الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

رجم بالحجارة.. “أمل” السودانية تعيد إلى الشارع كابوس عهد مضى

لم يتمكن أي من الحكومات المتعاقبة من إلغاء القوانين الدينية التي فرضها نظام جعفر النميري عام 1983

كيوبوست- عبدالجليل سليمان

انفصلت الشابة عن زوجها عام 2020 وانتقلت للعيش مع أسرتها، وبعدها بعام اتهمها زوجها بممارسة الجنس خارج إطار الزواج، حينها وجدت الشابة الريفية البالغة من العمر 20 عاماً نفسها ليس فقط أمام الموت رجماً بتهمة الزنى؛ بل أيضاً أمام جدل قانوني وحقوقي وديني لا تعرف ألفه من يائه.

في يونيو الماضي، كانت “أمل” وحيدة محرومة من التمثيل القانوني أمام قاضٍ مُتشدد بالمحكمة الجنائية في مدينة كوستي بولاية النيل الأبيض، جنوب السودان، فأُدينت بما يُسمى جريمة الزنى، وصدر بحقها حكم بالرجم، قبل أن تحظى لاحقاً بخدمات المحامية انتصار عبدالله، التي تتولى استئناف القضية والدفاع عنها الآن، فضلاً عن انضمام الكثير من المجموعات والنشطاء الحقوقيين والمدنيين للعمل من أجل إيقاف تنفيذ العقوبة.

اقرأ أيضاً: هل تعود جماعة الإخوان مجدداً إلى حكم السودان؟

ولا تزال بعض محاكم السودان وقضاته يطبقون بعض ما يُسمى بالحدود الشرعية؛ مثل حدَّي السرقة والزنى، حيث لم يتمكن أي من الحكومات المتعاقبة من إلغاء القوانين الدينية التي فرضها نظام جعفر النميري عام 1983؛ بشكل واضح وصريح.

بيد أن عقوبة الزنى للمحصنين والمحصنات، لم تُنفذ قط؛ فخلال الأعوام الماضية قضت العديد من المحاكم بالرجم في حق نساء بتهمة الزنى، إلا أن جميع هذه الأحكام شُطبت في مراحل الاستئناف، وقد صدر آخرها بحق امرأة من ولاية جنوب كردفان عام 2013، قبل أن يتم إلغاؤه والنأي عن تنفيذه.

نساء سودانيات في قيادة المظاهرات ضد الاستبداد- وكالات

رجم بالحجارة

إلى ذلك أثارت أنباء متواترة عن تأييد محكمة الاستئناف الحكم بالرجم حتى الموت الصادر عن المحكمة الابتدائية ورفض المحكمة العليا طلباً بإلغائه، ضجةً واسعةً واحتجاجات ومطالبات بقرار سياسي أو تدخل خارجي من أجل إيقاف إزهاق روح المتهمة وإراقة دمها رمياً بالحجارة، قبل أن تنفي محاميتها تأييد محكمة الاستئناف الحكم.

وقالت الصحفية والناشطة المدنية أفراح تاج الختم، لـ”كيوبوست”، إن الحكم الصادر بحق أمل ينتهك القانون الدولي الذي يضمن المساواة أمام القانون وعدم التمييز على أساس الجنس.

أفراح تاج الختم

وأرجعت تاج الختم، في حديثها إلى “كيوبوست”، عودة المحاكم إلى عقوبة الرجم بعد توقفها عنها لعقدٍ من الزمن إلى أسباب سياسية؛ حيث يمر السودان عقب انقلاب أكتوبر 2021 بمرحلة تتسم بالسيولة الأمنية والتسيب القانوني؛ أفضت إلى عودة قانون النظام العام (الآداب) الذي تم إلغاء العمل به إبان حكومة عبدالله حمدوك، حيث أعاد قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة عبدالفتاح البرهان، تعيين إسلاميين متشددين من مؤيدي نظام الرئيس المخلوع عمر البشير، في النيابات والمحاكم؛ من أجل فرض سيطرته على السلطة.

اقرأ أيضاً: السودان.. مسودة الدستور تثير الجدل وتستفز الإخوان!

وأشارت إلى أن الحكم الصادر عن محكمة كوستي الجنائية بحق أمل بتاريخ 26 يونيو 2022، بُني على إدانتها بانتهاك المادة 146 (2) من القانون الجنائي السوداني المتعلقة بالزنى، وتم زجها بموجب ذلك حبيسة بسجن النساء بولاية النيل الأبيض منذ أشهر؛ حيث لم يسمح لأحد بزيارتها؛ عدا محاميتها مؤخراً.

وأبدت تاج الختم خشيتها من أن تعمد محكمة الاستئناف إلى تأييد الحكم، الذي لو حدث سيصبح سابقة قضائية وستعاني النساء لاحقاً أحكاماً مماثلة في بلد يفتقد مواطنوه الدعم القانوني، وطالبت المجتمع الدولي بممارسة الضغط على الحكومة السودانية لإيقاف تنفيذ الحكم المُخل والعقوبة القاسية والمهينة واللا إنسانية؛ حسب تعبيرها.

ناشطة حقوقية سودانية في إحدى المظاهرات المناهضة للهيمنة الذكورية- وكالات

 صدى ودعم

وفي سياق متصل، وجدت قضية “أمل” أصداء ودعماً دولياً غير مسبوق؛ حيث أبرزتها مختلف أجهزة الإعلام العربية والغربية والإفريقية، وتصدرت عناوينها وتحليلاتها؛ الأمر الذي وضع الحكومة والقضاء السوداني سواء بسواء في وضع يُحسدان عليه، خصوصاً عقب تدخل الفيدرالية الدولية للحقوق (FIDH) ومطالبتها بعدم تنفيذ عقوبة الإعدام رجماً على “أمل”؛ حيث اعتبرت العقوبة انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي، بما في ذلك الحق في الحياة وحظر التعذيب والمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللا إنسانية أو المهينة، على النحو المنصوص عليه في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (ICCPR) واتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب (UNCAT)؛ حيث السودان طرف فيها.

اقرأ أيضاً: الشرطة المجتمعية في السودان.. خطوة تعيد السودانيين إلى الوراء!

وحثَّت الفيدرالية مجلسَ السيادة الحاكم في السودان برئاسة عبدالفتاح البرهان ووزارة العدل على: تعليق حكم الإعدام الصادر بحق أمل في 26 يونيو 2022، وعدم تنفيذه بغض النظر عن النتيجة النهائية للقضية؛ مع ضمان حصول أمل على الرعاية الطبية الكافية والدعم النفسي والاجتماعي عن أي ضرر لحق بها أثناء احتجازها. وطالبت بالإلغاء الفوري لعقوبة الرجم الواردة في المادة 146 (2) من قانون العقوبات السوداني وإلغاء عقوبة الإعدام كعقوبة بموجب النظام القانوني السوداني، وإعطاء الأولوية للإصلاحات القانونية والمؤسسية؛ بما في ذلك إجراء مسح قانوني شامل لتعديل قوانين السودان بغرض ضمان الحظر المطلق للتعذيب، بما في ذلك العقاب البدني القضائي.

تظاهرة لناشطات من منسوبات مبادرة لا لقهر النساء- وكالات

 خلل وقصور

من جهتها، كشفت حليمة حسين، وهي محامية وناشطة حقوقية، لـ”كيوبوست”، أن أمل حُرمت من التمثيل القانوني في بداية القضية، رغم ضمانات التمثيل المنصوص عليها في المادة 135 (3) من قانون الإجراءات الجنائية السوداني لعام 1991، والتي تنص على حق المُدَّعى عليه في التمثيل القانوني في أية قضية جنائية تكون عقوبتها 10 سنوات سجناً أو أكثر أو البتر أو الإعدام. كما أنه تم استجوابها من قِبل متحرٍّ من الشرطة يُعتقد أنه حصل على اعترافات منها بشكل غير قانوني، كما لم يخبرها أن المعلومات التي زعم أنها أدلت بها أمامه أثناء استجوابها ستُستخدم كدليل ضدها أثناء محاكمتها.

حليمة حسين

ولفتت إلى أن المحاكمة شابها قصور وخلل كبيران، فبجانب حرمان أمل من التمثيل القانوني؛ بدأت محاكمتها دون شكوى رسمية من شرطة المدينة، بالإضافة إلى تقاعس السلطات بعد صدور الحكم عن إحالة الملف إلى المحكمة العليا للموافقة عليه أو رفضه.

وأشارت حليمة حسين إلى أن المادة 146 من القانون الجنائي السوداني التي تستند إلى ما يُعرف بقوانين الشريعة الإسلامية، تستهدف النساء المتزوجات المتهمات بالزنى بالإعدام رجماً، بينما تُعاقب غير المتزوجات بالجلد 100 جلدة. ورغم أن الحكومات الانتقالية السابقة قامت ببعض الإصلاحات القانونية بحظر بعض العقوبات الجسدية؛ فإن قوانين الشريعة المتعلقة بالزنى ظلت دون تغيير.

اقرأ أيضاً: الفساد المقدس.. جمعية القرآن الكريم السودانية خارج الرقابة وفوق القانون

عنف ممنهج

وشددت حسين على أن السودان يشهد تدهوراً مريعاً في ما يتعلق بالحقوق القانونية والمدنية وحقوق الإنسان منذ عام تقريباً؛ حيث عادت جماعة الإخوان المسلمين إلى السلطة بموجب قرارات صادرة عن رئيس مجلس السيادة، فسيطرت على نظام العدالة، وأجرت العديد من المحاكمات المسيَّسة، وتعاني النساء على وجه الخصوص العنفَ الممنهج؛ ففي الأشهر العشرة الماضية، أبلغت المفوضية السامية لحقوق الإنسان عن 13 حالة على الأقل من حالات العنف الجنسي والجنساني التي ارتكبتها قوات الأمن خلال الاحتجاجات في الخرطوم في 19 ديسمبر2021 ، كما أفادت تقارير صادرة عن بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم المرحلة الانتقالية في السودان (يونيتامس)، أن عدد ضحايا التحرش الجنسي والترهيب الذي استهدف النساء المشاركات في الاعتصامات، في الفترة من مايو إلى أغسطس 2022، وصل إلى 35 امرأة وفتاة في جميع أنحاء البلاد.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة