الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

رئيس وزراء أستراليا السابق كيفين رود يتحدث عن مستقبل العلاقات بين واشنطن وبكين

من بينها تجنب وقوع أزمة عسكرية أو هجمة إلكترونية أو صراع عبر مضيق تايوان

كيوبوست – ترجمات

كيفن رود♦

لا يتفق المسؤولون في واشنطن وبكين على الكثير من الأمور هذه الأيام، إلا أن هناك أمراً واحداً يتفقون عليه؛ وهو أن المنافسة بين بلديهما ستدخل مرحلة مصيرية في عشرينيات القرن الحالي. وسيكون هذا هو عقد العيش بصورة تنذر بالخطر. وبغض النظر عن الاستراتيجيات التي يتبعها الجانبان أو الأحداث التي ستتكشف، فإن التوتر بين الولايات المتحدة والصين سوف يتصاعد، وسوف تشتد حدة المنافسة؛ إنه أمر حتمي.

إلا أن الحرب ليست كذلك، ولا يزال بوسع البلدين إرساء حواجز حماية من شأنها أن تحول دون وقوع كارثة. فوضع إطار مشترك لما أسميه “المنافسة الاستراتيجية المنظمة” من شأنه أن يحد من خطر تصاعد المنافسة إلى صراع مفتوح. والواقع أن الحزب الشيوعي الصيني بات واثقاً بشكل متزايد من أن اقتصاد الصين سوف يتجاوز أخيراً بحلول نهاية العقد اقتصاد الولايات المتحدة؛ باعتباره الأضخم على مستوى العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي بأسعار صرف السوق.

اقرأ أيضاً: هل تستطيع أمريكا والصين التغلب على خلافاتهما وبناء نظام دولي مستقر؟

وقد تتجاهل النخب الغربية أهمية هذا الحدث البارز، إلا أن المكتب السياسي للحزب الشيوعي الصيني لا يتجاهله. فبالنسبة إلى الصين، يعتبر الحجم مهماً دوماً. وسوف يؤدي احتلال المركز الأول إلى زيادة ثقة بكين وإصرارها ونفوذها في تعاملاتها مع واشنطن، وسيزيد من احتمالية أن يقوم البنك المركزي الصيني بتعويم اليوان، وفتح حسابه الرأسمالي، وتحدي الدولار الأمريكي باعتباره العملة الاحتياطية العالمية الرئيسة.

وفي غضون ذلك، تواصل الصين التقدم على جبهات أخرى أيضاً؛ حيث تهدف خطة السياسة الجديدة، التي تم الإعلان عنها في الخريف الماضي، إلى السماح للصين بالهيمنة على جميع مجالات التكنولوجيا الجديدة؛ بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، وذلك بحلول عام 2035. كما تعتزم بكين الآن إكمال برنامج التحديث العسكري بحلول عام 2027 (أي 7 سنوات قبل الجدول الزمني المحدد سابقاً)؛ بهدف أساسي يتلخص في منح الصين ميزة حاسمة في جميع السيناريوهات التي يمكن تصورها للصراع مع الولايات المتحدة بشأن تايوان.

قوات العمليات الخاصة التابعة للأسطول البحري الصيني- وكالة “شينخوا”

ومن شأن الانتصار في مثل هذا الصراع أن يسمح للرئيس شي جين بينغ، بتنفيذ عملية إعادة توحيد قسري مع تايوان قبل أن يترك السلطة -وهو إنجاز من شأنه أن يضعه على المستوى نفسه مع ماو تسي تونغ، داخل مجمع الحزب الشيوعي الصيني. ويتعين على واشنطن أن تقرر كيفية الاستجابة لأجندة بكين الحازمة- وبسرعة. ويشك الكثيرون في أن القادة الأمريكيين والصينيين يمكن أن يجدوا طريقهم إلى إطار عمل لإدارة علاقاتهم الدبلوماسية، وعملياتهم العسكرية، وأنشطتهم في الفضاء الإلكتروني، ضمن معايير متفق عليها لتحقيق أقصى قدر من الاستقرار العالمي وتجنب التصعيد العرضي، وإتاحة الفرصة لقوى التنافس والتعاون في إدارة العلاقة.

منظور بكين بعيد المدى

وفي الولايات المتحدة، لم يول سوى القليل من الاهتمام للدوافع السياسية والاقتصادية المحلية للاستراتيجية الصينية الكبرى، أو محتوى تلك الاستراتيجية، أو الطرق التي استخدمتها الصين لتفعيلها في العقود الأخيرة. حيث دار الحديث في واشنطن حول ما يتعين على الولايات المتحدة أن تفعله، دون التفكير ملياً في ما إذا كان أي مسار عمل معين قد يؤدي إلى تغييرات حقيقية في المسار الاستراتيجي للصين.

ومن الأمثلة البارزة على هذا النوع من “قصر النظر” في السياسة الخارجية الأمريكية، الخطاب الذي ألقاه وزير الخارجية السابق مايك بومبيو، في يوليو الماضي، والذي دعا فيه فعلياً إلى الإطاحة بالحزب الشيوعي الصيني، حين أعلن “نحن، الدول المحبة للحرية في العالم، يجب أن نحث الصين على التغيير”، بما في ذلك “تمكين الشعب الصيني”. إلا أن الشيء الوحيد، الذي قد يدفع الشعب الصيني إلى الانتفاضة ضد “الدولة الحزبية”، هو شعوره بالإحباط من الأداء الضعيف للحزب في معالجة البطالة، أو سوء إدارته الفظيع لكارثة طبيعية ما (مثل الجائحة)، أو زيادته لحدة القمع السياسي المكثف أصلاً في عموم البلاد.

الرئيس الصيني شي بينغ يتفقد تطوير الشركات المملوكة للدولة- وكالة “شينخوا”

ويشكل هذا العامل الأخير أهمية خاصة بالنسبة إلى شي جين بينغ؛ وذلك لأن أحد أهدافه الرئيسة يتلخص في البقاء في السلطة حتى عام 2035. وبحلول ذلك الوقت سوف يبلغ من العمر 82 عاماً، وهو العمر الذي توفي فيه ماو. ويتجلى تصميم شي على القيام بذلك في إلغاء الحزب لحدود فترات ولايته، وإعلانه مؤخراً عن خطة اقتصادية تمتد إلى عام 2035، فضلاً عن حقيقة أن شي لم يلمح حتى إلى مَن قد يخلفه، على الرغم من أنه لم يتبق سوى عامَين في ولايته الرسمية. وقد واجه شي بعض الصعوبات في أوائل عام 2020؛ بسبب تباطؤ الاقتصاد وجائحة كورونا الذي وضعت أصوله الصينية الحزب الشيوعي الصيني في موقفٍ دفاعي.

ولكن بحلول نهاية العام، كانت وسائل الإعلام الصينية الرسمية تشيد به باعتباره “الملاح العظيم ورجل الدفة” الجديد للحزب، والذي انتصر في “حرب الشعب” البطولية ضد جائحة كورونا. وفي الوقت نفسه، شن بينغ حملة قمع واسعة النطاق ضد أقلية الإيغور في الصين في منطقة شينجيانغ؛ كما شن حملات قمع في هونغ كونغ ومنغوليا الداخلية والتبت؛ وقمع المعارضة بين المثقفين والمحامين والفنانين والمنظمات الدينية في جميع أنحاء الصين. فقد أصبح شي يعتقد أن الصين لا ينبغي لها بعد الآن أن تخشى أية عقوبات قد تفرضها الولايات المتحدة على بلاده، أو على المسؤولين الصينيين بشكل فردي؛ رداً على انتهاكات حقوق الإنسان.

نشطاء حقوق الإنسان في هونغ كونغ يتظاهرون دعماً لمجتمع الإيغور في شينجيانغ- “رويترز”

وهو يرى أن اقتصاد الصين الآن قوي بما يكفي لتحمل مثل هذه العقوبات، وبوسع الحزب أن يحمي المسؤولين من أي تداعيات أيضاً. وعلاوة على ذلك، فمن غير المرجح أن تتبنى دول أخرى عقوبات أمريكية أحادية الجانب؛ خوفاً من انتقام الصينيين. ومع ذلك، يظل الحزب الشيوعي الصيني حساساً إزاء الضرر الذي يمكن أن يلحق بالعلامة التجارية العالمية للصين، من خلال الكشف المستمر عن طريقة معاملتها للأقليات.

ولهذا السبب أصبحت بكين أكثر نشاطاً في المحافل الدولية؛ بما في ذلك مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، حيث حشدت الدعم لحملتها الرامية إلى التصدي للمعايير العالمية الراسخة بشأن حقوق الإنسان، في حين تهاجم الولايات المتحدة بشكل منتظم بسبب انتهاكاتها المزعومة لتلك المعايير نفسها. وتكمن مشكلة هذا النهج في أنه يعطي الأولوية للسيطرة الحزبية والشركات المملوكة للدولة على القطاع الخاص الصيني المجتهد والمبتكر والريادي، والذي كان مسؤولاً أساسياً عن النجاح الاقتصادي الذي حققته البلاد على مدى العقدين الماضيين.

اقرأ أيضاً: استراتيجية الصين الكبرى: الاتجاهات والمسارات والتنافس طويل المدى

ومع استبعاد إعادة التوحيد السلمي مع تايوان من على الطاولة، أصبحت استراتيجية شي واضحة الآن؛ وهي زيادة مستوى القوة العسكرية التي تستطيع الصين أن تمارسها في مضيق تايوان بشكل ضخم، إلى الحد الذي يجعل الولايات المتحدة غير راغبة في خوض معركة ترى واشنطن ذاتها أنها قد تخسرها على الأرجح. ويعتقد شي أنه دون دعم الولايات المتحدة، فإن تايوان إما أن تستسلم، وإما تقاتل بمفردها وتخسر. 

أما بالنسبة إلى مطالب الصين البحرية والإقليمية في بحر شرق الصين، وبحر الصين الجنوبي، فإن شي لن يتنازل عن شبر واحد. وستستمر بكين في مواصلة الضغط على جيرانها في جنوب شرق آسيا، في بحر الصين الجنوبي؛ حيث تقوم بعملياتٍ لاعتراض حرية الملاحة، وتتحرى عن أي ضعف في عزيمتها الفردية أو الجماعية؛ لكنها لا تصل إلى حد الاستفزاز الذي قد يؤدي إلى مواجهةٍ عسكرية مباشرة مع واشنطن، لأنه في هذه المرحلة تظل الصين غير واثقة تماماً من أنها ستفوز.

وفي غضون ذلك، سوف تسعى بكين إلى تسليط الضوء بقدر الإمكان على مفاوضاتها الجارية مع الدول المطالبة في جنوب شرق آسيا بشأن الاستخدام المشترك لموارد الطاقة ومصائد الأسماك في بحر الصين الجنوبي. وهنا، كما في أي مكان آخر، سوف تنشر الصين نفوذها الاقتصادي بالكامل على أمل تأمين حياد المنطقة في حالة وقوع حادث عسكري أو أزمة تشمل الولايات المتحدة أو حلفاءها.

أمريكا في أعين شي

وفي ظلِّ كلِّ هذه الخيارات الاستراتيجية يكمن اعتقاد شي، الذي انعكس في التصريحات الرسمية الصينية وأدبيات الحزب الشيوعي الصيني، بأن الولايات المتحدة تشهد انحداراً بنيوياً مطرداً لا رجعة فيه. ويستند هذا الاعتقاد الآن إلى مجموعة كبيرة من الأدلة. فقد فشلت حكومة الولايات المتحدة المنقسمة في صياغة استراتيجية وطنية للاستثمار طويل الأجل في البنية التحتية والتعليم، والبحوث العلمية والتكنولوجية الأساسية.

اقرأ أيضاً: هل تعيد الولايات المتحدة والصين الحرب البيلوبونيسية مرة أخرى؟

وأضرت إدارة ترامب بالتحالفات الأمريكية، وتخلت عن تحرير التجارة، وسحبت الولايات المتحدة من قيادتها للنظام الدولي بعد الحرب، وشلت القدرة الدبلوماسية الأمريكية. فقد اختُطِف الحزب الجمهوري من قِبل اليمين المتطرف، كما أن أهل الطبقة السياسية الأمريكية والناخبين يعانون الاستقطاب العميق إلى الحد الذي يجعل من الصعب على أي رئيس أن يكسب التأييد لاستراتيجية طويلة الأمد من الحزبَين بشأن الصين.

ويعتقد شي أن واشنطن على الأرجح لن تستعيد مصداقيتها، وثقتها كزعيم إقليمي وعالمي. وهو يراهن على أنه مع تقدم العقد المقبل، فإن زعماء العالم الآخرين سوف يتشاطرون هذا الرأي، وسيبدأون في تعديل مواقفهم الاستراتيجية وفقاً لذلك، ومن ثمَّ يتحولون تدريجياً من التوازن مع واشنطن ضد بكين، إلى التحوط بين القوتَين، إلى التكاتف مع الصين.

عربات مدرعة تستعرض أمام القصر الرئاسي وسط تايبيه بمناسبة مرور 105 أعوام على تأسيس جمهورية الصين- “الجارديان”

لكن الصين تشعر بالقلق إزاء احتمال أن تهاجم واشنطن بكين في السنوات التي تسبق تبدد القوة الأمريكية أخيراً. ولا يقتصر قلق شي على الصراع العسكري المحتمل فحسب؛ بل أيضاً على أي فصل اقتصادي سريع وجذري. وعلاوة عن ذلك، فإن المؤسسة الدبلوماسية للحزب الشيوعي الصيني تخشى من أن إدارة بايدن، التي باتت تدرك أن الولايات المتحدة لن تكون قادرة قريباً على مجاراة القوة الصينية بمفردها، قد تشكل تحالفاً فعالاً من البلدان في مختلف أنحاء العالم الرأسمالي الديمقراطي؛ بهدف صريح هو موازنة الصين بشكلٍ جماعي.

وعلى وجه التحديد، يخشى قادة الحزب الشيوعي الصيني من أن يشكل اقتراح الرئيس جو بايدن، بعقد قمة للديمقراطيات الكبرى في العالم، خطوة أولى على هذا المسار؛ وهذا هو السبب الذي دفع الصين إلى التحرك بسرعة لتأمين اتفاقيات تجارية واستثمارية جديدة في آسيا وأوروبا قبل تولي الإدارة الجديدة مقاليد الحكم. ومن منطلق إدراكه لهذا المزيج من المخاطر في الأمد القريب، ومواطن قوة الصين على الأمد البعيد، فإن الاستراتيجية الدبلوماسية العامة التي يتبعها شي في التعامل مع إدارة بايدن سوف تتلخص في تخفيف حدة التوترات الفورية، وتحقيق الاستقرار في العلاقات الثنائية في أقرب وقت ممكن، وبذل كل جهد ممكن لمنع الأزمات الأمنية.

اقرأ أيضاً: حرب تجارية أمريكية- أوروبية.. من الطرف الأقوى؟

ومن أجل تحقيق هذه الغاية، سوف تتطلع بكين إلى إعادة فتح خطوط الاتصالات العسكرية مع واشنطن، والتي انقطعت إلى حد كبير أثناء إدارة ترامب. وأخيراً، قد تخفف بكين من نشاطها العسكري في الفترة المقبلة في المناطق التي يحتك فيها جيش التحرير الشعبي بالقوات الأمريكية مباشرة؛ لا سيما في بحر الصين الجنوبي وحول تايوان – على افتراض أن إدارة بايدن ستوقف الزيارات السياسية رفيعة المستوى إلى تايبيه التي أصبحت سمة مميزة للسنة الأخيرة لإدارة ترامب. لكن بالنسبة إلى بكين، فإن هذه تغييرات في التكتيكات وليست في الاستراتيجية.

تحت إدارة جديدة

وبشكلٍ عام، كانت القيادة الصينية تفضل أن تشهد إعادة انتخاب ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية العام الماضي. وهذا لا يعني أن شي رأى قيمة استراتيجية في كل عنصر من عناصر سياسة ترامب الخارجية؛ بل على العكس، فقد وجد الحزب الشيوعي الصيني الحربَ التجارية التي تخوضها إدارة ترامب مخزية، وتحركاتها نحو الفصل مثيرة للقلق، وانتقادها لسجل الصين في مجال حقوق الإنسان مهيناً، وإعلانها الرسمي للصين باعتبارها “منافساً استراتيجياً” أمراً واقعياً.

الرئيس الصيني شي جين بينغ يتحدث أمام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال حدث لقادة الأعمال في قاعة الشعب الكبرى في بكين- “فرانس برس”

وحقيقة الأمر، أن بعض الصينيين قد شعروا بارتياح هادئ؛ لأن المنافسة الاستراتيجية المفتوحة حلت محل التظاهر بالتعاون الثنائي. وحسب نظرة الصين، فمع قيام واشنطن بإزالة القناع، فإن الصين تستطيع الآن أن تتحرك بسرعة أكبر -وفي بعض الحالات بشكل علني- نحو تحقيق أهدافها الاستراتيجية، وفي الوقت نفسه، تزعم أيضاً أنها الطرف المتضرر في مواجهة عدوانية الولايات المتحدة.

فخلال سنوات ترامب، استفادت بكين ليس بسبب ما قدمته للعالم، ولكن بسبب ما توقفت واشنطن عن تقديمه. وكانت النتيجة أن الصين حققت انتصارات؛ مثل اتفاق التجارة الحرة الضخم بين آسيا والمحيط الهادئ المعروف باسم الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة، والاتفاقية الشاملة للاستثمار بين الاتحاد الأوروبي والصين، والتي من شأنها أن تربط الاقتصادَين الصيني والأوروبي بدرجة أكبر كثيراً مما  كانت تريده واشنطن.

اقرأ أيضاً: كيف تتفكك القوة الأمريكية وتنتهي هيمنة القطب الأوحد بلا عودة؟

وتشعر الصين بالقلق إزاء قدرة إدارة بايدن على مساعدة الولايات المتحدة على التعافي من تلك الجروح التي سببتها لنفسها؛ فقد شهدت بكين عودة واشنطن إلى التعافي من الكوارث السياسية والاقتصادية والأمنية من قبل. ومع ذلك، فإن الحزب الشيوعي الصيني لا يزال واثقاً من أن الطبيعة الانقسامية المتأصلة في السياسة الأمريكية ستجعل من المستحيل على الإدارة الجديدة تعزيز الدعم لأية استراتيجية متماسكة قد تضعها لمواجهة الصين.

ويعتزم بايدن إثبات خطأ بكين في تقييمها بأن الولايات المتحدة الآن في انحدار لا رجعة فيه. وسوف يسعى إلى استخدام خبرته الواسعة في الكونغرس الأمريكي لصياغة استراتيجية اقتصادية محلية لإعادة بناء أسس القوة الأمريكية في عالم ما بعد الجائحة. ومن المرجح أيضاً أن يواصل تعزيز قدرات الجيش الأمريكي، وأن يفعل ما يلزم للحفاظ على الزعامة التكنولوجية الأمريكية العالمية.

رائدا الفضاء الصينيان جينغ هايبينغ وليو وانغ مع ووليو يانغ- “رويترز”

ومع تزايد ثراء الصين وقوتها، فإن أكبر وأقرب حلفاء الولايات المتحدة سوف يصبحون أكثر أهمية من أي وقت مضى بالنسبة إلى واشنطن. وللمرة الأولى منذ عقود عديدة، سوف تحتاج الولايات المتحدة قريباً إلى الثقل المشترك من حلفائها للحفاظ على توازن شامل للقوى ضد الخصم. وستستمر الصين في محاولة إبعاد البلدان عن الولايات المتحدة -مثل أستراليا وكندا وفرنسا وألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة- بالاستعانة بمزيج من الجزر والعصي الاقتصادية.

اقرأ أيضاً: كيف تنزلق الولايات المتحدة والصين نحو “دوامة أيديولوجية” و”حرب باردة”؟

وإذا كانت الولايات المتحدة ترغب في أن تظل مركز ما كان يُسمى حتى وقت قريب “العالم الحر”، فلا بد أن تخلق اقتصاداً سلساً عبر الحدود الوطنية لشركائها وحلفائها الرئيسيين في آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية. ولتحقيق ذلك، يتعين على بايدن أن يتغلب على الدوافع الحمائية التي استغلها ترامب، وأن يحشد الدعم لاتفاقيات تجارية جديدة ترتكز على الأسواق المفتوحة.

منافسة استراتيجية مُنظمة

وتتمثل الأولويات الأكثر إلحاحاً في إصلاح عملية تسوية المنازعات المُعطلة لمنظمة التجارة العالمية، وإعادة الانضمام مجدداً إلى اتفاقية باريس بشأن تغير المناخ، وزيادة رأسمال كل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي (لتوفير بدائل موثوقة لبنك الاستثمار الآسيوي الصيني في البني التحتية، ومبادرة الحزام والطريق التابعة له)، واستعادة التمويل الأمريكي لوكالات الأمم المتحدة المهمة.

وزير الخارجية الصيني وانغ يي يلتقي الأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرغ في ميونخ- ألمانيا- وكالة “شينخوا”

ولعل الطبيعة المتضاربة للغاية للأهداف الاستراتيجية الأمريكية والصينية والطبيعة التنافسية العميقة للعلاقة، قد تجعل الصراع، وحتى الحرب، أمراً حتمياً – حتى لو لم يكن أي من البلدين يريد هذه النتيجة. وستسعى الصين إلى تحقيق الهيمنة الاقتصادية العالمية والتفوق العسكري الإقليمي على الولايات المتحدة دون إثارة صراع مباشر مع واشنطن وحلفائها.

والسؤال المطروح على كل من واشنطن وبكين هو ما إذا كان بإمكانهما الدخول في هذا المستوى العالي من المنافسة الاستراتيجية ضمن معايير متفق عليها؛ والتي من شأنها أن تحد من خطر اندلاع أزمة ومنازعات، وحرب. وهذا ممكن نظرياً؛ لكن من الناحية العملية فقد أدى التآكل شبه الكامل للثقة بين البلدين إلى زيادة درجة صعوبة الأمر بصورةٍ جذرية.

اقرأ أيضاً: هل تؤدي جائحة كورونا إلى تمكين الصين على حساب الولايات المتحدة؟

ويتعين على واشنطن أن تعود إلى الالتزام الصارم بسياسة “الصين الواحدة”؛ خصوصاً من خلال إنهاء الزيارات الاستفزازية وغير الضرورية رفيعة المستوى التي كانت تقوم بها إدارة ترامب إلى تايبيه. ويتعين على بكين، من جانبها، أن تتراجع عن نمطها الأخير من المناورات العسكرية الاستفزازية وعمليات نشر القوات والمناورات في مضيق تايوان.

وزير الدفاع الأمريكي بالإنابة باتريك شاناهان يصافح وزير الدفاع الوطني الصيني الجنرال وي فنغي في سنغافورة.. 2019- “أسوشييتد برس”

وفي بحر الصين الجنوبي، يتعين على بكين ألا تستعيد أو تعسكر أية جزر أخرى، ويجب أن تلتزم باحترام حرية الملاحة وحركة الطيران دون أي تحدٍّ. ومن جانبها، يمكن للولايات المتحدة وحلفائها حينئذ (وعندئذ فقط) أن يخفضوا عدد العمليات التي يقومون بها في البحر. وعلى نحو مماثل، يمكن للصين واليابان أن تخفضا انتشارهما العسكري في بحر الصين الشرقي بالاتفاق المتبادل مع مرور الوقت.

وإذا تمكن الطرفان من الاتفاق على هذه الشروط، فسيتعين على كل منهما أن يقبل بأن الطرف الآخر سيظل يحاول تعظيم مزاياه مع عدم تجاوز الحدود. وستستمر واشنطن وبكين في التنافس على النفوذ الاستراتيجي والاقتصادي عبر مختلف مناطق العالم. وسوف يستمر كل منهما في السعي إلى الوصول المتبادل إلى أسواق الآخر، وسيظلون يتخذون تدابير انتقامية عندما يحرمون من هذا الوصول.

وبوسعهما أن يعملا معاً لتحسين الاستقرار المالي العالمي؛ لا سيما من خلال الموافقة على إعادة جدولة ديون البلدان النامية التي تضررت بشدة جراء الجائحة. ويمكنهما أن يشتركا معاً في بناء نظام أفضل لتوزيع لقاحات (كوفيد-19) في العالم النامي. ولكن ما معايير النجاح إذا ما اتفقت الولايات المتحدة والصين على مثل هذا الإطار الاستراتيجي المشترك؟ قد تكون إحدى علامات النجاح هي تجنبهم أزمة عسكرية أو صراع عبر مضيق تايوان أو هجوماً إلكترونياً منهكاً بحلول عام 2030.

شاهد: فيديوغراف.. قوى العالم الجديد تعيد صياغة قوانين اللعبة السياسية

والواقع أن إبرام اتفاقية تحظر مختلف أشكال الحرب الروبوتية سوف يشكل انتصاراً واضحاً، شأنه في ذلك شأن أن تعمل الولايات المتحدة والصين معاً على الفور، ومع منظمة الصحة العالمية لمكافحة الوباء. فقبل بضعة أيام من تنصيب بايدن، صرح تشين يي شين، الأمين العام للجنة المركزية للشؤون السياسية والقانونية التابعة للحزب الشيوعي الصيني، بأن “صعود الشرق وانحدار الغرب أصبحا اتجاهاً (عالمياً) وأن التغيرات في المشهد الدولي تصب في صالحنا”. ويعد تشين أحد المقربين من شي؛ وهو شخصية محورية في جهاز الأمن القومي الصيني الذي يتسم بالحذر عادة، وبالتالي فإن الغطرسة في تصريحه جديرة بالملاحظة.

وفي الواقع، لا يزال الطريق طويلاً في هذا السباق؛ حيث تعاني الصين نقاط ضعف محلية متعددة نادراً ما تتم ملاحظتها في وسائل الإعلام. والولايات المتحدة، من الناحية الأخرى، دائماً ما تظهر نقاط ضعفها على الملأ؛ إلا أنها أثبتت مراراً وتكراراً قدرتها على الترميم وإعادة التجدد. ومن شأن المنافسة الاستراتيجية المُنظمة أن تبرز نقاط القوة وتختبر نقاط الضعف لدى القوتَين العظميين؛ وسيفوز النظام الأفضل.

♦رئيس الجمعية الآسيوية في نيويورك، وشغل سابقاً منصب رئيس وزراء أستراليا.

المصدر: فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة