الواجهة الرئيسيةشؤون خليجية

ربع قرن على تفجيرات أبراج الخُبر.. الدروس المستفادة

كيوبوست-  منير بن وبر 

“… بعد مغادرة الجميع، تحدث الأمير عبدالله بن عبدالعزيز، ولي العهد السعودي، عن (تفجير الخُبَر)، وقال إن أربعة من المتهمين وراء التفجير، قدموا إلى إيران وغادر اثنان منهم إلى لبنان، وآخر إلى كندا، لتتعقبه المخابرات الأمريكية والسعودية، وسيتم اعتقاله في أقرب فرصة، أما الشخص الرابع فبقي في إيران. وأصر الأمير على تسليمه إلى السلطات السعودية؛ لأنه يحمل الجنسية السعودية”.

“… قال لي الأمير عبدالله، ونحن في الطريق إلى الغداء، إن (أمريكا وباقي المعارضين منزعجون من تقارب إيران والمملكة العربية السعودية بهذا الشكل”.

الملك عبد الله

هذا ما ذكره الرئيس الإيراني الراحل هاشمي رفسنجاني، في مذكراته عن لقائه المهم بولي العهد السعودي عبدالله بن عبدالعزيز، بعد تفجير الخُبر بشهور، حين التقاه في باكستان عام 1997.

اقرأ أيضاً: المملكة العربية السعودية: ما هو أبعد من مكافحة التطرف

في الخامس والعشرين من يونيو عام 1996، أدى هجوم إرهابي على مجمع سكني للقوات الجوية الأمريكية في مدينة الخُبر إلى مقتل 19 أمريكياً، وإصابة نحو 500 شخص من جنسيات مختلفة. هزّ الانفجار مدينة الخُبر الساحلية، شرق المملكة العربية السعودية، وسُمع الانفجار من على بُعد 32 كيلومتراً؛ بسبب كمية المتفجرات الهائلة التي بلغت نحو 2286 كيلوجراماً.

وُجهت لائحة اتهام إلى 13 عضواً من “حزب الله الحجاز”، المدعوم إيرانياً، في عام 2001، في محكمةٍ فيدرالية أمريكية. وصدرت خلال السنوات الماضية عدة أوامر قضائية أمريكية بأحكامٍ غيابية تطالب إيران بدفع مئات الملايين من الدولارات كتعويضات لضحايا التفجير وأقاربهم.

كان أحدث الأوامر القضائية، العام الماضي، وطالب إيران بدفع 879 مليون دولار للناجين من الهجوم. قال المحامي الأساسي في القضية، أدورا سايور، لوكالة “أسوسييتد برس”: “إن مرور أكثر من عقدين على هجوم أبراج الخُبر لم يعرقل جهودنا. سنواصل السعي إلى تحميل الحكومة الإيرانية المسؤولية عن هذا الهجوم الإرهابي”. وبعد ربع القرن من الهجوم، لا تزال إيران تنكر مزاعم تورطها، وفي الوقت نفسه توسع من نفوذها وتعزيز شبكة وكلائها في المنطقة، وتطور استراتيجياتهم المزعزعة للاستقرار في المنطقة.

تكتيكات رخيصة وفعالة

تم نقل المتفجرات المستخدمة في هجوم الخبر من بيروت، وقد تم التخطيط للعملية لثلاث سنواتٍ قبل التفجير من قِبل أعضاء “حزب الله الحجاز”؛ وذلك حسب إيريكا بيرسون؛ الكاتبة والمحررة لـ”نيويورك دايلي نيوز”، والتي أسهمت أيضاً في كتاب: «موسوعة الإرهاب». يصف دانيال بايمان، في صحيفة “وول ستريت جورنال”، وكلاء إيران بأنهم “رخيصون وفعالون”، وهذا “اعتبار مهم” لإيران، والتي ضختِ الأسلحة والتدريب لـ”حزب الله” في لبنان.

جماعة من “حزب الله الحجاز”- أرشيف

تعمل إيران باستمرار على توسيع نفوذها وشبكة وكلائها الذين يتيحون لها تنفيذ أعمالها العدائية بطريقةٍ غير مباشرة تجنبها الصدام المباشر مع أعدائها؛ وهي الاستراتيجية المفضلة لدى الجماعات الإرهابية. يبدي منهج الأكاديمية العسكرية الجهادية، والذي أعدته ونشرته قاعدة الجهاد في جزيرة العرب تحت عنوان “الاستراتيجية العسكرية”، إعجاباً بالاستراتيجية غير المباشرة؛ لأنها خالية من القتال.

تُعتبر المعركة المباشرة مع العدو أحد أسوأ الحلول بالنسبة إلى متبنِّي الاستراتيجية العسكرية غير المباشرة، وبدلاً من ذلك ينبغي القضاء على أمن وموارد ومعنويات “العدو” دون الاشتباك معه؛ أي من خلال إزعاجه وتشتيته بضرباتٍ خاطفة مفاجئة تتطلب الصبر؛ لكنها تتحاشى الهزيمة أمام قوة العدو وعتاده المتفوق.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي في السعودية بين السلفية والإخوان

قبل قرابة عام من الهجوم على أبراج الخُبر، تسبب هجوم بسيارة مفخخة على مقر للحرس الوطني السعودي في مقتل خمسة أمريكيين كانوا موجودين في المكان. كان الحادث صادماً للأمريكيين، وقد دفعهم لإجراء مراجعة للمنشآت في الرياض، واستعراض وتقييم إجراءات حماية القوة. وفي الخُبر، اتخذ الجناح 4404 بالمبنى 131 الذي اُستهدف العام التالي، إجراءات لزيادة مستوى حماية القوة ورفع حالة التأهب وحصر الأفراد في المجمع. كتب الجنرال تيريل جيه شوالير، قائد الجناح 4404، لزوجته، قائلاً: “”لقد حولنا منطقة معيشتنا إلى حصن إلى حدٍّ ما”، ومع ذلك، فلم تكن الإجراءات كفيلة بتجنب الكارثة.

دروس مهمة

لم تكن تفجيرات الخُبر أولى الحوادث الإرهابية في السعودية، كما لم تكن الأولى التي يتورط فيها “حزب الله الحجاز” أو إيران؛ لكنها كانت الأضخم حتى ذلك الحين. يقول الباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية مروان البلوشي، في تصريحٍ أدلى به إلى “كيوبوست”: “حادثة الخبر كانت عبارة عن تنبيه أوَّلِي للسلطات السعودية؛ خصوصاً في مجال تبادل المعلومات الاستخباراتية مع حلفاء المملكة”.

القوات الخاصة السعودية- صحيفة “عكاظ”

وعن تأثير تفجيرات الخُبر على العلاقات السعودية- الإيرانية، والدروس المستفادة من ذلك، يقول البلوشي: “تفجير الخبر أدى إلى تعميق الانطباع خليجياً وعربياً بأن التعامل مع إيران؛ سواء أكانت قيادتها إصلاحية أم محافظة، غير مضمون العواقب”.

دفعت تفجيرات الخُبر، كما يقول الباحث مروان البلوشي، السعودية إلى القيام “بموجةٍ من الإصلاحات في العمل الأمني، بالإضافة إلى توسيع تبادل المعلومات الاستخباراتية مع الأمريكيين”، و”ترسيخ قناعة المؤسسة الأمنية الأمريكية بأهمية المملكة كحليفٍ في حرب واشنطن الكونية ضد الإرهاب”.

وبعد عام من التفجير، قام الرئيس الإيراني رفسنجاني، بزيارة السعودية، وصل بعدها محمد خاتمي إلى سدَّة الرئاسة، وشهدت السنوات الثلاث اللاحقة لتفجيرات الخبر تقارباً بين البلدين، وقام ولي العهد السعودي -الملك لاحقاً- عبدالله بن عبدالعزيز، بزيارة تاريخية إلى إيران؛ ولكن أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وما تكشف لاحقاً من دورٍ للإيرانيين في دعم تنظيم القاعدة وإيواء قياداته على أراضيها، والأحداث الإرهابية التي شهدتها المملكة في 2003 و2004، أعاد الأمور كرَّة أخرى إلى نقطة الصفر.

اقرأ أيضاً: عن مفهوم الراديكالية الشيعية والنفوذ الإيراني في السعودية

الامير نايف بن عبدالعزيز

وفي مؤتمرٍ صحفي لوزير الداخلية الراحل الأمير نايف بن عبدالعزيز، ذكر صراحة أن إيران ضالعة في التخطيط والتجنيد لتفجير الخبر. وذكرت مجلة “نيوزويك” في أحد أعدادها عام 2003 أن السعودية احتفظت بتفاصيل كثيرة مما كشفته التحقيقات من معلومات عن دور لإيران في الحادث، ومعلومات حساسة عن أسماء رفيعة المستوى في صناعة القرار متورطة؛ ولكن السعودية لم تُطلع مكتب التحقيقات الفيدرالي عليها، بغية الوصول إلى صفقة مع الإيرانيين تجنب إيران ضربة أمريكية، وتسمح لطهران باحتواء الخراب الذي تسببت فيه؛ وهو ما أشار إليه الأمير نايف في حديثٍ إلى وسائل الإعلام؛ ولكن السنوات اللاحقة والتطورات والمؤامرات الإيرانية التي لا تتوقف عن استهداف أمن المملكة، كانت تُعَقِّد الحلولَ عاماً بعد عام.

أحمد المغسل

وبعد مضيِّ ما يقارب خمسة وعشرين عاماً، لا يزال الموقوفون بتهمة التخطيط والضلوع في التفجير يقضون سنواتهم في السجن. وقضى واحد من المتهمين في التخطيط في سجنه في سوريا قبل تسليمه إلى السعودية، وأعلن السوريون أنه انتحر داخل زنزانته، وفي أواخر أغسطس 2015 تسلمتِ المملكة أحمد المغسل؛ وهو سعودي متهم بأنه المخطط الرئيسي للتفجير، في عملية استخباراتية على الأراضي اللبنانية بعد 18 عاماً من الحادث.

اقرأ أيضاً: الكتب المدرسية السعودية تتخلى عن المحتوى المتشدد

وفي كتابه «مكافحة الإرهاب.. دور المملكة العربية السعودية في الحرب على الإرهاب»، يقول الدبلوماسي وخبير الإرهاب والسفير السعودي علي بن سعيد بن عواض عسيري، إن السعودية تبنت ثلاث استراتيجيات لمكافحة الإرهاب؛ تتلخص في الوقاية والعلاج والرعاية. وتشمل هذه الاستراتيجيات تشجيع الوسطية، والتفكير المعتدل، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، وتقديم المشورة والنصح، ودعم وإعادة تأهيل أولئك الذين أُخلي سبيلهم.

موقع تفجير انتحاري استهدف مجمعاً سكنياً في الرياض “2003”- أرشيف

في دراسةٍ صادرة عن مؤسسة كارنيغي الأمريكية للسلام الدولي في عام 2009، قال كريستوفر بوشيك: إن الاستخدام المُطّرد للإجراءات غير التقليدية “الليِّنة” لمكافحةِ التطرف العنيف في السعودية تُكلل بنتائج إيجابية، وإن استراتيجية المملكة العربية السعودية حققت بعض النتائج المشجعة جداً في فترة لا تتجاوز بضعَ سنواتٍ. وأضاف بوشيك أنه “قد بدأت تظهر برامج مشابهة (لبرامج السعودية) في كل أنحاء الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا”.

تضافر الجهود الأمنية والفكرية

وحول جهود الرياض في مكافحة الإرهاب، يقول عماد المديفر، الكاتب والباحث في الإعلام السياسي والعلاقات العامة الدولية: (تبنت المملكة استراتيجية وطنية بهذا الخصوص تقوم على عددٍ من الركائز؛ أهمها المعالجة الفكرية، ومكافحة خطاب الكراهية، وفرض القيود والرقابة المالية على ما يسمى بين مزدوجين بـ”الأنشطة الخيرية”؛ بهدف الحد من وصول أي نوعٍ من الأموال إلى التنظيمات الإرهابية؛ لخنقها والحد من أنشطتها).

اقرأ أيضاً: بصمات إيران تقف خلف استهداف منشآت النفط في السعودية

لم تسلم المملكة العربية السعودية من الحوادث الإرهابية بعد تفجيرات الخُبر، والتي كان من أبرزها تفجيرات شرق الرياض في مايو 2003، ومع ذلك، طوال ربع القرن الأخير، بقيت المملكة تزداد إصراراً وتتعلم المزيد من الدروس المهمة بعد كل حادث؛ لتتجنب مستقبلاً أسوأ من التطرف والإرهاب.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

منير بن وبر

باحث في العلاقات الدولية وشؤون اليمن والخليج

مقالات ذات صلة