الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةمقالات

رئيس جديد في إيران.. ولكن هل سيحدث ذلك فرقاً؟

كيوبوست- خاص

د.دينيس ساموت♦

أجرت إيران انتخاباتها الرئاسية في نهاية الأسبوع الماضي، وانتخبت رئيساً جديداً؛ ولكن لا يبدو أن أحداً يهتم كثيراً للأمر؛ سواء في داخل البلاد أو خارجها. والسبب وراء ذلك بسيط؛ فالجميع يعلم أن الرئيس في إيران ليس هو صاحب الكلمة النهائية. بالإضافة إلى ذلك، فقد بدَت الانتخابات وكأنها عملية تتويج أكثر منها عملية اختيار؛ حيث تم استبعاد جميع المنافسين الجديين للرئيس المختار قبل أن تقع عين أي إيراني على صناديق الانتخاب؛ لقد كانت النتيجة محسومة سلفاً.

منذ ثورة عام 1979 خضعت إيران لحكم رجال النخبة الدينية الشيعية، وهؤلاء ليسوا ممن يرحبون بتشارك السلطة أو ممن لديهم الاستعداد للتخلي عنها؛ ولكن إيران ليست بلداً متخلفاً، وشعبها يحتضن حضارة عظيمة، لذلك فالاستبداد ممكن ولكن الشمولية غير مقبولة. فحتى مع إمساكهم بزمام السلطة بشكلٍ كامل، يُضطر رجال الدين الشيعة إلى توخي الحذر. يُفترض في منصب الرئيس أن يكون مكملاً لمنصب المرشد الأعلى؛ فالأخير يعطي توجيهاتٍ عامة، والأول يدير الشؤون اليومية. ولطالما كانت الاختلافات بينهما غير واضحة، وقد زاد من هذا الأمر المرشد الأعلى الحالي الذي قلَّص كثيراً من دور الرئاسة في البلاد.

اقرأ أيضاً: كيف قرأت الصحافة العالمية نتيجة الانتخابات الإيرانية؟

والآن مع وصول إبراهيم رئيسي إلى سدَّة الرئاسة، يتلاشى حتى التظاهر بفصل النخبة الدينية عن حكومة البلاد والبيروقراطية الإدارية فيها؛ فرئيسي ليس فقط مرشح رجال الدين، بل جاء من نفس البيئة وتجربته في مراكز قيادية في إيران ارتبطت ببعض الجوانب المظلمة لهذه القيادة. فهو كان يترأس السلطة القضائية في البلاد، ولديه آراء سياسية محافظة للغاية؛ وهو متورط في عمليات إعدام جماعية لسجناء سياسيين تمت في ثمانينيات القرن الماضي.

تقول تقارير صحفية إن الانتخابات شهدت عزوفاً شعبياً- وكالات

السؤال المهم هو: لماذا رئيسي؟ ولماذا الآن؟

هنالك ثلاثة تفسيرات محتملة؛ ليست قطعية أو مُرضية بشكلٍ كامل، ولكن لا يمكن استبعاد أي منها أيضاً.

اقرأ أيضاً: هندسة الانتخابات.. حسم خامنئي هوية الرئيس الجديد لإيران

(1) التفسير الأول هو أن هذا الاختيار يعبر عن تحول واعٍ نحو موقف أكثر تشدداً بناءً على اعتباراتٍ أيديولوجية. ويعتقد العديد من المراقبين الغربيين والإسرائيليين أن هذا هو السبب المرجح لقرار خامنئي تنصيب رئيسي رئيساً للبلاد. ويرون أن المتشددين قلقون من وجود انحراف كبير عن القيم الجوهرية للثورة الإسلامية، وأنه يجب العودة إلى نظامٍ أكثر تشدداً للحكومة الإسلامية؛ بما في ذلك قيود أشد على الأنشطة الاجتماعية وتقييد حرية النساء وعملهن، وضوابط أكثر على وسائل التواصل الاجتماعي والصحافة. وهذا يعني بطبيعةِ الحال استمرارَ المواجهة مع الولايات المتحدة ودوراً أكثر حزماً في المنطقة يقوم على استعراض قوة الجيش الإيراني الموازي الذي يُعرف بتسمية الحرس الثوري، والعمل مع الصين لتجاوز الأزمة الاقتصادية الحالية.

الحرس الثوري الإيراني ذراع إيران في المنطقة- أرشيف

(2) التفسير الثاني المحتمل يقوم على مقاربة أكثر براغماتية، وربما يؤدي إلى مشكلاتٍ عند رجال الدين الأكثر تشدداً. يرى من يأخذون بهذا التفسير أن القيادة الإيرانية -آية الله خامنئي ودائرته المقربة- تدرك أن الثورة الإيرانية تواجه أزمة وجودية بالنظر إلى ضخامة المشكلات الاقتصادية التي تعانيها البلاد. لم يعد ممكناً التساهل مع الانقسام بين المتشددين والمعتدلين؛ نظراً للضرر الكبير الذي يسببه هذا الانقسام للبلاد، وهذا ما خلق الشعور بالحاجة إلى رجلٍ قوي لديه القدرة على كبح جماح جميع الأطراف. وفي هذه الحالة، فإن رئيسي هو الشخص المثالي القادر على إشهار سوطه في وجه المتشددين والعناصر المضللة في المؤسسة الدينية، وبنفس القدر ضد الأطراف الليبرالية. وفي هذه الحال يصبح رئيسي رئيساً جامعاً براغماتياً أكثر منه رئيساً تقوده الحماسة الأيديولوجية وتوجه خطاه وأفعاله.

اقرأ أيضاً: النظام يختار إبراهيم رئيسي رئيساً لإيران.. وربما مرشداً مقبلاً

(3) ربما يبدو التفسير الثالث أبعد احتمالاً؛ ولكن لا يمكن تجاهله، وهو يقوم على الافتراض أن خامنئي قد أدرك أن الوضع في إيران لم يعد محتملاً، وأن التغيير أصبح ضرورياً؛ ولكن هذا التغيير لا يمكن أن يقوده رئيس إصلاحي ضعيف تحاصره الخلافات المستمرة مع العناصر المتشددة من النظام، بل يجب أن يقودَ هذا التغيير رجل قوي من داخل النظام. وفي هذه الحالة أيضاً يصبح رئيسي المرشح المثالي لهذا الدور؛ فهو متشدد بما فيه الكفاية، ولكنه أثبت في الماضي أنه شخص مطيع، ولذلك فإذا كانت هذه هي المهمة التي سوف تُسند إليه، فإنه سوف يؤديها بشكل جيد. ربما يجب أن يبدأ التغيير من خلال تغيير مسار العلاقات مع الولايات المتحدة، واستغلال الفرصة التي قد يتيحها الرفع الجزئي للعقوبات لإطلاق إصلاحات اقتصادية تقود البلاد للخروج من أزمتها الحالية. وفي هذا السيناريو سيتم تسريع عملية تطبيع العلاقات الحساسة مع الجيران، على الرغم من أن ذلك لن يشمل إسرائيل التي سوف تبقى عدواً.

المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي- أرشيف

لا يمكن استبعاد أيٍّ من هذه التفسيرات الثلاثة، ومن الممكن أن تكون عناصر من جميع هذه التفسيرات تقف مجتمعة وراء اختيار رئيسي. سيتولى الرئيس الجديد منصبه في أغسطس المقبل، وسنعرف قريباً كيف ستهب الرياح. في غضون ذلك، هنالك الكثير على المحك؛ ففي فيينا اختتم الدبلوماسيون لتوِّهم الجولةَ السادسة من المحادثات حول مستقبل الاتفاق النووي الإيراني، وعادوا إلى بلادهم للتشاور. وعندما تُستأنف هذه المحادثات يمكن الافتراض بأن الفريق الإيراني قد تلقى توجيهاته حول موقف الرئيس الجديد؛ ولكن مرة أخرى فالرئيس الجديد -مثل أسلافه- لا يمتلك القول الفصل في هذه المسألة، أو في أية قضية رئيسية أخرى في السياسة الخارجية أو الداخلية؛ ولذلك فإن أي تحول إيراني سيكون له تداعيات أكثر عمقاً على الوجهة التي تسير البلاد نحوها.

♦مدير مركز لينكس يوروب، ورئيس تحرير موقع “commonspace.eu”، ويكتب بشكل منتظم في مسائل الأمن الدولي، وعلاقات أوروبا مع دول الجوار، وفي قضايا الخليج العربي.

لقراءة الأصل الإنكليزي:  Iran has a new president

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة