الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

دونالد رامسفيلد.. إرث متنوع وسمعة ملطخة

جسَّد رامسفيلد صورة رجل السياسة الأمريكي ذي النظرة البراغماتية الهجومية.. وهو ما أدى إلى نتائج مختلفة أثرت على حياة الملايين

كيوبوست

لدى تقاعده من الحياة السياسية في عام 2008، قرر رامسفيلد تخصيص وقته لرئاسة مؤسسة خيرية تحمل اسمه، وتشجع وتدرب الشباب الأمريكي على الخدمة العامة، هذا بالإضافة إلى دعم مجموعة واسعة من الجمعيات الخيرية العاملة على مساعدة عوائل الجنود الأمريكيين الذين شاركوا في حروب البلاد المختلفة.

اتصف “رمي”، كما كان يطلق عليه أصحابه وعائلته، بالطموح والنشاط والتصميم في سبيل بلوغ أهدافه، هذا فضلاً عن مواهبه الكلامية؛ كان رامسفيلد متحدثاً وخطيباً بارعاً، يجيد انتقاء ألفاظه وإطلاق عبارات تصنع العناوين الإعلامية، وفوق ذلك يأتي حس السخرية الحاد لديه، والذي استخدمه بذكاء وشراسة ضد خصومه السياسيين؛ وهو ما تسبب له في شهرة إعلامية، لكن أيضاً في خصومات شخصية عديدة. ورغم هذه الطباع المندفعة؛ فقد استطاع رامسفيلد أن يبني شبكة واسعة من العلاقات في كواليس واشنطن، تكونت من سياسيين من كل الخلفيات، كانوا منجذبين لقوة شخصيته وكاريزما رامسفيلد القوية التي نبعت ليس فقط من طموحه الشخصي؛ بل أيضاً من إيمانه بعظمة أمريكا وامتلاكها قدراً استثنائياً بين أمم التاريخ.

اقرأ أيضاً: البابا فرنسيس زار العراق لطلب المغفرة عن خطايا الغزو الأمريكي

نتيجة لهذا، فإن رامسفيلد هو الوحيد الذي شغل منصب وزير الدفاع مرتَين؛ الأولى كانت بين عامَي 1975 و1977، حيث كان الأصغر سناً على الإطلاق. أما الثانية فقد كانت بين عامَي 2001 و2006، حيث كان الأكبر سناً على الإطلاق. ورغم انتمائه إلى حزبٍ سياسي مختلف؛ فقد حرص وزير الدفاع الحالي لويد أوستن، على رثاء أحد أسلافه في المنصب الرفيع، بقوله: “تميز بطاقته الاستثنائية، وذكائه الاستراتيجي، والتزامه المطلق بالدفاع عن مصالحنا الوطنية”.

رامسفيلد أثناء حرب العراق

ولم يكتفِ رامسفيلد بمنصب وزير الدفاع؛ بل ترشح في انتخابات 1988 لمنصب الرئيس، وكانت تلك المناسبة إحدى هزائمه النادرة في مشوار اتصف عموماً بالنجاح المتتالي؛ حيث شغل مناصب مختلفة؛ من السفير إلى سناتور في الكونغرس وكبير موظفي البيت الأبيض. أثرت عليه تلك الهزيمة الساحقة للدرجة التي كان فيها على وشك الخروج من عالم السياسة إجمالاً؛ لكن عائلة بوش ونخبة الحزب الجمهوري نجحت في إقناع رامسفيلد بالعدول عن قرار اعتزال عالم السياسة، ليُكتب له عمر جديد في كواليسها، عمر اتسع فيه تأثيره وبصمته داخل وخارج البلاد.

الحرب على الإرهاب.. حرب العراق

وعلى الرغم من كل إنجازاته السياسية وحتى التجارية؛ فإن فشله في إدارة حرب العراق سيُسجل في سجله كعلامة سوداء من الصعب أن تُمحى، وستظل تلطخه لفترة طويلة. بعد تسعة أشهر على توليه مهامه كوزير دفاع، وقعت هجمات 11 سبتمبر الإرهابية، وقتها رآها رمسفيلد كفرصة لترسيخ الزعامة الأمريكية للنظام العالمي و”تأديب الإرهاب الإسلاموي”؛ لكن ما حصل كان مجموعة متوالية من الصراعات والحروب المكلفة التي أفقرت خزائن البلاد، وأرهقت المؤسسة العسكرية مطولاً.

اقرأ أيضاً: كيف باعت الولايات المتحدة الوهم في أفغانستان؟

أشرف رامسفيلد على غزو أفغانستان الذي تميز بسرعته وإطاحة حركة “طالبان”، ثم بدأت حرب العراق بسرعة، وهناك نقل رامسفيلد تركيزه لإدارتها يوماً بيوم، وأسهم هذا في انتشار شهرته الإعلامية؛ حيث كان مؤتمره الصحفي حدثاً مهماً في أروقة واشنطن. ورغم كل مهارات رامسفيلد الخطابية؛ فإن المشكلات المتزايدة التي بدأت تعتري الأداء الأمريكي العسكري في التصدي لهجمات المسلحين والفصائل العراقية، أدت إلى تزايد حدة الانتقادات ضده حتى من أعضاء حزبه وجنرالات أمريكا الكبار.

يسجل رامسفيلد في مذكراته، أن علاقاته مع نظرائه العرب، وبالذات في مصر والمملكة العربية السعودية، كانت أسهل من علاقاته مع السياسيين الأمريكيين، ورغم اختلافه أحياناً مع نظرائه العرب، وبالذات لدى عشية حرب العراق؛ فقد اعتمد رامسفيلد على مشورة بعض وزراء دفاع وزعماء المنطقة، الذين شكلوا بالنسبة إليه بديلاً لتلقي وتحليل المعلومات والتوجهات الاستراتيجية بعيداً عن ضجيج واشنطن.

دونالد رامسفيلد مع الرئيس جورج دبليو بوش- أرشيف

ورغم كل الانتقادات، استمر رامسفيلد في إيمانه بضرورة التصدي للفصائل المسلحة والإرهابية بقبضة حديدية ومن موقع القوة، ورغم كل اعتراضات الطبقة السياسية والعسكرية الأمريكية التي بدأت تستهدفه بالانتقاد اليومي؛ فقد ظل الرئيس بوش الابن، موالياً لوزير دفاعه، ولم يحدث الشرخ بين الرئيس ووزير الدفاع إلا في عام 2005 عندما تسربت الأخبار التي تؤكد تورط جنود الولايات المتحدة في عمليات تعذيبٍ واسعة في سجن “أبو غريب”؛ ما دفع رامسفيلد نحو الاعتذار علانيةً، وهو أمر لم يفعله سابقاً في مشواره السياسي، ورغم ذلك تزايد الشعور بأن وزير الدفاع أصبح عبئاً على البيت الأبيض.

ولم تأتِ الضربة الفاصلة سوى في نوفمبر 2006 عندما فاز الحزب الديمقراطي بالانتخابات النيابية بغالبية غير مسبوقة منذ عقود؛ وهو ما دفع بوش الابن نحو التضحية بوزيره المفضل واستبدال وزير آخر به بدا وقتها أكثر لباقة وأقل حدة، وهو روبرت غيتس.

اقرأ أيضاً: دراسة أمريكية جديدة: هذه هي أسباب فشل الإدارات السابقة في مكافحة التطرف

بوفاته تنتهي حياة أحد آخر رجال الدولة الأمريكان الذين عاصروا ذروة الحرب الباردة، والذين أشرفوا على تعميق التعاون بين قطاعات مختلفة؛ مثل القوات المسلحة، والصناعات الدفاعية، والقطاع المصرفي. جسَّد رامسفيلد صورةَ رجل السياسة الأمريكي ذي النظرة البراغماتية الهجومية، الذي لا يتوانى عن استخدام قوة بلاده الضخمة لتوسيع مصالحها؛ وهو ما أدى إلى نتائج مختلفة أثرت على حياة الملايين.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة