الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

ديكتاتورية الغنوشي تقود “النهضة” إلى التفكك.. وسعيد يرفض الحوار المسرطن

"النهضة" تريد حواراً يعيدها إلى السلطة.. وما ورد في بيانها لا يمكن أن يقبله أستاذ متخصص في القانون الدستوري

تونس- فاطمة بدري

انتهى اجتماع مجلس شورى حركة النهضة الذي انعقد في دورة استثنائية في وقتٍ متأخر من مساء الأربعاء الرابع من أغسطس 2021، بعد نقاشات تواصلت لأكثر من عشر ساعات كانت كفيلة بأن تكشف عن عمق الخلافات والانقسامات داخل الحركة، والتي بلغت حد إعلان قيادات الانسحاب من الدورة الاستثنائية لمجلس شورى الحركة، وأخرى لم تتردد في نقد تعنت راشد الغنوشي وحاشيته.

اجتماع عُقد بشقَّين متضاربَين في الأهداف والأطروحات؛ الأول أبطاله قيادات تطالب بتصحيح المسار داخل الحركة، والثاني قيادات محسوبة على الغنوشي؛ وهي المسيطرة فعلياً على القرار داخل الحركة، تأبى التراجع أو التخلي عن كراسيها وتتمسك باعتبار ما يجري منذ الـ25 من يوليو مؤامرة خارجية ضد الإسلاميين في تونس.

اقرأ أيضًا: جميلة دبش الكسيكسي لـ”كيوبوست”: حان الوقت لتعترف “النهضة” بأخطائها

وقبل أن ينتهي الاجتماع بادرت جملة من القيادات النهضاوية لإعلان خيبتها واستنكارها مسار الحوار ومخرجاته، والتنصل من المسؤولية عن أي قرار يصدر عنه. وكانت يمينة الزغلامي وجميلة الكسيكسي، القياديتان البارزتان في حركة النهضة، أول مَن أعلنوا انسحابهم من الدورة الاستثنائية لمجلس الشورى.

وقالت الزغلامي، في تدوينةٍ على “فيسبوك”: “أعلن الآن انسحابي من الدورة الاستثنائية لمجلس الشورى، ولا أتحمل مسؤولية أي قرار يصدر منها نتيجة سياسة الهروب إلى الأمام، وعدم الانتباه إلى خطورة اللحظة التي تمر بها الحركة والبلاد”، مضيفةً: “لن أكون شاهدة زور”.

تدوينة يمينة الزغلامي

أما النائبة الكسيكسي فكتبت هي الأخرى، عبر صفحتها الرسمية على “فيسبوك”: “أعلن انسحابي من دورة الشورى وأي قرار يصدر عن الدورة لا يلزمني.. كل الخير لتونس، كل الحب لشعبنا، ويبقى الأمل”.

ومن جانبه، كتب القيادي عبداللطيف المكي، تدوينة على صفحته عبر “فيسبوك” موجهة إلى الغنوشي؛ أعرب فيها عن غضبه من رفض الأخير التعلم من دروس التاريخ. وقال فيها “مَن لم يقنعه التاريخ على امتداده وبوقائعه الصلبة الصارخة، فلن أستطيع أنا العبد الضعيف المتواضع ولا كذلك غيري”.

تدوينة عبداللطيف المكي

وعبَّر القيادي في “النهضة” سمير ديلو، عن غضبه الشديد من مواقف مجلس الشورى، قائلاً إنه “حالة إنكار”.

عبداللطيف المكي وإقرار بالعجز أمام ديكتاتورية الغنوشي- (وكالات)

ارتباك وتضارب

وفي الأثناء، طغى الارتباك والتضارب على موقف الحركة؛ فبعد التصعيد الذي غلب على خطاب الحركة إزاء خطوات سعيّد، نشر عضو المكتب السياسي ولجنة السياسات في حركة النهضة سامي الطريقي، تدوينة على صفحته عبر “فيسبوك”، مفادها أن رئيس الحركة راشد الغنوشي، يعتبر أن ما اتخذه الرئيس سعيّد من إجراءات، يجب أن يصبح مرحلة من مراحل المسار الديمقراطي. ثم قام بحذفها بعد ساعات من نشرها ويضع تدوينة جديدة، حاول خلالها التراجع عما ورد في التدوينة الأولى، بعد ضغوط مورست من الشق المحسوب على الغنوشي. كما تحدثت بعض المصادر من داخل الحركة أن تدوينة الطريقي أثارت غضب أعضاء شورى الحركة التابعين لشق الغنوشي إلى حد مطالبتهم بتجميد عضويته.

تدوينة سامي الطريقي

وحسب بعض المصادر الخاصة المقربة من الحركة، فإن الغنوشي كان سطحياً في تعاطيه مع الأزمة، ولم يحاول تقديم أي طرح واقعي لما يجري، وكان فحوى كلامه يعكس قناعته بأن الحاكم أو الزعيم لا يحاسب مع الإصرار على التنصل من المسؤولية عن تردي الأوضاع في تونس، والتي أدت إلى أحداث 25 يوليو؛ وهو ما أدى إلى احتقان الأجواء.

وعكست الأجواء المشحونة، التي رافقت اجتماع الحركة، تزايد أعداد القيادات الرافضة خيارات الغنوشي علناً، والتي لا تتردد في مطالبته بترك مكانه على رأس الحركة، وحتى تحميل الشق المحسوب عليه مسؤولية الفشل على خلاف ما كان يحدث سابقاً، عندما كانت القيادات ملزمة باتباع خطوات الزعيم ولا تحيد عنها حتى في مستوى التصريحات. وتعد هذه الأزمة هي الأسوأ بالنسبة إلى الحركة منذ سنة 2011؛ وهي تنذر فعلياً بانشقاق الحركة وتفككها في ظل الانقسامات الكبيرة التي تتسع يومياً.

تظاهرات تونس عام 2011- أرشيف
سامي الطريقي يخضع تحت الضغط- (صورة من حسابه “فيسبوك”)

توحد جماعي

المحلل السياسي خالد عبيد، يرى أنه من الوهم الاعتقاد أن مجلس شورى “النهضة” سيتخذ قراراً بنزع كل مسؤولية عن الغنوشي، وأن كل الصخب المرافق لتحركات الحركة مجرد رغبات في التموقع.

وقال لـ”كيوبوست”: “إن حركة النهضة تعيش حالة توحد جماعي حالياً أدَّت إلى تعاظم شعور الإنكار لديها، وكل الذي يحدث داخلها الآن، إنما هو مزيج من رغبة في الانحناء للعاصفة؛ وخصوصاً الرغبة في التموقع والركوب على زلزال 25 يوليو، لإنهاء هيمنة الأب المؤسس (يقصد الغنوشي) وبطانته، وإحلال قيادة جديدة ستكون أكثر راديكالية مما كانت في نظرنا. يحدث هذا بعد أن يئسوا تماماً من إمكانية استنساخ ميدان رابعة وسيناريو الإخوان المسلمين في صيف 2013 على أعتاب سور البرلمان، وبعد أن تيقنوا أن دعوات الاستئساد بالأجنبي إنما ارتدت عليهم وانفض مِن حولهم البعض ممن كان يتفهم موقفهم”.

اقرأ أيضًا: محمد البوغديري لـ”كيوبوست”: نطالب بتغيير الدستور التونسي بعد أن أثبت نظام الرئاسات الثلاث فشله

ويضيف: “لقد أوغلت الحركة في الهدم، ولم تتمكن من البناء؛ لأن كل أسس الدعاية التي كانت تروجها عن ذلك مخالف وبالضد مع الوقائع التاريخية الدامغة، لذا فمصيرها الاندثار تماماً مثل الزبد سيذهب هباء منثوراً، وسيرتد كل الجهد المحموم الخفي العبثي الذي بذلوه من أجل الهدم عليهم عاجلاً أم آجلاً”.

خالد عبيد

ومن المرجح أن تشهد الأيام القادمة انسحاباً لبعض القيادات من الحركة؛ لا سيما في ظل خروج بعضها، وإعلانها تأييد قرارات سعيّد.

سعيّد يرفض الحوار مع الخلايا المسرطنة

وفي المقابل، رد سعيّد بحسم على دعوة مجلس شورى حركة النهضة إلى حوار وطني؛ رداً على أحداث الـ25 من يوليو. وجدد الرئيس التونسي، في لقاء جمعه مع رئيس ديوان الحبوب، التزامه بعدم المساس بالحقوق والحريات، وتمسكه بعدم الحوار “إلا مع الصادقين الثابتين”، وقال: “لا حوار مع خلايا مسرطنة، ولا مجال للرجوع إلى الوراء”.

هل تستطيع “النهضة” تهديد الأمن التونسي؟- (صورة وكالات)

وأضاف “حتى أكون واضحاً، خبز وماء ولا رجوع إلى الوراء”، في استحضار لعبارات تستخدم كثيراً لدى التونسيين تعبيراً عن رفضهم السلطة الحاكمة، وكانت حاضرة بقوة في احتجاجات ثورة الـ14 من يناير 2011 ضد نظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، عام 2011، ورددها الشباب المحتج في الـ25 من يوليو ضد حركة النهضة الإسلامية.

وأوضح سعيّد أنه لن يتجاور إلا مع الصادقين في تونس، قائلاً: “هناك شرفاء في كل مفاصل الدولة، سيصنعون تاريخاً جديداً لتونس؛ لا مع الفاسدين والمجرمين الذين عاثوا في الدنيا فساداً وأجرموا في حق الشعب التونسي”.

سعيّد يجدد رفض الحوار مع “النهضة”- (وكالات)

وتتماهى تصريحات سعيّد الأخيرة مع ما أعلنه منذ اتخاذه الإجراءات الاستثنائية التي جمَّدت البرلمان وأوقفت الحكومة؛ حيث ظل متمسكاً بأنه ماضٍ نحو إنقاذ البلاد من مخلفات عشر سنوات من الخراب التي تركها حكم الإسلاميين في تونس وشركاؤهم.

محاسبة الفاسدين

الصحفي المختص في الشأن التونسي محمد الهادي حيدري، يرى أن سعيّد عازم على محاسبة الفاسدين ومَن تسببوا في تأزيم الوضع في تونس، ولن يتراجع مهما كانت الضغوط.

اقرأ أيضًا: شباب حركة النهضة يسحب البساط من تحت الغنوشي

ويقول حيدري لـ”كيوبوست”: “يدرك سعيّد أن غالبية التونسيين يدعمونه أساساً من أجل نظافة يده ورفعه شعار مكافحة الفساد، وعزمه محاسبة الأطراف التي تسببت على مدار عشر سنوات في تفقير وتهميش فئات واسعة من المجتمع؛ ولهذا لا ينفك في كل مناسبة يمرر رسائل، سواء بالتصريح أو بالقرارات، تؤكد أنه لن يتراجع عن مساره الذي أعلنه. ولهذا فإن قيس سعيّد بإعلانه أنه لا حوار إلا مع الصادقين ولا مجال لحوار مسرطن، كان يوجه رسالة واضحة ومضمونة الوصول إلى حركة النهضة وحلفائها ومَن يدورون في فلكها، مفادها أنه لا ثقة في دعوتهم إلى الحوار، وهو بذلك يرسم مساراً يقطع فيه الطريق على مناورة مكشوفة”.

محمد الهادي حيدري

ويضيف: “بمنظور سياسي، قبول الحوار يعني العودة إلى الوراء، ويعني أيضاً فتح منفذ يمكن أن تتسلل من خلاله أضلع منظومة الحكم لما قبل 25 يوليو مجدداً إلى دائرة الحكم أو حتى المشاركة في الحكم، وهو إن حدث سيعيد إدخال تونس في متاهة يصعب الخروج منها.

فالمنظومة التي انتفض التونسيون طلباً لرحيلها، هي أيضاً المنظومة التي شكَّلت بكل أضلاعها وتحالفاتها، ليس فقط أحزمة سياسية لحكومة وبرلمان انخرطا في معارك تأمين المصالح الخاصة والنفوذ والتموقع السياسي، بل شكَّلت أحزمة لفساد نخر مؤسسات الدولة وأحزمة للوبيات هيمنت على مقدرات الدولة. (النهضة) تريد حواراً يعيدها إلى السلطة ويرفع التجميد عن عمل ومؤسسات البرلمان، وما ورد في بيان مجلس الشورى الذي رد عليه الرئيس التونسي صراحةً، (هو دعوة على ما تضمنته من عبارات قد يستحسنها البعض، ويحسبها رغبة في ترسيخ الديمقراطية؛ لكنها دعوة مسمومة لا يمكن أن يقبلها أستاذ متخصص في القانون الدستوري وهو ملعبه المفضل)”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

فاطمة بدري

كاتبة صحفية تونسية

مقالات ذات صلة