الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

دولة واحدة ونظامان.. نهاية هونغ كونغ التي نعرفها!

كيوبوست- ترجمات

جين بيرليز♦

في الصيف الماضي، كان مئات الآلاف من المتظاهرين يتدفقون إلى شوارع هونغ كونغ طيلة شهر تقريباً، حين تلقيت مكالمة هاتفية من أحد كبار المسؤولين في بكين يدعوني فيها إلى تناول الغداء. كنا ودودين للغاية، وتبادلنا قصصاً عن تجاربنا في العمل، وتجادلنا بأدب حول الهوة العميقة بين الولايات المتحدة والصين. وفي الواقع أني كنت على وشك مغادرة الصين بعد سبع سنوات، وأتطلع لوداعٍ دافئ.

وبفضل الرقابة الصارمة التي تفرضها بكين، لم يكد الرأي العام يعرف بحشود هونغ كونغ الغاضبة. وحتى مع اكتساب هونغ كونغ أهمية كبيرة على الساحة العالمية، فإن التحدي الصريح تجاه حكومة بكين -مسيرتان متتاليتان قد اجتذبت كل منهما أكثر من مليون شخص- لم يتم الكشف عنه في وسائل الإعلام التي تديرها الدولة في الصين. فقد كان القادة الصينيون خائفين من انتقال العدوى؛ لأنه في حال شوهدت صور الاحتجاجات المؤيدة للديمقراطية في هونغ كونغ في برّ الصين، فقد تكون مصدر إلهام لأفكار وأفعال طائشة.

اقرأ أيضاً: هونغ كونغ.. أزمة فقر طاحنة تتوارى خلف أقنعة المتظاهرين

لذا فبينما كنت أتوجه لتناول الغداء، كان الصينيون العاديون على درايةٍ مبهمة بهذه الاضطرابات؛ فالكثير منهم يعتبرون هونغ كونغ مكاناً يمثل حقاً جزءاً من وطنهم الأكبر، ويعتبرون سكانها مدللين ناكرين للجميل لا يفهمون حكمة العمل الشاق. وعندما تحولت الاحتجاجات في وقتٍ لاحق إلى أعمال عنف، قدمت وسائل الإعلام الصينية الغاز المسيل للدموع، وقنابل المولوتوف، وحواجز الصدم، والضحايا المصابين، باعتبارهم أمثلة قاتمة على ما يحدث في الأراضي المتمردة.

المتظاهرون في شوارع هونغ كونغ يتعرضون إلى الضرب والسحل على أيدي الشرطة.. 2019- “أسوشييتد برس”

وسرعان ما تخلى مضيفي عن المجاملات؛ حيث كانت هونغ كونغ الموضوع المحدد لحديثنا، وكانت لهجته أكثر إصراراً من المعتاد. وبما أن مضيفي وصف المتظاهرين بأنهم خونة، فإن الولايات المتحدة أصبحت تشكل عنصراً محورياً في النقاش؛ فواشنطن تتصرف كـ”اليد السوداء”. وبشكل أكثر تحديداً، فإن “ألين واينشتاين هو المسؤول”.

كنت أعرف عن واينشتاين، من خلال كتابٍ ألفه عام 1978، والذي سعى ليثبت بوثائق كان قد تم الكشف عنها حديثاً أن “ألجر هيس” كان جاسوساً سوفييتياً. فأجبت: “لكن واينشتاين قد مات”. ورد المسؤول بأن واينشتاين أسس الصندوق الوطني للديمقراطية عام 1983، وأصر على أن الصندوق الوطني للديمقراطية كان وراء الاحتجاجات. وكانت فكرة أن واشنطن تثير الغليان في هونغ كونغ، من خلال منظمة غير ربحية ممولة تمويلاً ضئيلاً تبدو بعيدة الاحتمال؛ كشيء من كتاب ألعاب خمسينيات القرن العشرين.

اقرأ أيضاً: علم بريطانيا في احتجاجات هونج كونج

لكن الأمر بدا أيضاً وكأنه نوع من النظريات التي من شأنها أن تكون جذابة لموالي الحزب الشيوعي الصيني. والواقع أن شريكي في الغداء كان قد خرج لتوه من دورة تنشيطية طويلة في مدرسة الحزب المركزي، والتي تشكل ساحة التدريب الأيديولوجي الرئيسة للنخبة في الصين، وكان موضوع كيفية التعامل مع هونغ كونغ مدرجاً في المنهج الدراسي.

ومن خلال إلقاء اللوم على واشنطن، كانت بكين تخفف من مسؤوليتها عن الاضطرابات السياسية، التي آثارها تضيق الخناق على هونغ كونغ الذي فرضه الزعيم الصيني، شي جين بينغ، في السنوات الخمس الماضية. فقبل عقود، اتفقت الصين والمملكة المتحدة على أنه عندما ينتهي الحكم البريطاني لهونغ كونغ عام 1997، فسوف يكون للإقليم الحق في حكمٍ خاص به. وبموجب القانون الأساسي، فسوف تتولى بكين تعيين الرئيس التنفيذي لهونغ كونغ؛ لكن الإقليم سوف يحتفظ بهيئته التشريعية الخاصة وقضائه المستقل، على أن يكون الحق في حرية التعبير بمثابة الركيزة الأساسية.

شابة ضمن التظاهرات تتصدى لقنابل الشرطة المسيلة للدموع.. هونغ كونغ 2019- “وول ستريت جورنال”

وقد تم تصميم هذه الترتيبات؛ لكي تستمر حتى عام 2047، عندما تنتقل هونغ كونغ إلى أيدي الصين. وعلى الرغم من أن الاتفاق لم يحدد كتابياً، فقد كان من المفترض عموماً أن هذا الاتفاق سيمنح هونغ كونغ متنفساً حتى ذلك الحين. وفي عام 2019، عندما اقترحت بكين قانوناً لتسليم المجرمين من شأنه أن يسمح بمحاكمة المشتبه فيهم جنائيين بهونغ كونغ في الوطن الأم، اتضح نهج الصين المتغطرس أخيراً، وكان أكثر مما يمكن لسكان هونغ كونغ أن يتحملوه. وبطبيعة الحال، كان العديد منهم يخشون من أن يُلقي قانون تسليم المشتبه بهم جنائياً بظلالٍ واسعة، وأنه سوف يُقبض على أكثر من مجرد أولئك الذين يواجهون مشكلات قانونية.

اقرأ أيضاً: كيف تفرض الصين مقص الرقابة الثقافية والإعلامية على الغرب؟

وكما أوضح كتابان حديثان، فلن يقتصر تأثير ما حدث في هونغ كونغ على سكانها البالغ عددهم 7.5 مليون نسمة فحسب؛ بل سيمتد ليطول المنطقة بأسرها، وبقية العالم أيضاً. فقد كشفت حملة القمع التي تشنها الصين عن أن “شي” عازم على فرض حكمٍ استبدادي على الإقليم المزعج. وفي الوقت نفسه، لم تبد واشنطن رغبة كبيرة في مواجهة الصين بشأن هونغ كونغ. ومع ذلك، فليس هناك أدنى شك في أن الدراما هناك سوف يكون لها تأثير على العلاقات المتوترة بالفعل بين الولايات المتحدة والصين.

بوفيه الغاز المسيل للدموع 

في كتاب «مدينة على صفيح ساخن»، قدم أنتوني دابيران سرداً مثيراً للحركة الاحتجاجية منذ بداياتها عام 2014 إلى المواجهات الطويلة في عام 2019؛ حيث يعيش دبيران في هونغ كونغ منذ 20 عاماً، وهو أسترالي الجنسية. وبصفته مدوناً ومحامياً؛ فقد قدَّم المشورة للعديد من شركات هونغ كونغ، وكان دبيران مقنعاً في تحليله بأن الاحتجاجات كانت محلية، وأنها تولدت إلى حدٍّ كبير بسبب إصرار بكين القاسي على القيام بعملية استيلاء على المستعمرة البريطانية السابقة قبل عقود من امتلاكها أي حق قانوني في القيام بذلك.

أطلقت الشرطة 16 ألف قنبلة غاز مسيل للدموع خلال 7 أشهر من الاحتجاجات في هونغ كونغ- “الجارديان”

وعلى مدار سبعة أشهر من الاحتجاجات التي بدأت في يونيو 2019، أطلقت الشرطة 16 ألف قنبلة غاز مسيل للدموع، أطلقتها داخل محطات مترو الأنفاق، وعلى ممرات مزدحمة، وعلى شرفات الشقق. ووصف سكان هونغ كونغ هذه التكتيكات ساخرين بأنها “بوفيه الغاز المسيل للدموع. كل بقدر ما تستطيع”. وقد احتشدت ممرضات هونغ كونغ، اللواتي عالجن الموجة تلو الأخرى من الضحايا، ضد استخدامه.

وكان للغاز المسيل للدموع دور مزدوج، كما كتب دابيران: “بالإضافة إلى أن للغاز المسيل للدموع تأثيراً نفسياً على أولئك الذين يتم تسميمهم بالغاز، فإن للغاز المسيل للدموع أيضاً تأثيراً نفسياً على أولئك الذين يستخدمونه، من خلال خلق مشهد من العنف والفوضى؛ حيث يعمل على تجسيد الحشد، محوِّلاً إياه من مجموعة من البشر إلى كتلة غاضبة تتلوى”. وسرعان ما أخرجت شرطة هونغ كونغ سلاحاً آخر.

اقرأ أيضاً: غياب المساواة سيقود الصين إلى خيار صارخ

وفي نهاية أغسطس خارج مقر الحكومة، أطلقت الشرطة مدافع المياه على آلاف المتظاهرين. واحتوت المياه المتدفقة على رذاذ الفلفل، وصبغة زرقاء زاهية لا تُمحى. وتُرِك المتظاهرون مبللين يعتصرهم الألم، وأصبح الآن من السهل التعرف عليهم واعتقالهم. ومع تطور الاحتجاجات، قامت بكين إما بمضايقة كبار المسؤولين القياديين في هونغ كونغ وإما محاولة استمالتهم، وهو الأمر الذي أرسل رسالة واضحة حول مَن هو المسؤول الآن. واضطر روبرت هوغ، الرئيس التنفيذي لشركة طيران “كاثي باسيفيك”، والتي تعد رمزاً قوياً لهونغ كونغ؛ باعتبارها مركزاً مالياً لآسيا، إلى الاستقالة عندما أبدى الموظفون تعاطفاً مع المحتجين.

رسالة من سجن هونغ كونغ

كان بإمكان متظاهري 2019 بسهولة استخدام “جوشوا وونغ” كتميمة لهم؛ فقد كان وونغ، الذي يبلغ من العمر 17 عاماً، زعيماً يتمتع بالكاريزما لحركة المظلات عام 2014 -وهي البادرة الحيوية لاحتجاجات 2019- وقد قضى بعد ذلك عدة أحكام بالسجن بسبب نشاطه؛ لكن بدلاً من السعي إلى قيادة الحركة المعارضة الأخيرة لبكين، أيد وونغ فكرة أن احتجاجات عام 2019 يجب أن تنتهج استراتيجية مختلفة، وأن تكون بلا قيادة.

جوشوا وونغ يتحدث إلى الإعلام وأنصاره خارج المجلس التشريعي بعد خروجه من السجن.. يونيو 2019، هونغ كونغ- “بزنس إنسايدر”

ولم يحاول أي من متظاهري عام 2019 الظهور في الواجهة من خلال إلقاء الخطب. وتجول وونغ في الشوارع في ذروة الاحتجاجات كواحدٍ من الحشود، ولم يكن من الممكن التعرف عليه تقريباً إلا عندما ظهر لإجراء مقابلات مع الصحافة الغربية. ويعد كتاب «خطاب غير حر» بمثابة اللوحة التي يرسمها “جوشوا وونغ” لجيله من سكان هونغ كونغ؛ حيث يقدم فهماً أساسياً للسبب وراء خروج الكثير من الناس العاديين إلى الشوارع، والذين لم يكن معظمهم قد اقترب من مظاهرة من قبل. ويوضح أنهم كانوا مخلصين لهونغ كونغ؛ وليس للمملكة المتحدة مثل آبائهم، أو للصين، التي فر منها العديد من أسلافهم.

ويكتب وونغ أنه تعلم عن معدلات التفاوت الاقتصادي المرتفعة بشكلٍ غير عادي في هونغ كونغ، عندما كان طالباً في كلية كريستيان المتحدة، وهي مدرسة ثانوية خاصة في هونغ كونغ؛ حيث كان كبار السن ينقبون في صناديق القمامة، ويدفعون عربات ثقيلة من الورق المعاد تدويره ليتمكنوا من عيش الحد الأدنى من الحياة. وكيف كان العمال المأجورون يعيشون في شقق ضيقة صغيرة.

غلاف كتاب وونغ “خطاب غير حر”- موقع “أمازون”

ومع ذلك، فإن الطبقة الغنية في المدينة، والتي تربطها علاقات ببكين، تمتلك بعضاً من أغلى العقارات في العالم. وعلى الرغم من أن العديد من أفراد فئته العمرية ظلوا على الهامش خلال احتجاجات عام 2014؛ فإن وونغ، كما يوضح، كان مدفوعاً بما سماه حكومة هونغ كونغ “غير الكفؤة” والآثار الاقتصادية والاجتماعية لوباء السارس الذي ضرب هونغ كونغ بشدة.

شاهد: فيديوغراف.. 7 احتجاجات غيَّرت مجرى التاريخ إلى الأبد

ونظراً لمهاراته التنظيمية ووضوحه كناشط مناهض للصين، أمضى وونغ 69 يوماً في سجون هونغ كونغ؛ حيث بلغ 21 عاماً، وأثناء وجوده هناك، احتفظ بمذكرات وأعاد طبعها كجزء من كتابه. والأمر الأكثر بروزاً هو أنه قاد احتجاجاً داخل السجن ضد الحلاقة الإجبارية للرأس كل أسبوعين للنزلاء الجدد. وربما لا ترقى تدويناته إلى مرتبة كلاسيكيات أدب السجون، إلا أنها جذابة كمدخل إلى عقل زعيم احتجاجي شاب شجاع.

قد تكونون التاليين

وحتى مع تصاعد حدة الاحتجاجات خلال عام 2014، ظلت هونغ كونغ تحتل مرتبة متأخرة على أجندة البيت الأبيض، وعلى هامش الحرم الداخلي لتشونغنانهاي، وهو المقر الرسمي لسلطة “شي” في بكين؛ لكن الاضطرابات التي اندلعت عام 2019 أدت إلى جذب هونغ كونغ إلى بؤرة اهتماماته. وقد عرّف “شي” هونغ كونغ بشكل أساسي باعتبارها قضية سيادة؛ مما رفع الثمن الذي يتعين على الولايات المتحدة وحلفائها دفعه إذا حاولوا معارضته.

مسيرة في تايبيه.. الدعم الشعبي لحركة الاحتجاج في هونغ كونغ التي دعمها رئيس تايوان- “وول ستريت جورنال”

وقد تحرك “شي” بسرعة لاحتواء الاحتجاجات. وتسببت جائحة كورونا في تأخير فرضه قانوناً جديداً شديد القسوة للأمن القومي؛ لكنه سيقوم بذلك في غضون بضعة أشهر. والواقع أن القانون الجديد، الذي سيدخل حيز التنفيذ في الثلاثين من يونيو، يضع هونغ كونغ مباشرة تحت سيطرة الصين. فقد أطاح فعلياً بحركة الاحتجاج التي تعاني بالفعل الترنح.

والآن أصبح من المسموح لقوات الأمن التي ظلت مترددة لفترة طويلة في بكين أن تبدأ عمليات في المنطقة. وستكون بكين قادرة على تجاوز القوانين المحلية؛ فالانفصالية، والإرهاب، والتخريب، و”التواطؤ مع القوى الأجنبية” تصنف جميعها على أنها جرائم. كما أن الاستيلاء على هونغ كونغ قد تسبب في ذعر عبر تايوان؛ مما زاد من حدة المعارضة هناك تجاه الصين.

اقرأ أيضاً: هل تستطيع الولايات المتحدة أن تستعيد مصداقيتها في آسيا؟

 وكانت المقاتلات الصينية تحلق في المجال الجوي لتايوان بشكلٍ يومي في الفترة التي سبقت فرض بكين قانون الأمن القومي الجديد في هونغ كونغ. وكان ذلك بمثابة رسالة لا لبس فيها إلى سكان الجزيرة البالغ تعدادهم 23 مليون نسمة: “قد تكونون التاليين”.

ومن شبه المؤكد أن عدم رغبة واشنطن في اتخاذ موقف بشأن هونغ كونغ يعني أن الإقليم سوف يتم استيعابه على نحو مطرد داخل المخطط الصيني الكبير لمنطقة الخليج الكبرى، وهي مدينة ضخمة من المقرر أن يسكنها سبعون مليون نسمة، وتضم 11 مدينة؛ بما في ذلك قوانغتشو وشنتشن المزدهرة. وما كان المركز المالي في آسيا قد يجد نفسه مختزلاً إلى نسخة القرن الحادي والعشرين من قرية صيد الأسماك التي اكتشفها رعايا الملكة فيكتوريا عندما أبحروا إلى الميناء في عام 1841.

♦مراسلة ورئيسة مكتب صحيفة “نيويورك تايمز” في بكين من 2012 إلى 2019.

المصدر: فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة