الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةحسن حنفيمقالات

ذكريات حسن حنفي (1935-2018) المثيرة للجدل

إيهاب الملاح

– 1 –

قبل رحيله بثلاثة أعوام، وعن منشورات الجمعية المصرية الفلسفية، صدر الجزء الأول من السيرة الذاتية للمفكر وأستاذ الفلسفة الراحل حسن حنفي بعنوان «ذكريات (1935-2018)» وهي التي أثارت فور نشرها جدلًا وصخبًا كبيرين، فاقا ما أثاره صاحبه على مدار سنوات حياته من جدل ونقاش، وربما ما زالت بقاياهما حتى رحيله!

وكنت واحدًا ممن استفزهم بعض الآراء المعلنة والتقييمات الإنسانية والفكرية للدكتور حسن حنفي في حق أسماء بعض تلاميذه الروحيين ممن سبقوه إلى رحاب الله (نصر أبو زيد، وعلي مبروك، على سبيل المثال) وكانوا مفكرين وأصحاب مشاريع فكرية تجديدية وإصلاحية لا تقل عمقا ولا قيمة ولا جدة عما قدمه المرحوم حسن حنفي عبر مشوار حياته الحافل.

اشتهر حسن حنفي طوال حياته بالمفكر الزئبقي، وقد كان على ما يبدو يرحب بهذا اللقب، ويسعد به؛ وهو مرتبط أشد الارتباط بتكوينه الفكري والثقافي الموسوعي، ونزعته التوفيقية الإصلاحية الحماسية، فضلًا على خياره الحاسم في طرائق المواجهة الفكرية التي لخصها حسن حنفي بنفسه في عبارته المأثورة المشهورة “أنا أواجه بطريقة حرب العصابات.. أضرب وأجري”!! التي نقلها عنها أكثر من ناقل وراوٍ ولم ينفها حنفي أبدًا!

اقرأ أيضًا: حسن حنفي: الإخوان وباريس.. التراث والتجديد

والغريب والمدهش أن ما كتبه حسن حنفي في سيرته الذاتية، في حق تلاميذه وأبنائه في الفكر الفلسفي والتجديدي ونهج الإصلاح، من قسوة غير مبررة في إصدار الأحكام وإطلاق الاتهامات الأخلاقية (النقل والسطو والبحث عن الشهرة، وخلافه) وشعور عارم بالغيرة والحسد مما حققه تلميذاه النابغان (على وجه التحديد نصر أبو زيد وعلي مبروك).. فعله معه، وبعد يوم واحد فقط من رحيله؛ تلميذه كريم الصياد الذي حصل على درجة الماجستير بإشراف حسن حنفي عن “نظرية الحق في علم أصول الفقه”، وقد كتب منشورًا مطولًا ينعي فيه حنفي في الوقت الذي يقدم فيه تقييما إنسانيا وفكريا للعلاقة التي جمعتهما، وبدا فيها نفس الشيء الذي أبداه حنفي تجاه تلميذيه من قبل؛ القسوة غير المبررة والتنصل من المساحة الإنسانية، وانعدام البعد الأخلاقي والإنساني في الحديث عن راحلٍ توًّا بين يدي الله.. إلخ ما علق به المتابعون والمهتمون على هذا الشأن منذ أصدر حسن حنفي ذكرياته المثيرة للجدل.

لماذا كانت ذكريات حسن حنفي، إذن، مثيرة للجدل والغضب والصخب معا؟

– 2 –

شأنه في كل ما كتب؛ جاءت ذكرياته وافية مسهبة غزيرة التفاصيل والمعلومات تغطي مساحة زمنية تقدر بـ 83 عامًا هي تقريبًا عمر حسن حنفي ورحلته في الحياة؛ فيها محطات ووقائع تحمل معاني الكفاح والتحدي وتقدم نموذجًا إنسانيًا بإرادةٍ لا تلين، وتحمل في الوقت نفسه كل مساحات الضعف البشري، وكل التناقضات التي يمكن أن تجتمع في نموذج مثقف مصري عربي معاصر؛ حلم هو ذاته بالجمع بين المتناقضات! واجتهد في ذلك أيما اجتهاد.

وبغض النظر عن نجاحه في مسعاه من عدمه؛ فإن رحلته وخوضه تجربة هذا الاجتهاد عبر سنوات حياته المديدة؛ حملت في ذاتها تقديرًا عبقريًا للتجربة الإنسانية، ولقيمة الفكر والاجتهاد والتأمل والنظر، وفي النهاية كل ما يحمل القيمة يظل باقيًا دالًا على صاحبه.

غلاف الكتاب

جاءت «ذكريات» حسن حنفي في أحد عشر فصلًا، استهلها بمرحلة الطفولة والنشأة؛ ثم التّعليم الجامعي والحصول على الليسانس في الفلسفة، ثم السّفر إلى فرنسا وهي المرحلة التي قدم فيها حنفي كل أشكال الكفاح والإرادة في سبيل إكمال تعليمه العالي والحصول على درجة الدكتوراه من أعرق جامعات باريس، ثم مرحلة الأستاذ الجامعي، والسفر إلى أمريكا، وفصول أخرى متعانقة بين الفلسفة ومشاريعها، والتعليم وهمومه، والتّجارب والخبرات..

واختتم حنفي ذكرياته بفصلٍ عاطفي وإنساني عنوانه “كل نفسٍ ذائقة الموت”، كأنه ينعي نفسه في الفصلِ الأخير من فصولِ الحكاية الطويلة التي استمرت ثمانية عقود متصلة؛ وقد كان نعيًا صادقًا بكلِّ ما تحمله الكلمة؛ وحقق له الله أمنيته بأن مدَّ في عمره بعدها ثلاث سنوات أخرى أكمل فيها بعض أو معظم أو كل ما كان يتمنى أن يكمله ويخرجه من أعماله الفكرية ومشروعاته التأليفية الزاخرة.

وفي تصوري، ومن واقع مراجعة الكتب التي أخرجها المرحوم حسن حنفي في سنواته الأخيرة، يمثل كتاب «ذكريات» حلقة ضمن حلقات أخرى ربما تمثل في مجملها السيرة الذاتية الكاملة للمفكر وأستاذ الفلسفة الراحل؛ التي تغطي أهم الشخصيات الفكرية والفلسفية التي التقاها وتأثر بها أو زاملها وحاورها بل حتى اختلف معها، وكذلك رأيه ومعالجاته في العديد من القضايا التي ناوشها في السنوات الأخيرة من عمره واحتلت مساحة من فكره ومشروعه مترامي الأطراف.

اقرأ أيضًا: حسن حنفي.. الرحيل المؤجل

فمن يقرأ كتابه الضخم «شخصيات وقضايا» (يقع في 1000 صفحة تقريبا من القطع الكبير) يستطيع بسهولة أن يحدد ملامح وروح الكتابة ونهجها وحتى أسلوبيتها السردية التي لا تفارق كتابه «ذكريات»؛ فهي ذاتها التي تقوم على البوح والمراجعة واستشعار دنو الأجل؛ ومن ثم اتسمت بقدرٍ كبير من النزاهة والشفافية والصدق والصراحة، بل قد جاوزت ذلك كله إلى الاعتراف والإفصاح عما كان من الأفضل عدم التصريح به (المشاعر السلبية الدفينة التي جمعت خليطًا عشوائيا وغير متجانس من الحسد والغيرة وتعاظم الإحساس بالذات، والتهوين من شأن الآخرين لحساب مشروعه هو نفسه.. إلخ).

– 3 –

يعود جزء كبير من قيمة هذه الذكريات إلى تأريخها الوافي لحقبة تاريخية كاملة؛ على كل المستويات؛ سياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا وفكريًا، وقد كان حسن حنفي أحد الذين تأثروا بكل الظروف والسياقات المؤطرة لمسيرة حياته، وكفاحه المثير للإعجاب والتقدير معًا في سبيل إنجاز مشواره التعليمي والعلمي، والداراسات العليا، بجديةٍ ودأب واقتدار لا نظير لها!

سنعرف من الفصول التي كتبها عن دراسته الجامعية، وتخرجه في قسم الفلسفة بكلية الآداب، ثم سفره إلى فرنسا للحصول على الدكتوراه أنه عاد مرفوع الرأس حاملا شهادة الدكتوراه في الفلسفة الحديثة بأطروحته عن الظاهراتية التأويل، وذلك بعد كفاح مرير دام لعشر سنوات كاملة!

غلاف كتاب “شخصيات وقضايا”

بالتأكيد ستكون السيرة ملهمة لأجيال وأجيالٍ من الشباب، حينما يقرأون تفاصيل سفره ورغبته وإصراره على تعلم الفرنسية، ثم إجادة الألمانية فضلًا على الإنجليزية، ورغم حرمانه من الحصول على بعثة مستحقة على نفقة الدولة فقد سافر هو على نفقته الخاصة، وعمل بمهن عديدة في فرنسا من أول غسل الصحون وحتى حراسة البيوت والمنازل الخاصة، وكل ذلك نظير ما يمكن أن يساعده على إتمام دراسته في السوربون والحصول على الدكتوراه.

عشر سنواتٍ في فرنسا “غيرته بالكلية وعمقت تجربته العلمية والحياتية”، كما يقول نصا في ذكرياته. عاد بعضها إلى مصر وهو أكثر اصرارا وإرادة على تحقيق حلمه، وسيرفض قاطعا التعيين في جامعة عين شمس، ويتمسك بأحقيته في التعيين بجامعة القاهرة، في الكلية التي تخرج فيها والقسم الذي انتسب إليه، وهكذا وبإصرار لا يلين تحصل حسن حنفي على مكان في عضوية هيئة التدريس بكلية الآداب قسم الفلسفة، بل إنه درس مادة الفلسفة الإسلامية في العام الدراسي (1967/ 1968) بدلا من تدريسه مقررا متصلا بالفلسفة الأوروبية الحديثة أو الفلسفة المسيحية في العصور الوسطى

وسنعرف كامل تفاصيل تلك الفترة التي مارس فيها التدريس بجامعة القاهرة، وترؤسه لقسم الفلسفة بعد ذلك، ويعلن حينها أنه كان يطمح طموحًا حقيقيا إلى تأسيس تيار فكري أصيل داخل قسم الفلسفة بجامعة القاهرة، يقول:

“كان همي إنما هو تكوين مدرسة فكرية في القسم، كما فعل طه حسين وأمين الخولي بقسم اللغة العربية، ومصطفى عبد الرازق بقسم الفلسفة، ومحمد أنيس بقسم التاريخ، ومحمد صقر خفاجة بقسم الدراسات اليونانية واللاتينية، ورشاد رشدي بقسم اللغة الإنجليزية”.

اقرأ أيضًا: حسن حنفي ومشروعه الكبير عن “التراث والتجديد”

– 4 –

في أزمة الأستاذ وتلاميذه!

ولعل الكتاب بفصوله جميعًا مثال مدهش على الدقة والانضباط والإمتاع الذي تحققه لقارئها من حيث السلاسة الأسلوبية، والتدفق المدهش في السرد، فضلا على غزارة المعلومات التي يبثها حسن حنفي يمينًا ويسارًا، وهو مغر بالقراءة من أول سطر حتى آخر سطر ويصعب فعلا تلخيصه أو اقتطاع أجزاء منه فكلها مهم وكلها يستحق النقل والاقتباس، لكن يبقى دائما من بين الفصول والذكريات ما يستحق وحده أن يشار إليه ويتوقف عنده لما تثيره من جدل ونقاش واختلاف في الآراء وتجاذب في الردود، لكنها تمثل في النهاية موقفا فكريا وشهادة إنسانية وعلمية وثقافية مهما كان الرأي فيها أو حولها فإنها تستحق النظر والتنويه والتأمل.

وبهذا المعنى يمكن أن نتوقف قليلا لدى بعض وقائع وتفاصيل الفصل الثامن المثير للجدل الذي عالج فيه بعض ما كان دفينًا بداخله تجاه اثنين من تلاميذه؛ وقد سبقاه إلى رحاب الله، ربما كانا الأهم والأبرز في مسيرته الأكاديمية والفلسفية كلها؛ وهما المرحوم نصر أبو زيد (1943-2010) والمرحوم علي مبروك (1959-2016).

وقد كانا -الاثنين- علمين على محنة البحث العلمي وحرية التفكير في مصر وعالمنا العربي؛ فقد تعرض الأول لمحنة التكفير وتم التفريق بينه وبين زوجه بحكم قضائي مشين بتهمة الإلحاد وإنكار وجود الله، ترتب عليه تهديد حياته واختياره النفي طواعية من مصر إلى هولندا وحتى وفاته.

غلاف كتاب “حوار الأجيال”

أما علي مبروك، فقد تعرض للاضطهاد والتنكيل في قسم الفلسفة بسبب جرأة وعمق طروحاته الفكرية والفلسفية وتقديمه رؤية نقدية تحليلية، وتأويلية مدهشة، لقضايا إشكالية في التراث الإسلامي، ما نتج عنه تأخر ترقيته من مدرس إلى أستاذ مساعد ما يزيد على ثماني سنوات، وتأخر ترقيته لعددٍ مماثل من السنوات إلى أستاذ! ما دفع به إلى الخروج من قسم الفلسفة وكلية الآداب والجامعة، ومن مصر كلها ليدرس في جامعات جنوب إفريقيا وإندونيسيا وتتضح معالم مشروعه النقدي الفكري العميق الذي حاز احترام وتقدير المفكرين والمهتمين بقضايا الإصلاح الديني في العالم أجمع.

وفي المحنتين كان موقف حسن حنفي مثيرًا لعلامات الدهشة والسؤال والتعجب! فقد تخلى حرفيا عن نصر أبو زيد، ولم ينشط في الدفاع عنه كما توقع وانتظر الكثيرون، بل طلب منه التراجع عن مواقفه الفكرية والأكاديمية والانصياع للريح غير المواتية بحسب تصوره لكيفية وآليات المواجهة الفكرية في مجتمعاتنا المتراجعة حضاريًا!

كان ذلك في أواسط التسعينيات من القرن الماضي، في وقت نشطت فيه جماعات التكفير والإرهاب على اغتيال كل صوت حر وجريء في طرحها الفكري، ونقدها للمشروع الإسلاموي، ولم يكن اغتيال فرج فودة ببعيد (1992)، ومحاولة اغتيال نجيب محفوظ (أكتوبر 1994)، ومن ثم فقد كان استمرار نصر أبو زيد في البقاء بمصر يشكل خطرا حقيقيا على حياته وحياة أسرته، ومن ثم اضطر إلى قبول العرض الذي قدمته له جامعة أوترخت بهولندا للتدريس بها.

اقرأ أيضًا: حسن حنفي.. المفكر المثير للجدل!

الغريب، ومع كل ما عاناه نصر من تنكيل واضطهاد، وخروج من الجامعة والبلد كلها، بل كانت حياته نفسها مهددة، فإن حسن حنفي لم يستطع كبح جماح مشاعر الغيرة والحسد التي اشتعلت بداخله جراء ما حققه تلميذه من شهرة عريضة لا في مصر وحدها بل في جميع أنحاء العالم، وقد استكثر عليه أن تصفه بعض الدوائر العلمية والفكرية في الخارج بالمفكر الإصلاحي الأهم في مصر والعالم العربي في القرن العشرين. ولهذا جاءت هذه الأسطر التي كتبها حسن حنفي عن تلميذه دالة بما حملته من مشاعر دفينة وقديمة، وذلك في معرض حديثه عن علي مبروك؛ يقول:

“كان يريد (أي علي مبروك) الشهرةَ بسرعة، فالتصق بتلميذي الآخر نصر حامد أبو زيد لأنه لم يعترض على الشهرة السريعة أو مخاطبة الإعلام. وبدأ الخروج إلى الإعلام، وكتابة أفكاره في الصحف، فكان يأخذ قطعةً من «الندَّاغة» من فمي فيُكوِّن منها بالونةً كبيرة حتى تَكبَر ويراها الناس ثم تَنفجِر بسرعة لأنها لا تَستمِد هواءها من ذاتها. كان هدفه الشرب من بئري لينال شهرة نصر حامد أبو زيد؛ فهو خليفته، مع أنه على النقيض؛ فنصر حفَر بيدَيه بعد أن أخذ الشرارة مني. ونبَّهتُه إلى أن ذلك ليس بحثًا علميًّا، ونبَّهتُه إلى أن البحث العلمي ليس أخذ قطعةٍ من السكر أو الملح من ماء غيره ويذيبها، فلم يستمع، وتقدَّم ببحوث من هذا النوع، العلم مني، والشهرة من نصر حامد أبو زيد، وأسمع من الزملاء أنه كان كثير النقد والتجريح لي”.

ويكتب جمال عمر واحد من تلاميذ الراحلين الثلاثة بالفكر والانتساب؛ عن تصور حسن حنفي لأزمة نصر أبو زيد برمتها؛ يقول: “كانت الكلمات تخرج من فم حسن بدقة شديدة وبمرارة، حين قال عن موقف نصر أبو زيد حينما طلَب منه حسن أن يحني رأسه للتيار، أثناء أزمة الترقية في بدايات التسعينيات، وأن يفعل كما فعل حسن ذاته من قبل، مرة بعد مرة، من أن يحني الرأس، ويصمت وينتظر، فالوقت في نظر حسن لم يحن بعد، فمنهجه “نحن نضرب ونجري؛ حرب عصابات” ليقول حسن إن نصر كان رأيه “أن القضية ليست قضية ترقية، إنما قضية الدخول في معركة تنويرية”

غلاف كتاب “التراث والتجديد”

ويُعقِب حسن حنفي على هذا الرأي قائلًا: “وقد يكون الدخول في معركة الرأي العام أكسب من البقاء في مدرج الجامعة، وقد يكون هذا صحيحًا”، ثم يقول حسن حنفي بمرارة، وكأنه ظل يقاوم الاعتراف بهذه الحقيقة بينه وبين نفسه لسنوات، فقال عن نصر: “هو أثّر بفكره وحياته وبكتبه ومؤلفاته أكثر مما أثرت أنا، لكن أنا راضٍ بما أفعله داخل الجامعة”.

– 5 –

كذلك، ساهم حسن حنفي -بقصدٍ أو بغير قصد- في مضاعفة محنة الثاني، وتعميق آلامه وجراحه الإنسانية جراء مهاجمة أستاذه له وانقلابه عليه، ومعاداته معاداة صريحة عنيفة شرسة، شهدها القاصي والداني في الجامعة وخارجها.

سأنقل هنا نصًا بعض الأسطر التي كتبها حسن حنفي في حق تلميذه الراحل الذي حاز لقب المفكر والفيلسوف والمجدد منذ بواكير مشواره العلمي والأكاديمي والبحثي في ثمانينيات القرن الماضي، ولم يكن قد تجاوز الثلاثين من عمره! يقول حسن حنفي عن علي مبروك:

“النموذج الثاني الذي تبدو عليه علامات النبوغ الفكري كمُفكِّر وليس كباحث، والبحث العلمي أداةٌ للتفكير الحر. وجد صعوباتٍ في حصوله على الماجستير؛ لأن الفلسفة الإسلامية كانت تتم بشكلٍ تقليدي تاريخي. وكرَّر نفس الشيء في الدكتوراه معي، فكرٌ جيد ولكن بحثٌ علمي ضعيف غيرُ مُوثَّق، فنصحتُه أنه يمكن أن يحصل على الدكتوراه معي، ولكن المهم ما بعد الدكتوراه أن يعيد النظر في منهجه؛ لأنه لا يحفِر بيديه ويستخرج النفط من البئر بنفسه دون أن يعتمد على أفكار الآخرِين، ويُعيد إنتاجها بأسلوبٍ جديد؛ فجيِّدٌ أن يكون الإنسان مُفكرًا بعد البحث والتمحيص والحفر باليدَين، وليس قبله، ولم يستمع”.

غلاف كتاب “الهوية”

المدهش أن علي مبروك قبل وفاته بقليل، ورغم كل ما عاناه من تخلي حسن حنفي عنه، والمساهمة في مضاعفة محنته، وتأخير ترقيته إلى أستاذ مساعد، ثم إلى أستاذ؛ فإنه لم يتوانَ في الدفاع عن أستاذه دفاعًا مجيدًا حينما اتهم المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية حسن حنفي بإنكار وجود الله! لم يرد حسن حنفي على الاتهام الذي كان كفيلًا بتعريضه مباشرة لأنياب المتأسلمين مثلما ردّ علي مبروك.. ردا عقلانيا مقنعا ومبددا لكل شبهة والتباس وناسفا الاتهام من أساسه!

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة