الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

ديفيد كيلكولين لـ”كيوبوست”: أشك في قدرة بايدن على إدراك ما يحدث في أفغانستان

المستشار السابق لوزيرة الخارجية الأمريكية تحدث -في مقابلة خاصة- عن تداعيات ما يحدث في أفغانستان على الولايات المتحدة وحلفائها.. بالإضافة إلى المخاطر المحتملة نتيجة سيطرة "طالبان" على كامل الأراضي الأفغانية

كيوبوست

ديفيد كيلكولين

شكَّك الدكتور ديفيد كيلكولين في قدرة الرئيس الأمريكي جو بايدن، على إدراك ما يحدث في أفغانستان، مؤكداً أنه لن يعترف بخطأ ما يحدث لأسبابٍ سياسية داخلية.

وتحدث كيلكولين، الذي يقوم بالتدريس في عدة جامعات أمريكية، مع خبرة على مدار أكثر من 25 عاماً بالعمل العسكري والدبلوماسي؛ من بينها عمله كمستشار لوزيرة الخارجية الأمريكية كوندليزا رايس، بجانب عمله مع عدة منظمات وجهاتٍ دولية؛ منها حلف الناتو، في مدى إمكانية لعب الولايات المتحدة دوراً بالمستقبل السياسي لأفغانستان، وإلى نص الحوار..

* في 2001 نفذت الهجمات ضد “طالبان”، واليوم بعد 20 عاماً الرئيس الأمريكي يتحدث عن مفاوضات مع “طالبان”، هل ترى أن الولايات المتحدة أخطأت باللجوء إلى قرار الحرب؟

– لا أعتقد أنه كان من الخطأ الدخول، فقد كان هنالك الكثير من الدعم من المجتمع الدولي في ذلك الوقت؛ بما في ذلك منظمة التعاون الإسلامي، والعديد من الدول الإسلامية. ولكن الأخطاء وقعت بسرعة بعد الغزو، وأعتقد أن أكبر هذه الأخطاء كان عام 2001 عندما أراد حامد كرزاي، التفاوض على استسلام “طالبان”، وعقد مؤتمر للتوصل إلى السلام، وحينها أخبره دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع الأمريكي في ذلك الوقت، أننا نرفض التفاوض مع “طالبان”، ونرفض أن نتحدث مع الإرهابيين؛ ونتيجة لذلك لم يُعقد أي مؤتمر للسلام في عام 2001، ولم يكن هنالك أي أسس لإقرار السلام؛ لأن “طالبان” توارت عن الأنظار قبل أن تنظم صفوفها، وتعود من جديد، أعتقد أن هذا درس مهم لنا بأنه لا يجب أن نكتفي بتجاهل العدو المهزوم، بل علينا التفاوض من أجل السلام إذا أردنا سلاماً مستداماً.

يخشى الأفغان من مستقبل الحكم في ظل “طالبان”- وكالات

* الرئيس الأفغاني السابق حامد كرزاي، ظهر في فيديو من كابول مع عائلته يتحدث عن بقائه بالبلاد، فهل تعتقد أنه قد يلعب دوراً خلال المرحلة المقبلة؟

– دخل كرزاي إلى جانب عددٍ من الشخصيات البارزة في المجتمع الأفغاني بمفاوضاتٍ مع الملا عبدالغني بارادار، وآخرين من قيادات “طالبان”، وأعتقد أن مفاوضاتٍ تجري الآن حول التوصل إلى اتفاقٍ بشأن حكومة انتقالية أو مؤقتة، وهناك ترقب لنتائج هذه المفاوضات، ولا أتصور أن حياة حامد كرزاي في خطر؛ فهو على صلةٍ وثيقة بالملا بارادار، وقد عرفه منذ مدة طويلة، وقد أنقذ أحدهما الآخر في الماضي، لذلك فلا أعتقد أن حياته في خطر.

اقرأ أيضًا: د.فضل الله ممتاز: الحكومة الأفغانية لم تتهيأ لتبعات انسحاب القوات الأجنبية من أفغانستان

* وبالنسبة إلى الرئيس أشرف غني؟

– أعتقد أن حياة أشرف غني كانت ستتعرض إلى الخطر لو أنه بقي في البلاد؛ ولكنه الآن في الإمارات العربية المتحدة، كما تعلمون، ومع أنني لا أعتقد أن “طالبان” سوف تشرك أشرف غني في أي حوارٍ مستقبلي، فقد أعلنوا منذ سنوات أنهم لن يتفاوضوا مع أية حكومة يكون أشرف غني موجوداً فيها؛ ولكنه الآن موجود بالخارج، وهو خارج الصورة. وبصراحة، لو كنت مكانه ما كنت لأعود إلى أفغانستان، وأنا أتوقع تشكيل حكومة جديدة لا تضم أشرف غني في صفوفها.

تتواصل عمليات الإجلاء من أفغانستان عبر مطار كابول- وكالات

* يرفض الرئيس الأمريكي بايدن القول إن قرار الانسحاب الأمريكي والذي دفع باقي الدول لاتخاذ قراراتٍ مناسبة كان خطأ، فما السبب من وجهة نظرك؟ هل عودة “طالبان” إلى الحكم أمر ليس بدرجة السوء الكافية من وجهة نظره؟

– إنه رجل متقدم في السن، وأنا لست متأكداً من أنه يدرك حقاً ما الذي يحدث، ولأسبابٍ تتعلق بالسياسة الأمريكية فهو لن يكون قادراً على الاعتراف بأي أخطاء؛ لأن خصومه الجمهوريين في الولايات المتحدة سوف يغتنمون الفرصة، ويستغلون الأمر لمعاقبته في الانتخابات القادمة؛ لذلك فلا أعتقد أننا سنشهد أي تصريحٍ يعترف فيه الرئيس بايدن بأنه يتحمل أية مسؤولية، إن إدارته تزعم أن كل شيء على ما يرام الآن، ولا توجد أية مشكلات، وبالطبع الجميع يدرك أن ذلك غير صحيح. لذلك أقول بصراحة إنني لا أتوقع أن نشهد أي اعتراف على الإطلاق.

اقرأ أيضاً: أربعون عاماً حزينة تتوج “طالبان” حاكماً على أفغانستان عشية الـ11 من سبتمبر

* على الأرجح اتخذ الرئيس بايدن قرار الانسحاب منفرداً، المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، تحدثت عن أسبابٍ في الداخل الأمريكي دفعت لاتخاذ القرار، هل تعتقد أن العلاقة بين الولايات المتحدة وحلفائها ستتأثر بهذا القرار وتداعياته؟ وهل سيحدث خلاف بين واشنطن وحلفائها بشأن آلية التعامل مع “طالبان”؟

– ما زال الوقت مبكراً لنعرف ما إذا كان سيحصل انقسام رسمي في حلف شمال الأطلسي؛ ولكن المؤكد أن السياسيين البريطانيين والفرنسيين والألمان، وربما غيرهم، قد عبروا عن امتعاضهم؛ لأن الولايات المتحدة لم تتشاور معهم وتصرفت بشكلٍ منفرد، وكل هؤلاء القادة كانوا منزعجين من الرئيس ترامب بسبب تصرفاته الفردية، وعدم مشاورته لهم، والآن يقوم الرئيس بايدن -الذي كان الجميعُ يعتقدون أنه سيكون أفضل بكثير- بفعل الشيء نفسه؛ لذلك أعتقد أن الكثير من الحلفاء يفكرون وربما يشككون في مصداقية واعتمادية الولايات المتحدة، ويفكرون بجدية في التصرف منفردين وَفق مصالحهم في ما يتعلق بإيران. وبصراحة، لا أعتقد أن هذا أمرٌ سيئ؛ لأن الولايات المتحدة تريد من حلفائها أن يكونوا داعمين أكثر منهم فاعلين، ولكني لا أعتقد أنهم يريدون أن يحدث ذلك نتيجة لأمر كهذا.

يشهد مطار كابول احتشاد آلاف المواطنين رغبةً في السفر- وكالات

* لكن ثمة آراء متباينة بدأت في الظهور من قادة الدول الأوروبية بشأن التعامل مع “طالبان” وبشكل قد يكون مخالفاً لرؤية الولايات المتحدة المعلنة رسمياً على الأقل؟

– مرة أخرى أقول إنه لا يزال من المبكر التكهن، وأنا أعتقد أن الوضع السيئ الذي انتهت إليه عملية الانسحاب سيكون محرجاً جداً للولايات المتحدة. فقد كان من المفترض أن يكون أمامهم أسبوعان آخران ليكملوا الانسحاب. وأنا أعتقد أن ما ستؤول إليه الأمور في الأسبوعَين المقبلَين سيكون له تأثير كبير على نظرة دول مثل فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة إلى الولايات المتحدة، وإذا استمرت الأوضاع على هذا السوء فستكون هنالك مشكلة حقيقية. أما إذا تمكن الأمريكيون من إصلاح الوضع، فإن ذلك يمكن أن يحسن الوضع بعض الشيء.

اقرأ أيضاً: نهاية الحرب في أفغانستان وخيبة أمل المحاربين القدامى

* إلى أي مدى تعتقد أن شعبية الرئيس الأمريكي تأثرت بالقرار؟ وما التداعيات في الداخل الأمريكي لهذا القرار؟

– أعتقد أن الكثير من الأمريكيين لا يهتمون حقاً بشأن أفغانستان التي لطالما كانت في أسفل قائمة أولوياتهم، وأنا أعتقد أن الرئيس بايدن قد ترجم هذا الأمر -وكذلك فعل الرئيس ترامب أيضاً- على أنه ضوء أخضر للانسحاب. ولكنني أعتقد أنه عندما يرى الأمريكيون الوضع المزري الذي آلت إليه الأمور، وعندما يرون مشاهد الأفغان يسحقون بين عجلات الطائرات، ويسقطون من الطائرات المغادرة، ويذبحون في الشوارع خارج المطار، فإن ذلك سيكون له انعكاسات سلبية للغاية على الرئيس بايدن.

فمجرد أن الرأي العام كان يرى أنه لا بأس بالانسحاب لا يعني أن كارثة من هذا النوع ستكون مقبولة. لذلك فأنا أرى أن طريقة الانسحاب هي ما ستسبب المشكلات له، وليس الانسحاب بحد ذاته. أعتقد أن ذلك سوف يؤثر على نسبة الشعبية التي يحظى بها بين الجمهور الأمريكي.

تنفذ قوات أجنبية عملية الإجلاء بطائرات عسكرية- وكالات

* البعض يقارن بين هزيمة الولايات المتحدة في فيتنام، والمشهد في أفغانستان، هل ترى أن هذه المقارنة منصفة بالفعل؟

– حسناً، أعتقد أنها مقارنة منطقية، مع أنني أعتقد أن الانسحاب من فيتنام تم بطريقة أفضل بكثير من هذا؛ لقد قاموا بعمل أفضل بكثير أثناء انسحابهم من فيتنام بالمقارنة مع ما نراه هنا، فقد نسقوا انسحابهم على مدى سنوات عدة، وتمكنوا في نهاية المطاف من إخلاء 1.4 مليون من الفيتناميين، وأعادوا توطينهم في مختلف أنحاء العالم، وتمكنوا من إنقاذ عددٍ كبير جداً من الناس. صحيح أن الأمور ساءت في الأيام الأخيرة من الانسحاب؛ ولكنهم كانوا يقومون بعمل جيد قبل ذلك. ولهذا السبب أعتقد أنه كان أفضل في الواقع.

والسبب الآخر المهم هو أننا الآن نحظى بوسائل التواصل الاجتماعي، والجميع لديه كاميرات الهواتف المحمولة، تخيل لو أن أحداً ما قد صور الانسحاب من سايغون، ونشر ذلك على مواقع مثل “يوتيوب”، كان الأمر ليبدو أسوأ بكثير، لذلك أعتقد أن تلقي الناس هذا الانسحاب سيكون أسوأ.

* ما تأثير حصول “طالبان” على الأسلحة التي كانت بحوزة الجيش الأفغاني على قوتها العسكرية خلال الفترة المقبلة؟

– صحيح، إن حصولهم على الأسلحة والعربات الأمريكية قد أعطاهم فوائد كثيرة، وزاد من قوتهم بشكل كبير، كما أن بعض القادة الأفغان المحليين قد غيروا مواقعهم، وانضموا إلى “طالبان”. لا أعرف بالضبط حجم قواتهم على الأرض في الوقت الحالي؛ ولكنني أعتقد أنهم سوف يواجهون صعوبة في فرض الأمن على جميع المدن والأرياف. وقد بدأت الاحتجاجات ضدهم في جلال آباد، وخوست وأسد آباد؛ وهنالك احتجاجات في كابول، ولا أعتقد أنهم سيتمكنون من نشر قواتٍ كافية للسيطرة على المدن التي سوف تشكل مصدراً للمتاعب بالنسبة إلى “طالبان” من الناحية الأمنية، وسوف يتوجب عليهم بذل جهود كبيرة للغاية بهذا الخصوص.

سعى آلاف الأفغان للعثور على فرصة للسفر- وكالات

* ما هذه المتاعب من وجهة نظرك؟

– وجود وادي بانشير شمالي كابول والجيب الذي يسيطر عليه نائب الرئيس أمر الله صالح، وجماعة مسعود، وحلفاؤهم الذين شكلوا قوة تمرد ترغب بالاستمرار في القتال، لذلك فإن “طالبان” سوف تواجه مشكلاتٍ أمنية كبيرة عليها أن تتعامل معها، وأنا أعتقد أنه على الرغم من ازدياد حجمهم وتسليحهم الآن؛ فإنهم سوف يجدون صعوبة في ذلك. أعتقد أن قيادة “طالبان” العليا ترغب في انسحابٍ سلس للأمريكيين، وحتى في مغادرة سلسة للأفغان الذين لا يرغبون في البقاء في أفغانستان الجديدة التي تسيطر عليها الحركة؛ مثل ضباط الاستخبارات السابقين، والمسؤولين الحكوميين وغيرهم.

ولذلك يعلن قادة “طالبان” أن هؤلاء يمكنهم المغادرة، وأن “طالبان” لا ترغب في قتال الأمريكيين أثناء انسحابهم؛ ولكن على المستويات الدنيا في “طالبان”، كانت هنالك بعض أعمال الانتقام والقتل، وقوات “طالبان” تقيم الحواجز في محيط المطار، وتمنع الناس من الوصول إليه. في الحقيقة لم يتمكن كثيرون من مغادرة المطار، ولا بد من أن يتغير هذا الوضع؛ فإما أن يقوم قادة “طالبان” بإصدار التعليمات لمقاتليهم بالتراجع من محيط المطار والسماح له بالعمل بالشكل الملائم، وإما أن يخرج الجنود الأمريكيون الموجودون في المطار لدفع “طالبان” للتراجع عن محيطه. لذلك أعتقد أنه هنالك احتمال لوقوع اشتباك بين “طالبان” والقوات الموجودة في المطار، على الرغم من أن قادة “طالبان” لا يرغبون في ذلك؛ بل يفضلون انسحاباً سلمياً بأسرع وقتٍ ممكن.

اقرأ أيضاً: د.زاهد شهاب لـكيوبوست“: الجيش الأفغاني افتقد الحافز للقتال في وجه “طالبان

* هل يمكن أن يكون لواشنطن دور في المرحلة المقبلة داخل أفغانستان سياسياً؟

– سوف أستغرب جداً إذا ما لعبت الولايات المتحدة دوراً مهماً في السياسة الأفغانية في المرحلة القادمة باستثناء دور سلبي محتمل، فربما تقرر دعم أمر الله أو جماعة مسعود أو فلول النظام القديم، وعندها سينتهي الأمر لما يشبه الوضع في سوريا؛ ولكن ليس هنالك أي مؤشرات على أنهم ينوون فعل ذلك، الوضع في غاية الفوضى في واشنطن، وأفغانستان حالياً، وعندما ينقشع الغبار سوف نتمكن من رؤية السياسة التي سينتهجونها. أعتقد أنهم إما لن يلعبوا أي دور على الإطلاق، وإما ربما سيلعبون دوراً بناءً من خلال الأمم المتحدة والوكالات الأخرى؛ ولكن ليس بشكل مباشر، وإما سيلعبون دوراً سلبياً بدعم أمر الله وجماعة مسعود. أنا لا أقول إن دعم جماعة مسعود هو أمر سيئ؛ بل أقول إننا لا نعرف بعد ما الذي سيفعلونه.

يشهد مطار كابول احتشاد آلاف المواطنين رغبةً في السفر- وكالات

* إذن أي الأطراف الدولية يمكنها أن تلعب دوراً خلال الفترة المقبلة؟

– من المرجح جداً أن الصين وروسيا ستقدمان على ملء الفراغ الذي تركته الولايات المتحدة؛ فالروس لم يغلقوا سفارتهم وكذلك فعل الصينيون، وبذلك تكون سفارتاهما هما السفارتَين الرئيسيتَين الوحيدتَين المستمرتَين بالعمل في كابول. وقد أعلن الروس أنهم يراقبون “طالبان” عن قرب، وإذا أظهرت “طالبان” أنها تتحمل مسؤولياتها بالشكل الصحيح؛ فإنهم سوف ينظرون في الاعتراف بالحكومة الجديدة، وهم بذلك يحاولون الحصول على امتيازاتٍ سياسية، ويقولون لـ”طالبان” إنه يجب عليكم أن تكونوا معتدلين وأن تكونوا جزءاً من النظام العالمي، وإذا فعلتم ذلك فسوف نعترف بكم.

بينما يتخذ الصينيون مقاربة مختلفة؛ فقد عقدوا اجتماعاً في منتصف يوليو بين وزير الخارجية الصيني وانغ يي، ومسؤولين رفيعي المستوى من “طالبان”، وللمرة الأولى قاموا بالإعلان عن هذا الاجتماع. وأنا أعتقد أن الصينيين قد اعترفوا بـ”طالبان” بحكم الأمر الواقع، وما يحاولون فعله الآن هو ضم أفغانستان إلى مبادرة الحزام والطريق، وربطها من خلال إيران وباكستان بمنظومة اقتصادية إقليمية تسيطر عليها الصين. أعتقد أن الروس يحاولون الحصول على امتيازاتٍ سياسية، بينما يحاول الصينيون الحصول على امتيازاتٍ اقتصادية، ومن المحتمل جداً أن يصبحا الشريكين المهيمنين على الحكومة الأفغانية الجديدة. وبالطبع بما أن الصين هي دولة صديقة لباكستان، فمن الممكن أن نرى علاقات أفضل بين أفغانستان وباكستان في المستقبل.

اقرأ أيضاً: إمارة أفغانستان الإسلامية.. المأساة تبدأ من جديد

* كيف ترى الموقف الإيراني من إحكام “طالبان” سيطرتها على الأراضي الأفغانية؟

– أعتقد أن إيران تراقب الوضع عن كثب، وهي تعتبر نفسها حامية الأفغان الشيعة الذين يبلغ عددهم نحو أربعة ملايين نسمة، وأعتقد أن هؤلاء سيكونون محط اهتمام كبير لإيران، وكذلك تعتقد إيران أن مدينة هيرات وغيرها من مدن غرب أفغانستان تشكل بوابة للدخول إلى إيران، ومن المتوقع أن تلقى هذه المناطق اهتماماً كبيراً من طهران، كما أن إيران كانت تعاني تهريب المخدرات من أفغانستان، وأعتقد أن هذا القلق سوف يستمر، ولذلك أعتقد أن إيران سيكون لديها عدد من المطالب التي ستتوجه بها إلى “طالبان”، والأمر الآخر هو أن إيران لديها اتفاق أمني واقتصادي مدته 25 عاماً مع الصين، وبذلك ستكون لاعباً أساسياً في محاولة الصين لتمرير مبادرة الحزام والطريق عبر أفغانستان، لذلك أعتقد أن إيران سوف تتواصل مع النظام الجديد، وستكون هنالك قضايا تختلف فيها مع “طالبان”، وقضايا أخرى سترغب في التعاون معها بخصوصها.

تنفذ القوات الأجنبية عمليات الإجلاء من مطار كابول- وكالات

* وبالنسبة إلى تركيا؟

– الأتراك يعتبرون أنفسهم حماة الأقلية التركمانية في أفغانستان، وكذلك الباشائيين، وبعض الأقليات الأخرى في الشرق، ولذلك أعتقد أن الحكومة التركية سترغب في ممارسة بعض النفوذ في أفغانستان، وقد قال الأتراك إنهم سوف يبقون في مطار حامد كرزاي؛ فهم لديهم وجود عسكري هناك، وقد وعدوا بالبقاء فيه لحماية المطار بعد مغادرة الولايات المتحدة.

لست متأكداً من إمكانية وفائهم بهذا الوعد؛ بسبب تغيرات الوضع، ولكن سنرى ما الذي سيحصل. أردوغان رحَّب بالنظام الجديد، وقال إنه يرغب في إيجاد طرقٍ للعمل معه على الرغم من بعض المخاوف. لذلك أعتقد أننا سنشهد استمرار المشاركة التركية والإيرانية والروسية والصينية، بينما ستركز معظم الدول الغربية على إجلاء اللاجئين، ومن ثمَّ ستعمل على استيعابهم خلال السنوات القادمة.

مدخل سفارة الولايات المتحدة الأمريكية في كابول بعد إخلائها من موظفيها يوم الأحد الماضي- وكالة الأنباء الفرنسية

* أظهرت “طالبان” تصريحاتٍ رسمية عن شراكة المرأة وأمور أخرى، هل تعتقد أن الحركة جادة في إقامة نظام سياسي مختلف؟

– مرة أخرى، لا يزال من المبكر أن نعرف؛ ولكن “طالبان” قد أصدرت عدداً من البيانات الرسمية حول المرأة، وتشكيل حكومة جامعة والأقليات، وأنا أعتقد أنهم يدركون بحق أنهم بحاجة إلى أن يحكموا البلاد بطريقة مختلفة الآن عما كان عليه حكمهم في التسعينيات، وأعتقد أنهم يرغبون في الحصول على المساعدات الدولية، ويريدون الاستثمارات والتجارة، ولا يريدون أن يكونوا دولة معزولة كما كانوا في التسعينيات، وهذا الأمر سوف يشجعهم على الانفتاح؛ ولكنَّ القادة المحليين في “طالبان” والمسؤولين الصغار ستكون لهم نظرة متشددة ومحافظة للغاية في ما يتعلق ببعض المسائل ذات الطبيعة الدينية، وربما سنشهد نوعاً من التباعد بين القادة المحليين والقيادة المركزية لـ”طالبان”، وهذا سوف يخلق الفرصة لقيادة “طالبان” لأن تنكر ما يفعله مرؤوسوها.

مواطنون يغادرون العاصمة كابول يوم الأحد بعد أن تبين لهم أن “طالبان” ستجتاح المدينة- “نيويورك تايمز”

* وبالنسبة إلى بنية الدولة من مؤسسات وأجهزة مختلفة عملت على مدار العقدين الماضيين؟

– حتى الآن تقول “طالبان” إن كلَّ مَن يرغب في البقاء في وظيفته الحكومية يمكنه ذلك؛ بل إنها طلبت من الموظفين الحكوميين العودة إلى أعمالهم، ولكنّ كثيرين يشككون في ذلك، ويخشون من أن يُقتلوا إذا ما عادوا إلى أعمالهم بعد أن قامت “طالبان” بالفعل بإعدام أشخاصٍ في قندهار وأماكن أخرى.

وأنا لا أعتقد أن الموظفين الحكوميين السابقين من فئاتٍ معينة؛ مثل أجهزة الاستخبارات والقوات الخاصة والمقربين من الرئيس السابق، لديهم فرصةٌ بالبقاء على قيد الحياة إذا وقعوا في أيدي “طالبان”؛ ولكن بالنسبة إلى بقية الناس فالأمر سيتطلب الانتظار لمعرفة مدى جدية “طالبان” بعدم الرغبة في الانتقام. ومن الشائعات التي تدور في كابول الآن أن “طالبان” تنتظر أن يتم سحق جماعة مسعود؛ ولذلك يحاولون أن يتظاهروا باللطف الآن، ولكنهم بمجرد أن يسحقوهم سوف يتحولون إلى الانتقام، وسواء أكان ذلك صحيحاً أم لا فهو يعكس مدى شكوك الناس بشأن مصداقية حكم “طالبان”.

قوات “طالبان” تسيطر على العاصمة كابول- “سي إن بي سي”

* هل تعتقد أن وصول “طالبان” إلى الحكم وسيطرتها على البلاد سيغري التيارات المتطرفة حول العالم؟

– صحيح، هنالك طريقتان لأن يتم ذلك؛ الأولى هي ألا تلتزم “طالبان” بما تم الاتفاق عليه، وتدخل في شراكة مع “القاعدة” وتدعم هجماتٍ إرهابية بأماكن أخرى من العالم؛ ولكنني أعتقد أن هذا الاحتمال غير مرجح، بينما الاحتمال الأرجح هو أن يعطي هذا الأمر دافعاً معنوياً هائلاً لجميع الجماعات المتطرفة في العالم، وسنرى أن الكثير من هذا الجماعات في إفريقيا والشرق الأوسط، وجنوب شرق آسيا، سوف تزداد حماساً ونشاطاً، وسيقولون انظروا إلى “طالبان” التي حاولتِ الولايات المتحدة إخضاعها عشرين عاماً، ولكنهم قاوموا وتمكنوا من البقاء، وها هم الآن قد هزموا القوة العظمى، وإذا كانت “طالبان” قادرةً على فعل ذلك، فنحن أيضاً قادرون.

وأعتقد أننا سنرى الكثيرَ من الجماعات الأخرى تتقدم وتفعل المزيد. أعتقد أن الأمر سيكون مشابهاً لما شهدناه عندما أعلن أبو بكر البغدادي قيام دولة الخلافة في الموصل في عام 2014؛ حيث قررت جماعات عديدة غير مرتبطة بتنظيم داعش القيام بالمزيد من الأعمال الإرهابية في موجة استمرت سبع سنوات. وأعتقد أننا سنشهد صعوداً مشابهاً للإرهاب هذه المرة أيضاً.

لقراءة الأصل الإنكليزي: interview about Afghanistan with Dr. David Kilcullen

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة