الواجهة الرئيسيةشؤون خليجيةشؤون دولية

د.عمر الحمادي لـ”كيوبوست”: نحن بحاجة إلى تطوير منصة لقاحات جاهزة لمواجهة الوباء القادم

مؤلف كتاب «الاجتياح»: أزمة "كورونا" خلقت خبرة وتجارب سيتم تسجيلها في كتب التاريخ

دبي: مروان البلوشي

بدأ مسيرته بأطروحاتٍ متنوعة بين كتابات تسترجع التراث وتنتقده وتهذبه، وبين الأدب الساخر واهتمامات أخرى تدل على عقلٍ موسوعي، ورغبة في إثراء الفضاء العام. الدكتور عمر الحمادي يمثل استمرارية لطابورٍ طويل من الأطباء العرب الذين قادتهم كفاءتهم نحو آفاقٍ واسعة خارج حدود مهنتهم.

في حديثٍ خصّ به موقع “كيوبوست”، تحدث استشاري الامراض الباطنية ونائب رئيس جمعية الامارات للأمراض الباطنية د.عمر الحمادي عن كتابه الأخير، والذي تناول موضوع جائحة “كورونا” تحت عنوان “الاجتياح”، فضلاً عن الدروس المستفادة من التجربة الإماراتية في مكافحة هذه الجائحة، وإلى نص الحوار…

– قيل الكثير حول الاستجابة الإماراتية لجائحة “كوفيد-19″، وبعيداً عن تكرار ما قيل، ما الدروس المستفادة؟ وما المجالات التي ترى أن على الدولة الإماراتية -وغيرها- الاستثمار بها؟

فيروس كورونا المستجد كان بالون اختبار هبط من السماء ليمر على مناطق الكرة الأرضية دولةً دولة، ليكشف عن مواطن الضعف في الأنظمة الصحية المختلفة. هناك دول استوعبت الصدمة مبكراً، وهناك دول أنكرت وجود مشكلة من الأساس، وهناك دول اتبعت مبدأ ننتظر ونرى ماذا سيحدث، وهناك دول أخذت تبحث عن كبش فداء تلقي عليه اللائمة، وهناك دول قررت أن تتبع سياسة مناعة القطيع؛ حتى لا ينهار اقتصادها.

هذه التجارب ستكون مصدراً غنياً للأمثلة عند أصحاب دورات التعامل مع الكوارث والأزمات؛ الجميع سمع عن إعلان حالة الطوارئ في أواخر شهر يناير، لكن هل تصرف الجميع بنفس الطريقة؟

حذر رئيس منظمة الصحة العالمية من كون الالتزام السياسي في بعض الدول لا يرقى لحجم الخطر المحدق بشعوب تلك الدول. قال البروفيسور “سلافوي جيجك”، إن وجود الدولة القوية أمر مهم وضروري في جائحة كهذه؛ كي تتمكن من تطبيق إجراءات واسعة النطاق -كالحجر الصحي- بانضباطٍ عسكري كامل.

شاهد: فيديوغراف: نجاح باهر لحملة اللقاح الوطنية ضد فيروس كورونا في الإمارات

لا نستطيع أن ننكر أن حياتنا صارت على كف عفريت “كوروني” يقرر لنا مسار حياتنا، نجد أنفسنا تحت ضغط هائل وكأننا منحشرون في طريق مزدحم، خالٍ من الإرشادات. كلنا نريد العودة إلى ذلك الوضع الطبيعي في عام 2019 الذي صار في مخيلتنا لحظاتٍ من القداسة والطهارة والصفاء، نعتقد أن ذلك هو حقنا المشروع، وهو بالفعل كذلك؛ لكن هناك كائنات حية أخرى تريد أن تزاحمنا في وجودنا لتأخذ قطعة من الكعكة، لأنها تراها حقاً مشروعاً لها كمواطن مقيم في الكرة الأرضية، له حقوق وعليه واجبات.

أكثر ما يهمنا معرفته الآن هو إذا ما كان الوباء سينتهي عاجلاً أم آجلاً، أحياناً تنتهي الأوبئة بسرعةٍ خاطفة وأحياناً تأخذ سنوات طويلة لتنتهي بالتدريج؛ قد تنتهي بضرباتٍ ساحقة منا، ثم تعاود الظهور مرة أخرى لتنتهي مجدداً، هكذا في دوران لا ينتهي. كان العلماءُ يتوقعون جائحة كبرى قادمة من الإنفلونزا تشبه الإنفلونزا الإسبانية، التي لا يوجد ضدها -إلى الآن- مناعة مستدامة تمنع تكرارها، وبينما كانت عيون العلماء متجهة إلى مدينة الإنفلونزا الحصينة، جاء الهجوم من مدينة الإكليل والتيجان الناصعة، “كورونا”.

الإنفلونزا الإسبانية حصدت أرواح الملايين- وكالات

نحن بحاجة إلى الأساس العلمي الذي يزيد من مقدرتنا الميدانية على مراقبة الجراثيم، وتقصيها قبل أن تتحول إلى أوبئة إقليمية، فإن لم نتمكن من التنبؤ بها فعلينا أن نكون متيقظين لها متى ما قررت أن تُظهر قبحها وكآبة منظرها. هذا الأمر سيتطلب تعاوناً بين منظمات ومؤسسات الصحة العالمية؛ من أجل تجنب المفاجآت الوبائية والاتفاق على آلية للإنذار المبكر عند دق العلماء أجراس الخطر الوبائي. ثم يأتي دور المُنصتين لأصوات العلماء من رجال السياسة والاقتصاد والمفكرين؛ من أجل اتخاذ الخطوات التي تتناسب مع حجم الكارثة المتوقعة.

علينا أن ندرك أن هذه الأوبئة قد تكون انعكاساً لأفعالنا، نستطيع التحكم في حجمها من خلال التحكم في العوامل البشرية المُسببة لها أو التي تزيد من اشتعالها؛ فمنا مَن أكل الحيوانات البرية، ومنا من أقام معها، ومنا من دفعها للتكاثر، ومنا من وضعها في المصانع، ومنا من جعلها أدوات سياحية، ومنا من أدخلها بيته، وعلى كل منا أن يتحمل وزرها المُثقل بأمراضٍ قائمة، وأمراضٍ نائمة، وأمراضٍ محتملة.

الأوبئة تدفع دائماً إلى التغيير؛ الفيروسات تساعدنا في كشف عيوبٍ مميتة في أنظمتنا الصحية، ستفرز إصلاحات تاريخية فيها. كذلك سيصلح نظام الأسرة وقد تسير في اتجاه أكثر تماسكاً. سيأخذ كبار السن والأطفال وذوو الإعاقة الذهنية والجسدية، قدراً أكبر من الاهتمام والرعاية على مستوى الأسرة والدولة. صحة الناس في كفة، والاقتصاد في كفة أخرى، كلاهما وجهان لنفس العملة، يجب الموازنة بينهما بحذرٍ شديد؛ فالاقتصاد الصحي مرتبط بصحة الناس. يجب سبر جميع مخاوف الناس من الموت والخسارة والتعامل معها. تجب إعادة افتتاح مرافق الاقتصاد بالتدريج، وفي نفس الوقت تجب حماية كبار السن والفئات الأضعف؛ فلا خير في الإنسان إن لم يكن للقوي فيه خيرُ للضعيف.

اقرأ أيضًا: التغير المناخي والأوبئة الجديدة.. هل نحن مستعدون؟

– كتابكَ الذي صدر مؤخراً بعنوان «الاجتياح.. كورونا: ماذا حدث؟ وكيف يبدو المستقبل؟»، هو الأول من نوعه إماراتياً وعربياً، وقُمتَ فيه بتغطية الموضوع من كل جوانبه، كيف تقيِّم استجابة العلماء والباحثين للجائحة من ناحية مستوى الدراسات والأبحاث التي قاموا بها ودقة الخُلاصات التي تقدمها؟

يهدف الكتاب إلى تقديم مقاربةٍ لتفشي الجوائح والأوبئة، باستخدام نموذج “كورونا”. حركة الأمراض المعدية ليست سراً؛ فهي تتبع نفس الأسلوب عبر التاريخ، تمتطي أجساداً طرية وتقفز منها من عائل لآخر، لا يهمها ماذا صنعت في الخلايا والأنسجة الحية، ولا في الأسر المنكوبة، كل ما يهمها أن ترى أحفادها يتكاثرون ويتوسعون ويفتتحون مستعمرات جديدة، بعدما هدموا المدن المعمورة والمقاومة.

المستقبل الخالي من الأمراض المعدية هو مستقبل غير واقعي؛ فالكائنات الحية ستبقى تتطفل بعضها على بعض إلى الأبد؛ هذا أمر لا يمكن تغييره، ستواصل الأمراض الجديدة الظهور بسبب الطفرات وانتقال العدوى من الحيوانات إلى البشر واختلاط الجراثيم وخلوتها المحرمة بعضها مع بعض؛ لارتكاب إثم تبادل الخبرات الجينية. ستواصل الأمراض الموجودة حالياً التطور حتى تهرب من وسائل مكافحتها، كل ما نستطيع فعله هو التعايش معها، ومحاولة تقليل آثارها علينا، ومنعها من التحول إلى أوبئة وجوائح خطيرة؛ حتى نستمر في الحياة في عالم أكثر أمناً.

غلاف الكتاب

– أشرتَ في كتابك إلى التفاوت في استجابة الدول للجائحة، هل ترى أنها ضربت السردية الغربية حول تفوق النموذج الديمقراطي في الحُكم على غيره؟

الجائحة ليست مجرد تفشٍّ متسارع لفيروسٍ هارب من قبضة منظمة الصحة العالمية؛ إنها اجتياح مكون من تفاعلات طبيعية وثقافية واجتماعية بعضها مع بعض، أدت إلى خلق ثلاث مشاكل كبرى: كارثة صحية، وانهيار اقتصادي، وأزمات نفسية. كتب “توماس فريدمان” أنها ستكون بداية لتقويمٍ جديد للعالم، وخطاً فاصلاً لحقبة ما “قبل كورونا” وما “بعد كورونا”، صحيح أن “هنري كيسنجر” -وزير الخارجية الأمريكي الأسبق- قال إنها ستغير النظام العالمي للأبد، فإن البشرية دائماً تخرج من الأوبئة، وكأن شيئاً لم يكن. من يصدق أن متعة السفر هي مصدر دمار العالم، وأن تجمعاتنا التي نتباهى بها هي مصدر نشوة الفيروسات؟

في أواخر يونيو 2020 كتب “فرانسيس فوكوياما” مقالاً مهماً بعنوان “الجائحة والنظام السياسي”، جاء فيه أن الأزمات الكبرى عادة تخلف عواقب جسيمة وغير متوقعة؛ فأزمة الكساد الكبير في الولايات المتحدة في عشرينيات القرن العشرين شجعت على مبادئ الانعزالية والقومية والفاشية، وأدت في النهاية إلى نشوب الحرب العالمية الثانية، التي كانت نتيجتها صعود الولايات المتحدة كقوة عظمى مؤذنة بانتهاء عهد الاستعمار. حسب فوكوياما، كان واضحاً أن أداء البلدان كان مختلفاً بعضها عن بعض؛ لم يكن الأمر متعلقاً بأنظمة الحكم -سواء أكانت ديمقراطية أم غير ديمقراطية- بقدر ما كان متعلقاً بكفاءة أجهزة الدولة، وثقة المواطنين بالدولة ووجود قيادات فعالة فيها، هذه العوامل هي التي ساعدت في الحد من الأضرار. أما الدول التي عانت أشد المعاناة، وعرضت مواطنيها واقتصاداتها إلى الخطر، فكانت الدول التي تعاني اختلالاً في الأداء الحكومي، وتفتقر إلى القيادة وكان تعاني الاستقطاب داخل مجتمعاتها.

فرانسيس فوكوياما- أرشيف

خلقت أزمة “كورونا” خبرة وتجارب سيتم تسجيلها في كتب التاريخ، لم يكن الاحتواء ليتناسب مع الديمقراطية السطحية بقدر تناسبه مع انسجام الأفراد مع الحكومة الرشيدة، فإن لم تكن رشيدة فهذا يعني أنها الآن تعاني بشدة. مع “كورونا”، سقطت أوراق التوت، صارت عملية تصنيع الأدوية واللقاحات تحت أعين الناس وكاميرات الإعلام، ولم تعد تسرح وتمرح تحت مظلة شركات الأدوية والمستثمرين.

كتب “هيغل” أن الشيء الوحيد الذي يمكن تعلمه من التاريخ هو أنه لا يمكن تعلم أي شيء منه. في كل جائحة أو وباء، نتبع أنماطاً سلوكية معينة، نكرر نفس أخطاء الماضي الذي كنا نقرأ عنه كل هذه السنين، يؤثر في قراراتنا السياسة والاقتصاد والهوى والأنانية وأزمة الأخلاق؛ فكل أزمة قد تتحول إلى استثمار ومضاربة وحرب إعلامية واتهامات متبادلة، يمتزج الطب بالسحر، والحقيقة بالوهم، والعلم بالأسطورة، قد يعلو الصوت الأكثر حماقة فقط لأنه أكثر حدة ضوضائية. خط الدفاع الأول من عاملين في القطاع الصحي والعلمي والتقني والأمني والتطوعي في مواجهة مفتوحة، فئة تحاصر الوباء، وفئة تعالجه، وفئة تمنعه، وفئة ترسم مستقبلاً لا تتكرر فيه أخطاء المحنة.

اقرأ أيضًا: فرانسيس فوكوياما يكتب: الجائحة والنظام السياسي

– تم طرح عدة تساؤلات وافتراضات حول ما إذا كان الكوفيد سلاحاً بيولوجياً، وأثارت هذه التساؤلات بلبلة ذهنية وثقافية صبغت النقاشات الإعلامية.. ما تحليلك؟

الكثيرون لا يستطيعون تجزئة المعطيات لرسم لوحة الحقيقة؛ فهي إما بيضاء وإما سوداء، لا يمكن أن تأخذ شيئاً من الأبيض وشيئاً من الأسود لتصبح رمادية اللون، ذلك غير ممكن، هذا الأمر يذكرنا بسرير “بروكرست” الذي روته الميثولوجيا اليونانية؛ كان “بروكرست” قاطع طريق يدعو الغرباء إلى زيارة منزله، ثم يرغمهم على المبيت في سريره، إن كانوا أطول قطع الزيادة من أطرافهم، وإن كانوا أقصر شدهم حتى الموت. هكذا يفعل الناس مع الحقيقة؛ إما أنهم يقلمون أظافرها لتناسب مساحة تفكيرهم، وإما أنهم يشوهونها ويشدونها لكي تناسب مقاساتهم المُسبقة.

كتب أحد المثقفين العرب قائلاً: (ما نعيشه اليوم هو إرهاب العلم، إرهاب التقنية، عندما لا توجد شعوب تستحق الحياة كما يقول “توماس مالتوس”، من حق العلم أن يبيد كبار السن والعاجزين، وهذا ما كشفت عنه بعض البحوث التي تتحدث عن عسكرة الفضاء، وكهربته بآلاف الأقمار الصناعية، وتأثير ذلك على جينات الإنسان الحية).

صورة تعبيرية للعالم أمام عينة من كورونا

أذهاننا تميل إلى وجهات النظر التي وافقت أهواءنا ومعتقداتنا المسبقة، حتى العلماء لم يسلموا من التسليم الخفي لما اعتقدوه سابقاً، في عام 2011، أعلنت مجموعة من علماء الفيزياء أنهم قاسوا سرعة النيوترونات ووجدوا أنها تتحرك بسرعة أكبر من سرعة الضوء، بالطبع لا يتجرأ أحد على الادعاء بوجود شيء يتحرك بسرعة أكبر من سرعة الضوء المقدسة، ساد جو عام من التشكيك في الوسط الفيزيائي العلمي، صحيح أنه تمت إعادة التجربة وتم اكتشاف خطأ القياس فيها؛ لكن المسألة أظهرت لنا أن درجة التصديق المسبق لفكرة مقدسة وراسخة هي درجة منخفضة جداً حتى بين العلماء أنفسهم.

لا أفهم كيف ستجني حكومة أو شركة أدوية أرباحاً من جائحة خلقتها بيدها وتكبدت من ورائها خسائر فادحة، هل يعلم المؤامراتيون أن خسائر الاقتصاد العالمي بين عامَي 2020 و2021 قد تبلغ 12.5 تريليون دولار أمريكي، وأنها قد بلغت 8 تريليونات في عام 2020. سيتوجه الإنفاق إلى صناعة الدواء واللقاح وسيتم تقييد أسعار الفائدة، وستتفاقم أوضاع الديون العالمية.

اقرأ أيضًا: لقاح كوفيد يكشف عن ثغرة في عدالة التوزيع العالمي

توقع المختصون أن تخسر أغلب اقتصادات العالم نسبة معتبرة من الناتج المحلي بسبب “كورونا” مع حصول انكماش اقتصادي يبلغ 4% في سنة الجائحة، فقد تراجع حجم التجارة العالمي بنسبة الخُمس، وتراجعت الاستثمارات الأجنبية بنسبة 40%، وهبطت التحويلات المالية بمقدار مئة مليار دولار، وشُلت قطاعات السياحة والسفر والطاقة شللاً شبه كامل.

خسرت منطقة الشرق الأوسط وحدها أكثر من 1.7 مليون وظيفة في قطاع النقل الجوي خلال الجائحة. فهل بعد كل تلك المآسي والكوارث الكورونية -التي أضرت بجميع دول العالم بلا استثناء- نُسوغ ونروج لوجود تواطؤ حكومي مع شركة أدوية من أجل كسب بضعة مليارات من الدولارات من وراء إنتاج دواء أو لقاح؟ إن كان الأمر كذلك فإن هذه الشراكة ومخططيها في غاية الغباء والحماقة؛ لأن معدل الربح الذي جنوه كان قطرة مغمورة في بحر لا ساحل له من الخسارة.

اقرأ أيضًا: جائحة كورونا ستسرع من وتيرة التاريخ أكثر من إعادة تشكيله

كذلك ينبغي ملاحظة أمر في غاية الأهمية عند النظر في الحجج والتساؤلات، علم المنطق ينبهنا إلى أن الحجة قد تكون صحيحة في بنائها المنطقي؛ لكنها ليست صادقة، كأن تكون حجة سليمة مبنية على مقدمة كاذبة. مثال: التفاح من الثدييات، كل الثدييات تأكل النباتات، إذن التفاح يأكل النباتات، البناء المنطقي لهذه الحجة صحيح تماماً من حيث وجود مقدمة تتلوها نتيجة مترتبة على المقدمة، إلا أن الحجة غير صحيحة؛ لأن التفاح ليس من الثدييات، فكل نتيجة خرجت من هذا الافتراض تكون خاطئة. هذا بالضبط ما يفعله أنصار نظرية المؤامرة حين يروجون مقدمات -نسجوها من خيالهم الواسع- مثل (يوجد معمل بيولوجي تديره شركات أدوية كبرى)، تتلوها نتائج منطقية لتلك المقدمة المفبركة (المعمل أنتج فيروس كورونا من أجل تسويق أدوية مكدسة في المخازن).

– ازدهرت نظريات المؤامرة حول الجائحة، ولا شك أننا نفضل الاعتماد على العلم؛ ولكن من وجهة نظرك كمتخصص، ما أقرب هذه النظريات للواقع؟ ما النظرية التي جعلتك تقف وتشك في ما يحصل؟

علينا أن نعترف بأننا معاشر البشر، نُعتبر فريسة سهلة للأوهام والضلالات، حتى عباقرتنا سقطوا في فخ التهيؤات، لا يوجد استثناءات لذلك. تمنح نظرية المؤامرة الشخص شعوراً بالأمان في مواجهة العالم المعقد الذي لا يستطيع فهمه؛ فالإنسان المغلوب على أمره هو ضحية لمكائد وألاعيب أكبر عنه، فما عليه سوى الاسترخاء ومد رجليه في ماء معتدل السخونة؛ لأنه ضحية لمؤامرة أكبر منه، هنا تصبح النظرية آلية دفاعية ترتبط بتصديق الأنماط الكاذبة في الأحداث العشوائية.

شاهد: فيديوغراف.. خطورة نظريات المؤامرة في ظل انتشار “كورونا”

هكذا فعل البعض حين تمسك بنظرية المؤامرة في أزمة كورونا، حاول أن يبحث عن الخيارات التي تدعم أن الفيروس مُعَدٌّ للتخلص منه أو أن الهدف منه هو ضرب مصالح دول بعينها، قد يكون هذا الأمر صحيحاً من الناحية النظرية؛ لكن علينا ألا ننسى أننا مستعدون للإيمان بكل ما يوافق فكرة مثيرة وجذابة اختمرت في عقولنا في زمن سابق، بل وقد يكون من يتحدث بما يخالف نمط التفكير الجماعي شاذاً عن المألوف ومنبوذاً من مجتمعه؛ فالكثيرون يريدون أن يكونوا جزءاً من الحشد المؤمن بالمؤامرة الكبرى، حتى لا يكونوا معزوفة موسيقية ناشزة.

يدَّعي أصحاب نظرية المؤامرة أنه توجد جهات تحجب المعلومات التي تدعم معتقدهم، في السابق كان بعضهم يقول إن الكائنات الفضائية موجودة لكن الحكومة الأمريكية لا تريد للعالم أن يراها، فمن يستطيع تقييم وتفنيد هذا الادعاء؟ دأب العلم الزائف على الاعتماد على الروايات الشخصية غير المدعمة بأدلة حسية مع السماح بهامش كبير للخطأ، في المقابل دأب على تجاهل الفرضيات العلمية التي تم اختبارها وفحصها ومراجعتها ودعمها بالأدلة التجريبية بحجة وجود مؤامرة، أفلا يمكن أن نقلب السؤال ونقول إن الإيمان بالطبق الطائر هو بحد ذاته مؤامرة يُراد منها نشر الذعر بين الناس؟ وهكذا سندور في دائرة التراشق بالاتهامات إلى ما لا نهاية.

مدينة ووهان الصينية حيث ظهر فيروس كورونا – أرشيف

دعونا من المؤامرة، ولنر عن ماذا يتحدث العلماء في هذا الشأن، إنهم يتحدثون عن ثلاث فرضيات قد تفسر إحداها حقيقة نشأة الفيروس:

1- الفرضية الأولى: نشأ فيروس كورونا المستجد بصورة طبيعية في الخفافيش التي تعيش على بعد 1600 كم من مقاطعة ووهان، هذه المدينة التي تحوي سوقاً قد تكون هي مصدر تفشي الفيروس؛ حيث تُباع فيه حيوانات حية؛ مثل الأفاعي والكلاب وآكل النمل وغيرها. تقول الفرضية إن الفيروس انتقل من الخفاش عبر وسيط إلى البشر، وربما حصل هذا الانتقال قبل اكتشافه في سوق الحيوانات البرية، لم يتمكن الباحثون بعد من معرفة الحيوان الوسيط الذي كان حلقة الوصل بين الخفافيش والبشر. هذا هو الاحتمال الأكثر رجحاناً حسب المعطيات الحالية.

2- الفرضية الثانية: تم تطوير جينات الفيروس في المختبر، ثم أُطلق بالخطأ بسبب خطأ بشري.

3- الفرضية الثالثة: تسرب الفيروس -الذي كان يُدرس من قِبل الباحثين- في صورته الطبيعية من مختبر بيولوجي سري في ووهان؛ لكن معهد ووهان نفى حدوث ذلك بشكلٍ قاطع بسبب وجود بروتوكولات تنظيمية صارمة، وقواعد بحثية حازمة. هناك خبراء لم يستبعدوا هذه النظرية وجعلوا منها احتمالاً وارداً؛ لا سيما مع وجود قيود رقابية تمنع الحصول على المعلومات الصحيحة من داخل الصين.

اقرأ أيضًا: تساؤلات حول تسرب مختبر ووهان.. ومنجم مهجور يحتل مكان الصدارة!

– هناك فصل في كتابك بعنوان: “كيف سيغير كورونا العالم؟”، هل من المكن أن تقدم للقارئ 3 نقاط مختصرة حول هذا التغير؟

أهم الدروس المستفادة كانت عديدة؛ منها:

  1. يجب توفير نظم صحية تحمي العاملين في الرعاية الصحية؛ حيث إنهم في “السارس” شكلوا ما بين ثلث إلى ثلثي الإصابات في البلدان المنكوبة، كانت النساء أكثر عرضة للإصابة من الرجال بسبب كونهن أغلب العاملين في هذا القطاع. تكرر نفس الأمر مع جائحة “كورونا”؛ حيث حصل نقص في المعدات الوقائية في بعض الدول الغنية.
  2. يستطيع العلماء والأطباء وخبراء الصحة العامة تنحية التنافس الأكاديمي بينهم عندما تتطلب الضرورة القصوى ذلك، وقد شهدنا هذا الأمر في الجائحة؛ حيث حصل تدفق علمي ضخم من جميع الجهات المختصة حول العالم، وبعضهم أخرج النتائج إلى العلن دون انتظار المراجعة المحايدة للبحث من أجل المساهمة في إنقاذ الأرواح، رأينا ذلك في علماء المملكة المتحدة الذين سارعوا بإصدار النتائج الإيجابية لعقار “ديكساميثازون” من أجل إنقاذ مرضى “كوفيد-19” من الموت.
  3. يجب الإبلاغ الفوري لحالات العدوى وعدم التستر عليها، فضح الفيروس مبكراً سيسهم في احتوائه بسرعة أكبر، وسيجنب العالم كوارث مايكروبية واقتصادية.
  4. ثبت وجود علاقة بين الخفافيش و400فيروس على وجه الأرض، علينا زيادة معرفتنا بالخفافيش التي يصلح تسميتها بالمقر الرئيسي للفيروسات التاجية، علينا أن نبذل جهداً لمعرفة العلاقة الغريبة بينهما، إذا أردنا تجنب الوباء التالي علينا معرفة ما يدور بين الكائنات الحية من علاقات ومصلحة، فلقد صار واضحاً أن الخفافيش متخصصة في احتضان قتلتنا من الجراثيم. فإن لم نهتم بالطبيعة فستتولى هي الاهتمام بنا كما قال البعض.

اقرأ أيضًا: ما مصدر فيروس كورونا.. الثعابين والخفافيش أم البنغولات؟

قد لا تكون الجائحة القادمة “كورونية”، قد تكون “إنفلونزية”، لا أحد يضمن أن تكون معتدلة كما كانت إنفلونزا الخنازير في عام 2009، فمن يدري، لعلّ هناك فيروساً يختمر الآن في إحدى مزارع الخنازير أو الدجاج، علينا أن نكون مستعدين ولا نحسن الظن في المايكروبات أبداً، إننا نمتلك كل الأسباب للخوف من تكرار ما حدث في عام 1918، علينا عدم الإنصات كثيراً إلى الإنكاريين الذين يرفضون المعلومات العلمية، ويعتبرون كل تحذير من وباء مؤامرة تحيكها منظمة الصحة العالمية، مع شركات الأدوية واللقاح.

ثبت وجود علاقة بين الخفافيش والفايروسات- أرشيف

نحن بحاجةٍ إلى تطوير منصة لقاحات جاهزة لمواجهة الوباء القادم؛ ظهور فيروس جديد قد لا يتطلب سوى استخدام أحد بروتينات الفيروس التي لم تقابلها أجهزة مناعتنا من قبل، ومن ثم نعود إلى قاعدة بيانات اللقاحات من أجل البدء في التجارب البشرية مباشرة وتطوير لقاح جديد يستطيع مواكبة العدو الجديد في أسرع وقت ممكن. كذلك علينا وضع آليات لتصنيع وتخزين مضادات للفيروسات ومضادات للبكتيريا؛ صحيح أن البكتيريا لا تتطور وتتفشى مثل الفيروسات، إلا أنها تستغل الثغرات الحاصلة أثناء اجتياح الفيروس للجسم، وتتسبب في التهابات دخانية مساندة لشقيقاتها في الضفة الأخرى.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مروان البلوشي

باحث إماراتي في العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة إدنبرة.

مقالات ذات صلة