الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون دولية

دوستويفسكي وفلاديمير بوتين.. ما الذي يجمع بين الكاتب والعميل السابق للمخابرات؟

إلهام الطالبي- برلين

لا تحارب الدول العظمى بعضها بعضاً عسكرياً أو تكنولوجياً فقط كما أشرنا في تقرير “القراصنة جنود جدد في الحرب بأوكرانيا”، لكن هناك حرباً معرفية ثقافية، مثل منع ندوة في إيطاليا عن الكاتب الروسي فيدور دوستويفسكي، وتفكيك صحف ومثقفين غربيين لعلاقة فلاديمير بوتين بكاتب رواية «الشياطين».

ينتقد مثقفون غربيون استحواذ بوتين على الإرث الثقافي الروسي، واستعماله لتغذية الشعور بالاعتزاز والانتماء إلى روسيا، ويطالبون الشعب الروسي بتحرير تاريخهم الأدبي من بوتين، لكن لماذا يحتاج بوتين للأدب الروسي لتقوية نفوذه وسلطته؟

بوتين.. بطل في روايات دوستويفسكي

عندما سُئل الدبلوماسي الأمريكي الشهير هنري كيسنجر عن انطباعه الشخصي عن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مقابلةٍ مع قناة الأخبارية الأمريكية CBS في 18 ديسمبر 2016، في سياق الجدل حول مزاعم تدخل المخابرات الروسية في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، شبه حينها كيسنجر الرئيس الروسي بـأحد أبطال روايات الكاتب الروسي الشهير فيودور دوستويفسكي، مشيراً إلى أن بوتين هو شخص لديه احساس قوي وارتباط بالتاريخ الروسي، ويهتم بشكل كبير بالهوية الروسية التي تعد محوراً أساسياً في كتابات دوستويفسكي.

هنري كيسنجر – وكالات

يرتبط اسم دوستويفسكي بسياسة الروسية، فكثيراً ما يوظف مسؤولون روس مقتطفاتٍ من كتاباته، وكان المتحدث باسم الكرملين؛ دميتري بيسكوف، قد قال عن كيسنجر “كيسنجر يعرف بلدنا جيدًا، كما أنه يعرف كتابنا”.

“إذا احترمنا شعبنا.. سيبدأ الأوروبيون أيضًا في احترامنا”

حول سؤال الهوية الروسية، كتب قديس الأدب الروسي دوستويفسكي “إذا احترمنا شعبنا وجنسيتنا، سيبدأ الأوروبيون أيضًا في احترامنا، سنأخذ في النهاية وجوه كائناتٍ حرة، وليس عبيداً”

كتب دوستويفسكي عن البؤس والمهمشين، والمقامرين، لكنه نجح في أن يجعل القارئ يغوص في الشخصية، لهذا كان مرجعاً مهماً لعلماء النفس الغربيين.

لكن تناوله للهامش لم يمنعه من أن يجعل قراءَه الروس، يعتزون بالانتماء إلى روسيا، أو يتقبلون تلك الخصال السيئة التي توجد في الطبيعة البشرية.

في عام 2006، افتتح بوتين، مع المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل، نصباً تذكارياً لدوستويفسكي في دريسدن- مصدر الصورة “د ب أ”

ما الذي يمكن أن يجمع  الكاتب وبوتين؟

في عام 2021، تم الاحتفال بعيد ميلاد دوستويفسكي الـ 200 في روسيا، وقد أشرف الرئيس الروسي على التحضير للاحتفال بهذا الحدث، تتساءل الاذاعة والتلفزيون الألماني WDR عن ما هي مصلحة الرئيس الروسي من تمجيد دوستويفسكي كرمزٍ وطني؟ ما الذي يمكن أن يجمع  الكاتب وبوتين؟

في برلين 2001، خلال خطاب بوتين في البوندستاغ الألماني، أشاد بالعلاقات الروسية الألمانية بلغةٍ ألمانية رفيعة، وفي عام 2006، افتتح مع المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل نصباً تذكارياً لدوستويفسكي في دريسدن، المدينة التي كتب فيها الكاتب رواية «الشياطين»، وهي الرواية المعادية للثورة والمفضلة لدى نخبة الكرملين، وفي دريسدن أيضاً بدأ بوتين مساره المهني كعميلٍ للمخابرات الروسية.

عندما اتهمت لندن موسكو بأنها العقلُ المدبر لهجومٍ بالغاز السام على الجاسوس الروسي السابق، وربط وزير الخارجية البريطاني السابق، بوريس جونسون، أعذار موسكو بمواقف استجواب راسكولينكوف من كتاب دوستويفسكي «الجريمة والعقاب»، قائلا: “إنها مثل بداية الجريمة والعقاب: الجميع يعرف أن المتهم مذنب”.

رواية «الشياطين» الرواية المعادية للثورة والمفضلة لدى نخبة الكرملين، كتبها دوستويفسكي في ألمانيا

في أوائل مارس، بعد وقتٍ قصير من اندلاع الحرب ضد أوكرانيا، أبلغت جامعةُ ميلانو- الكاتبَ الإيطالي باولو نوري بأنه تم “تأجيل” ندوته حول دوستويفسكي. أثار قرار الجامعة جدلاً محتدماً جعل الكاتب الإيطالي مشهوراً.

“فهم العقلية الروسية”

يحظى دوستويفسكي بشعبية في العالم، لكن ما هو شعور الشباب في روسيا إزاء كتاباته، وفي هذا الصدد تقول طالبة الأدب في موسكو ماريا غوبي بفينغ، في حديثها مع WDR، “عندما كنت أقرأ الإخوة كارامازوف، أحسست أنه إذا كان لدي أخت، فمن الممكن أن أعيش ذلك، لا أتخيل أي شخص روسي لا يوجد في كتابات دوستويفسكي، إنه فهم العقلية الروسية والتفكير الروسي بشكل كبير”.

في مارس 1846، بعد نشر روايته الأولى «الفقراء»، أصبح دوستويفسكي نجماً ساطعاً على الساحة الأدبية، وتعرف في الاجتماعات السرية لدائرة بيتراشوفسكي اليسارية، على أعمال الاشتراكيين الفرنسيين الأوائل، وتعاطف مع الثوار الأوروبيين.

اقرأ أيضاً: هل تصبح أوكرانيا ساحة تدريب للنازيين الجدد؟

علاقة دوستويفسكي بأوروبا معقدة

تصف صحيفة زود دويتشه زايتونغ الألمانية علاقة دوستويفسكي بأوروبا بأنها معقدة، يشوبها نوعٌ من الحب والكراهية، مشيرة إلى أن الحقبة السوفيتية لم تكن سهلة بالنسبة لدوستويفسكي، لأنه شكك في الثوريين اليساريين في روايته «الشياطين». وكان حينها يعتبر رجعياً، لكنه اليوم بات في زمن بوتين “رمزاً وطنياً”.

تضيف الصحيفة، أن أي شخص يرغب في أن ينتقد الحداثة من وجهة نظر روسية، يمكنه العودة لكتابات مؤلف رواية «الشياطين»، حيث يشير إلى أن الخلاص الوحيد يكمن في أن يكون الناس روسيين، لكن بشرط أن تقاوم روسيا الإغراءات المادية والإلحاد، وبلاء التنوير الأوروبي.

لكن في المقابل، يقول العالم الأدبي بافيل فوكين “لا تزال هناك حاجة إلى دوستويفسكي اليوم حتى يتمكن الإنسان المعاصر من العثور على ذاته مرة أخرى”.

دوستويفسكي

دوستويفسكي رمز للأدب العالمي

تتبع دوستويفسكي في أعماله الذات البشرية، ولد في 11 نوفمبر 1821 في موسكو، وقد عانى من المرض، وإدمان القمار، والخوف من الموت، والمصاعب المالية. في سنٍّ مبكرة حُكم عليه بالإعدام، بسبب قربه من المعارضين اليساريين.. ثم تم تخفيف عقوبة الإعدام إلى نفيه مع المجرمين سنواتٍ في سيبيريا.

من وجهة نظر العديد من النقاد الأدبيين، تعد روايات دوستويفسكي من بين أفضل الروايات في الأدب العالمي، ولها تأثير تاريخي.

شاهد: فيديوغراف …هل تكفي ترجمة الكلاسيكيات بين الأدبَين العربي والروسي؟

يعتقد العديد من الخبراء أن دوستويفسكي أثر في الأدب العالمي أكثر من معاصريه ليو تولستوي (صاحب «الحرب والسلام»، وأب آخر للأدب الروسي) وإيفان تورجينيف (صاحب «آباء وأبناء»).

دوستويفسكي قديس الأدب الروسي كان يعتقد أنه سيُنسى بعد موته، لكنه لا زال إلى يومنا هذا رمزاً للأدب العالمي، نجح في الغوص في الذات الروسية، وإثراء الأدب الروسي، فلا يمكن الحديث عن روسيا بدون ذكر اسمه، ربما هذا ما جعل من الحرب في أوكرانيا، تدفع الصحف والمثقفين الغربيين إلى العودة إلى كتاباته من جديد.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

إلهام الطالبي

كاتبة صحفية مغربية