الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون خليجيةشؤون دولية

رؤية الإمارات الثقافية للسلام في الشرق الأوسط

نورة الكعبي وزيرة الثقافة والشباب في الإمارات العربية المتحدة تشرح في مقال لصحيفة "ذا ناشيونال" الرؤية الثقافية للدولة ودعوتها إلى تعزيز الحوار

كيوبوست- ترجمات

نورة الكعبي♦

نورة الكعبي وزيرة الثقافة والشباب في دولة الإمارات العربية المتحدة- “ذا ناشيونال”

هناك طريقتان للنظر إلى الثقافة؛ الأولى هي جعلها في قالبٍ ثابت وقديم. وإذا نظرنا إلى التخيلات المتطرفة عبر طيف ما، نلاحظ أن جميعها يشترك في فكرة ثابتة حول الثقافة والدين واللغة وأنماط الحياة، وغيرها من محددات الهوية. وبالنسبة إليهم، فإن الحفاظ على الثقافة يعني في الأساس إبقاءها مجمدة ضمن قالبها الزمني؛ حيث يعتقد جميع المتطرفين أن الناس بحاجة إلى الحماية من الأزمان التي يعيشون فيها.

اقرأ أيضاً: صعود الإمارات ومعنى محمد بن زايد

وهناك كلمة واحدة يكرهونها جميعاً بالقدر نفسه؛ هي التغيير أو الإصلاح. وأن أحلام النهضة والرفض، وليس آمال التجديد والتحديث، هي التي تلهم نظرتهم المنحرفة إلى العالم. وهذا هو بالضبط سبب تحديدهم لذواتهم الجماعية على نحو متناقض مع “الآخرين”. إنهم ينفقون الكثير من الطاقة في الحديث عن “الآخرين” دون أن يحاولوا أبداً إخبارنا مَن هم في الواقع. وعلاوة على ذلك، فهم ينظرون إلى التاريخ البشري بأكمله باعتباره صداماً مستمراً لا هوادة فيه بين هويات لا يمكن التوفيق بينها.

أما النظرة الثانية للثقافة فتُعرَّف بأنها ديناميكية ومتطورة باستمرار. ومع التأكيد أن منابع الماضي لا تقدر بثمن من حيث قيمها وحكمتها، فإن هذا الرأي يؤكد أن للثقافة فترة صلاحية خارج المتاحف فقط؛ إذ تتكيف مع المعاصرة وتنمو مع مرور الوقت.

اقرأ أيضاً: مفتاح التعايش: تسامح إلا في التطرف

ومن وجهة النظر هذه، لا يتم تعريف الثقافة على النقيض من “الآخرين” المفترضين؛ ولكن كقوة عضوية تساعد على ربط الناس بالشعوب الأخرى، ونظرة للعالم مع وجهات نظر أخرى في هذا العالم وأسلوب حياة مع أنماط حياة أخرى. وهذا الفهم للثقافة ليس شيئاً يقسم الناس؛ ولكنه قوة لديها إمكانات غنية لإحداث تناغم جذري بين الاختلافات التي تبدو غير قابلة للتوفيق في أنماط التفكير الثابتة.

جاريد كوشنر -كبير مستشاري الرئيس الأمريكي- يطالع نسخة من بيت العائلة الإبراهيمي.. موقع الصلاة المشترك بين الأديان في متحف اللوفر أبوظبي- “ذا ناشيونال”

هكذا تتعامل الإمارات مع الثقافة. إنها رؤية تُقدِّم التقارب على الاختلافات، رؤية تسعى بشدة إلى السلام في عالم يختار أن يرى الصراع على أنه أمر لا مفر منه. وهذه الرؤية غير شائعة بشكل خاص؛ لأنه من السهل تأكيد الاختلافات. ومن المفهوم، وربما الأكثر شعبوية، النظر إلى حالة الصراع على أنها عضوية أو جوهرية في الطبيعة البشرية أكثر من الانسجام والسلام.

لكن الإمارات العربية المتحدة تؤمن إيماناً راسخاً بأن الثقافة هي وسيلة ربطت الشعوب بالفعل، وصنعت التناغم بينها عبر التاريخ. ولعل تواريخنا القديمة والحديثة مليئة بالحالات التي انخرطت فيها الثقافات والحضارات بعضها مع بعض في حوار بناء بدلاً من العداء العدمي. وهذا هو بالضبط سبب وكيفية تمكن العرب في القرون الوسطى، ليس فقط من إحياء أنظمة المعرفة المفقودة للتراث اليوناني الروماني؛ ولكن أيضاً إضافتها بشكل كبير عبر تخصصات متعددة، مما مهَّد الطريق للإصلاح والتنوير في القرون اللاحقة.

شاهد: فيديوغراف.. القبول والثقة يقودان الاتفاق الإسرائيلي- الإماراتي

وتسعى الرؤية الثقافية لدولة الإمارات إلى تعزيزِ الحوار بين الدول؛ بهدف تحديد القواسم المشتركة التي تربط البشرية معاً. وينطوي هذا على ثلاثة مكونات أساسية؛ الأول هو تطوير بنية تحتية ثقافية داخل الدولة تعرض الإرث الإبداعي للإنسانية بكل مجدها، حيث يهدف متحف اللوفر أبوظبي، ومتحف زايد الوطني، والمتاحف وصالات العرض، والأنشطة الأخرى المتنوعة، إلى نشر الرسالة الأساسية للسلام والجمال.

كنيسة الطاهرة للسريان الكاثوليك في مدينة الموصل القديمة بالعراق ضمن دورالعبادة التي تسهم الإمارات في إعادة بنائها- وزارة الثقافة والشباب الإماراتية

وثانياً، تحاول الإمارات أن تلعب دوراً نشطاً في الحفاظ على الثقافة على المستوى الدولي. والدعم الذي تقدمه الإمارات لليونسكو في تجديد التراث الثقافي الثمين في الموصل بالعراق، هو أحدث مثال على ذلك؛ حيث يهدف المشروع إلى تعزيز المصالحة بين المسلمين والمسيحيين من خلال ترميم وإعادة بناء أماكن العبادة التي تعرضت إلى التخريب، والتي تنتمي إلى المجموعتين الدينيتين.

وتجدر الإشارة هنا أيضاً إلى دعم الإمارات للعديد من مشروعات الترميم التي تقوم بها مؤسسة “ألِّف” في العراق، والتي تهدف إلى الحفاظ على التراث الإيزيدي واليهودي. والمكون الثالث من الرؤية الثقافية لدولة الإمارات العربية المتحدة هو التزامها بتعزيز الحوار بين الأديان والثقافات وبين الحضارات.

اقرأ أيضاً: دعماً للإرث الإنساني.. الإمارات تجدد “إحياء روح الموصل”

وكانت زيارة قداسة البابا فرنسيس إلى أبوظبي في عام 2019  “عام التسامح” والأحداث التي أقيمت في تلك المناسبة، أمثلة بارزة على ذلك؛ حيث انضم البابا فرنسيس إلى الدكتور أحمد الطيب إمام الجامع الأزهر ورئيس مجلس حكماء المسلمين في أبوظبي؛ للتوقيع على وثيقة الأخوة الإنسانية التي تدعو إلى الانسجام والتفاهم بين الأديان.

وبينما يقدح المتطرفون زناد الفكر بحثاً عن فرص للاحتكاك والنزاع، تعتقد الإمارات أن هناك الكثير من القواسم المشتركة بين الثقافات المتنوعة في العالم. ويجب تبني هذه السمات المشتركة بشكلٍ كامل من أجل تعزيز الثقافة الإنسانية للوئام والسلام. وجميع المكونات الثلاثة المذكورة أعلاه ذات صلة بالشرق الأوسط أكثر من أي مكان آخر في العالم. ولطالما عانت المنطقة سمعة سيئة كونها أكثر الأماكن احتراقاً وصراعات على وجه الأرض. فإلى متى سنعيش في ظل عار كوننا من سكان أخطر منطقة في العالم؟

وإذا درسنا الصراعات المتعددة في المنطقة، نجد أن السبب الجذري لها جميعاً هو عدم التسامح، ورفض قبول الاختلافات، ونظرة ثابتة للدين والثقافة. وفي هذا السياق من السلبية المطلقة، تحاول الإمارات إحداث فرق من خلال الترويج للثقافة كوسيلة للسلام والوئام. وأثناء القيام بذلك، لا ندَّعي الكمال بأي شكل من الأشكال؛ فنحن نعلم أننا في عمل قيد التطور.

اقرأ أيضاً: دلالات زيارة البابا فرانسيس التاريخية إلى الإمارات

وهذا ليس موقفاً نظرياً. كما أنه ليس تعجرفاً يخلو من الجوهر. والواقع المعيش لدولة الإمارات العربية المتحدة في العقود القليلة الماضية هو تأكيد ممتاز على صحة رؤيتها الرحبة للثقافة. فقد تعايشت المعتقدات والأعراق واللغات والثقافات المتعددة بسلام وتكافل في هذا البلد دون حدوث حالة واحدة من الاشتباكات العنيفة في ما بينها. وهذه تجربة فريدة غير مسبوقة تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن التعايش السلمي ليس حلم يقظة بعيد المنال.

ويمكن أن يكون للعالم مستقبل أفضل إذا تم تقليد هذا النموذج من التناغم، وتم استيعاب الرؤية الكامنة وراءه. ومع احتفال الإمارات العربية المتحدة في العام المقبل باليوبيل الذهبي لميلادها كدولة قومية، فإنها تتطلع إلى رؤية عالم أقل انخراطاً في العنف وأكثر اتحاداً برؤية الوحدة والأخوة.

♦وزيرة الثقافة والشباب في دولة الإمارات العربية المتحدة.

المصدر: ذا ناشيونيال

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة