغازي وغيرها.

 

النهاية تكون غالبًا الموت

خلال السنوات الماضية، تداولت وسائل الإعلام العربية كثيرًا من الأخبار التي تتعلق بغرق قوارب تحمل مهاجرين من السواحل الليبية بين الفترة والأخرى، والتي كان آخرها وفاة 31 مهاجرًا جراء غرق قاربهم قبالة الساحل الغربي لليبيا قبل يومين، فيما أعادت السلطات الليبية 200 شخصًا من الناجين إلى ميناء طرابلس، فكيف تبدأ رحلة هؤلاء إلى الموت المحقق؟

 

تبدأ معاناة المهاجرين من خلال العبور الشاق للصحراء الكبرى من دول وسط أفريقيا وصولًا إلى ليبيا. ويواجه العديد من المهاجرين في كثير من الحالات الموت المحقق بسبب العطش أو التيه في الصحراء الذي قد يحدث جراء تعطل شاحناتهم أو انقلابها بسبب مطاردات السلطات لهم.
كما ويتعرض المهاجرون لعدة انتهاكات ومعاملة قاسية وأعمال عنف من قبل شبكات المهربين وعصابات المجرمين وقطّاع الطرق، ويعيشون أوضاعًا صعبة قبل أن يتمكنوا من الوصول إلى ليبيا وركوب القارب من السواحل. كما أن المبالغ التي يطلبها المهربون تدفع بالكثير من المهاجرين إلى الاستدانة وتحمل الديون على أمل ارجاعها بعد العمل في أوروبا.

ومن المفترض أن يتكفل المهربون –لقاء المبالغ العالية التي يحصلون عليها- بتوفير وسائل النقل للمهاجرين على طول الطريق وتوفير أماكن للمبيت والإقامة، إلا أن كثيرًا من عمليات النقل تهدد حياة المهاجرين، بسبب الاكتظاظ الكبير أثناء عملية التنقل، إذ يوضع أحيانًا حوالي 100 مهاجر في شاحنة صغيرة، قبل أن يجري زجهم جميعًا في قارب مطاطي صغير عند وصولهم إلى الساحل. وفي كثير من الحالات تتعرّض هذه القوارب إلى الغرق جراء الوزن الزائد.

 

مساعي دولية لإنهاء تهريب البشر

هناك مساعي حثيثة من قبل ليبيا وبعض الدول الأوروبية لإنهاء الهجرة غير الشرعية، إذ اعتقلت الشرطة الدولية “الانتربول” مؤخرًا 40 شخصًا وأنقذت حوالي 500 مهاجر غير شرعي في حملة لها على مهربي البشر في شمال وغرب أفريقيا. وجاءت هذه الحملة بعد موجة سخط عالمية إثر تداول لقطات لبيع أفارقة كعبيد في ليبيا، والتي تعد آخر مرحلة في أفريقيا قبل انطلاقهم إلى أوروبا.

في حينه قالت المنظمة الدولية للهجرة إن عدد المهاجرين القادمين عبر النيجر إلى ليبيا قد تراجع، بعدما تعهدت أوروبا بدفع مبالغ مالية للنيجر لمساعدتها في مكافحة التهريب. وتضيف المنظمة أن العدد تراجع كثيرًا منذ سبتمبر 2016، حيث مر قرابة 292 ألف مهاجر عبر بلدة “سيجودين” في النيجر، بين فبراير وديسمبر من العام الماضي، بينما مر 8700 عبرها خلال الشهرين الأولين من عام 2017.

 

ومع أن تقارير المنظمة رصدت انخفاضًا في عدد المهاجرين غير الشرعيين، إلا أن كيو بوست استطاعت رصد عدد من صفحات وسائل التواصل الاجتماعي التي تشجع على تهريب البشر عبر ليبيا ودول أخرى، خلال الفترة الماضية. 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة