الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

رئيس وزراء جديد لماليزيا.. مَن هو؟ وكيف سيقود البلاد؟

كيوبوست- منير بن وبر

فاز أنور إبراهيم، 75 عاماً، أخيراً برئاسة وزراء ماليزيا بعد انتخابات شديدة التنافس، واضطرابات سياسية. تتمحور رؤية إبراهيم حول مجتمع أكثر شمولاً وأقل انقساماً عرقياً ودينياً. وذلك على عكس منافسيه في كتلة رئيس الوزراء السابق، محيي الدين، التي تضم الحزب الإسلامي الماليزي، والذي يتبنى تفسيراً أكثر صرامة للشريعة الإسلامية، وينتمي -على الصعيد الدولي- إلى جماعة الإخوان المسلمين.

أفضت الانتخابات الماليزية إلى برلمان معلق؛ لأن أحداً لم يفز بالأغلبية، لذلك تم تعيين أنور إبراهيم من قِبل الملك. يؤدي الملك في ماليزيا دوراً شرفياً إلى حد كبير؛ لكن صلاحياته تشمل تعيين رئيس الوزراء الذي يعتقد أنه سيحظى بأغلبية في البرلمان.

اقرأ أيضاً: لماذا خرج مهاتير محمد خالي الوفاض من السباق الانتخابي؟

مسيرة أنور إبراهيم إلى منصب رئيس وزراء ماليزيا استمرت ثلاثة عقود، بدأت بحشد الاحتجاجات مطلع التسعينيات ضد خصمه مهاتير محمد، ثم عُين كنائب رئيس للوزراء ونائب وزير للمالية قبل أن يُسجن بتهم جنائية يُزعم أنها مكائد سياسية. قضى أنور عقداً من الزمان في السجن، ووصفته منظمة العفو الدولية بـ”سجين الرأي”، كما تسبب سجنه في خروج آلاف الأنصار إلى الشوارع.

مسيرة متعثرة

في تسعينيات القرن الماضي، قاد أنور إبراهيم عشرات الآلاف من الماليزيين المعارضين ضد مهاتير محمد، الذي كان رئيساً للوزراء. لكن سرعان ما انضم إبراهيم إلى المنظمة الوطنية الماليزية المتحدة برئاسة مهاتير محمد؛ حيث شكلت علاقتهما المتوترة مسيرة إبراهيم المهنية وألقت بظلالها على المشهد السياسي عموماً في ماليزيا.

رئيس الوزراء أنور إبراهيم- “رويترز”

خطى إبراهيم سريعاً إلى منصب نائب رئيس الوزراء ونائب وزير المالية خلال التسعينيات، وكان مرشحاً لتولي منصب رئيس الوزراء، آنذاك، مهاتير محمد؛ لكنه أُقيل في عام 1998 على إثر تداعيات الأزمة الاقتصادية الآسيوية، واحتجز وسجن بتهم الفساد واللواط.

خرج أنصار إبراهيم إلى الشوارع؛ اعتراضاً على التهم التي وصفت بأنها كيدية، و”مؤامرة سياسية” حاكها مهاتير محمد. سرعان ما أدت تلك الإجراءات ضد إبراهيم إلى جعله بطلاً شعبياً بفضل دعوته الإصلاحية، ووصفته منظمة العفو الدولية بـ”سجين الرأي”.

أُطلق سراح أنوار في عام 2004 بعد إلغاء إدانته بتهمة اللواط، قبل أن يُعاد إلى السجن مرة أخرى في عام 2015 بنفس التهمة؛ لكن أنور ومهاتير عادا للتحالف من جديد، وتشكيل تحالف للإطاحة بالحكومة المتهمة بالفساد؛ وهو ما تحقق فعلاً بحلول عام 2018، وأصبح مهاتير محمد من جديد رئيساً للوزراء، وتم العفو عن أنور إبراهيم؛ لكن سرعان ما انهارت الحكومة قبل أن تكمل عامها الثاني.

اقرأ أيضاً: هل سيُحلّل مهاتير محمدأخونةماليزيا ويقضي على التعددية فيها؟

بعد فترة سياسية مضطربة، قام أنور إبراهيم أخيراً بحملة انتخابية ترتكز على التعددية العرقية، وإنهاء التعصب العنصري والديني، والقضاء على الفساد. تُوجت جهوده المستمرة منذ ثلاثة عقود تقريباً بالنجاح، ووصف إي سون أوه، من معهد سنغافورة للشؤون الدولية، نضال إبراهيم، قائلاً “إن النضال السياسي لأنور له نفس مستوى زعيم (جنوب إفريقيا) نيلسون مانديلا؛ حيث مر كلاهما بالعديد من الاضطهاد في عملية إضفاء الديمقراطية على بلديهما”.

مهمة شاقة في الانتظار

أبرز التنافس الانتخابي الأخير في ماليزيا مشهداً إسلامياً سياسياً شديد التعقيد؛ حيث ضم كل ائتلاف تمثيلاً إسلامياً. بالإضافة إلى ذلك، خيمت القلاقل الاقتصادية والانقسامات العرقية على المشهد العام في ماليزيا. لا شك أن الإسلام يمثل جزءاً أصيلاً من التراث والثقافة الماليزية؛ لكن التشدد الذي يبديه بعض الأحزاب أصبح مصدر قلق وعائقاً داخلياً وخارجياً.

أنور إبراهيم بين أنصاره- “رويترز”

أحد التحديات الأساسية التي يواجهها تحالف الأمل بزعامة أنور إبراهيم، هو تشكيل حكومة متنوعة وتوزيع الحقائب الوزارية بشكل مُرضٍ. لن يكون العمل مع الأعداء السياسيين سهلاً، كما لن يكون تحقيق الوعود بخفض تكاليف الغذاء ومعالجة المشكلات الاقتصادية مفروشاً بالورود.

فاز تحالف أنور إبراهيم بـ82 مقعداً في البرلمان. ورغم فشله في الحصول على الأغلبية؛ فإنه نال تأييد كتل أخرى، وحظي بتعيين الملك. حتى إن خصمه القوي، رئيس الوزراء السابق محيي الدين ياسين، قال إنه يقبل تعيين أنور، وإن كتلته ستلعب دور المعارضة. تضم كتلة محيي الدين الحزب الإسلامي الماليزي، الذي شكلت مكاسبه الانتخابية تخوفات وسط المجتمعات العرقية الصينية والهندية غير المسلمة.

اقرأ أيضاً: هل تتجه ماليزيا إلى مزيد من الأسلمة في مؤسساتها؟

كان الفوز بدعم بعض الخصوم بمثابة نصر لدعوات الإصلاح والتسامح التي تبناها إبراهيم منذ عقود. قال أحمد فوزي عبدالحميد، المحلل السياسي في جامعة العلوم الماليزية، لوكالة الأنباء الأمريكية “أسوشييتد برس”، إن انتصار أنور كان بمثابة “لحظة فاصلة أخرى بشَّرت بعهد جديد للديمقراطية الماليزية”. ومع ذلك، سوف تشكِّل العزيمة التصالحية والتشديد على التعددية ومكافحة الفساد موضوع اختبار صعب لإبراهيم؛ إذ عليه كسب ثقة الأطراف الأكثر تحفظاً، لحد التزمت الديني، لتحقيق الاستقرار. كما عليه تهيئة الأجواء المشحونة بالعنصرية.

وعود بعهد جديد

فور تعيينه رئيساً للوزراء، أكد أنور إبراهيم أن أولويته هي خفض تكلفة المعيشة في ظل التباطؤ الاقتصادي الذي تعانيه البلاد. سوف تكون معالجات أنور للاقتصاد تحت مراقبة المستثمرين الأجانب؛ قال إي سون أوه، من معهد سنغافورة للشؤون الدولية: “من المأمول أنه مع تولي أنور زمام الأمور، يمكن لماليزيا أن تعود إلى مجتمع واقتصاد أكثر انفتاحاً وشمولية”. يُوصف أنور بأنه مناصر لـ”العولمة”، ويُنظر إليه كـ”بانٍ للجسور” عبر المجتمعات.

أنور إبراهيم مع حرمه- AP

يُوصف أعضاء تحالف الأمل بزعامة أنور إبراهيم، بالاعتدال النسبي والاستعداد للعمل مع مختلف العرقيات والأديان، وتبني فكرة “الإسلام الرحيم”. لكن هذه  الصفات التي عُرفت عن إبراهيم وتحالفه يُنظر إليها من قِبل المحافظين الإسلاميين كـ”ليبرالية غير مرحب بها”؛ مما يجعل الجدل ينطوي على خطر تأخير قرارات السياسة اللازمة لتحقيق الأهداف الاقتصادية المنقذة لماليزيا.

طوال ثلاثة عقود من الزمن، نادى أنور إبراهيم بالإصلاح والمزيد من الشمول والتسامح الديني. وركزت حملته الانتخابية على محاربة الفساد ومعالجة المشكلات الدينية مع التمسك بالإسلام باعتباره الدين الرسمي للدولة والدفاع عن الحقوق الخاصة للملايو. للمضي قدماً، يجب أن ينال أنور ثقة وتأييد الملايو المحافظين من خلال التأكيد من مكانة الإسلام وفي نفس الوقت توحيد البلاد المنقسمة عرقياً وتعزيز روح الإسلام التسامحية.

يمثل الدين والعرق معضلة أساسية في ماليزيا، وسيبقى لهما دور في تشكيل سياسة البلاد في المستقبل المنظور، لن يكون القضاء على الانقسامات والتوترات بشكل كامل ممكناً؛ لكن وجود زعيم إصلاحي منفتح هو خطوة في الاتجاه الصحيح كما يعتقد العديد من المراقبين.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

منير بن وبر

باحث في العلاقات الدولية وشؤون اليمن والخليج

مقالات ذات صلة