الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

دور واشنطن في الانقلابات العسكرية في إفريقيا “قراءة في ما صنع الحداد”

الانقلابات الإفريقية أجبرت مؤشر البوصلة على الانحراف عن الغرب قليلاً والتمايل أمام خريطة روسيا

كيوبوست- عبدالجليل سليمان

عقب انهيار الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة بإعلان مقتضب من الرئيسَين الأمريكي بوش الأب، والسوفييتي بوريس يلتسن، عام 1992، تم إطلاق برنامج ديمقراطي نيوليبرالي في إفريقيا؛ حيث وُعِدت شعوبها بالتحرر من الاستبداد العسكري، لصالح التعددية السياسية وسيادة القانون والحريات العامة والخاصة.

اقرأ أيضاً: الانقلابات في إفريقيا.. مَن الذي ينسف الاستقرار؟

 وهكذا، وبعد عدة عقود من ذلك، كان يُفترض أن تكون الانقلابات نادرة، إن لم تكن شيئاً من الماضي، وأن تكون الديكتاتوريات محض ذكريات لتاريخ سياسي ممهور بالدم والألم؛ لكن ذلك لم يحدث.

6 انقلابات عسكرية؛ 5 منها في عام 2021، والسادس في بداية الذي يليه، غيَّرت معالم السياسة في إفريقيا، وأجبرت مؤشر بوصلة علاقاتها الخارجية إلى الانحراف عن الغرب قليلاً والتمايل أمام خريطة روسيا ووضع موسكو كوجهة محتملة لتحالف جديد.

قاعدة أغاديز الأمريكية للطائرات دون طيار بالنيجر- وكالات

بطبيعة الحال، فإن هذه الانقلابات لم تكن مفارقة لتقاليد السياسة الإفريقية المتعارف عليها منذ استقلال معظم دول القارة عن المستعمرين الأوروبيين،  فبحلول عام 2022 بلغت حصيلة الانقلابات والمحاولات الانقلابية في إفريقيا (ما بعد الاستقلال) أكثر من 200، كما كانت هناك محاولة انقلاب واحدة على الأقل كل 55 يوماً في ستينيات وسبعينيات من القرن الماضي؛ الحقبة التي شهدت خلالها أكثر من 90٪ من الدول الإفريقية تجارب انقلابية.

ليس صحيحاً

وفي السياق ذاته، نشرت يومية “وول ستريت جورنال“، مؤخراً، تقريراً ذكرت خلاله أن الجيوش الإفريقية التي دربتها أمريكا تطيح بالأنظمة المنتخبة بطريقة ديمقراطية، وأن التمردات الجارية في القارة تعطل الاستراتيجية الأمنية الأمريكية وتمنح روسيا منفذاً لتوسيع تأثيرها.

اقرأ أيضاً: مستقبل “مالي” بين مطرقة الجهاديين وسندان فاغنر

ربما أثرت الانقلابات الستة على الاستراتيجية الأمنية الأمريكية في إفريقيا؛ لكن قطعاً لم تكن الانقلابات العسكرية الأخيرة بسبب التدريبات الأمريكية لبعض الجيوش الإفريقية هنا وهناك، فالانقلابات العسكرية سلوك إفريقي راسخ، وفقاً للكاتب والباحث السياسي في شؤون غرب إفريقيا عثمان موسى، في حديثه إلى “كيوبوست”.

انقلابيون فرنسيون

يضيف موسى أن التدريبات الأمريكية على قلتها، تكاد لا تكون مؤثرة على أداء وتطور الجيوش الإفريقية، التي تتلقى دعماً وتدريباً من دول أخرى؛ مثل فرنسا وبريطانيا وروسيا والصين وكوبا، أكثر مما تتلقى من الولايات المتحدة، رغم أنها تمتلك 29 منشأة عسكرية، وليست قواعد، في 15 دولة؛ فالمنشأة العسكرية الأمريكية الوحيدة التي يمكن أن نطلق عليها قاعدة لديمومتها، هي منشأة ليمونير، بجوار مطار أمبولي في العاصمة الجيبوتية؛ إذ تمثل موطن قوة المهام المشتركة بالقرن الإفريقي (CJTF-HOA)، التابعة للقيادة الأمريكية في إفريقيا (USAFRICOM).

الكولونيل أسيمي غويتا رئيس المجلس العسكري بجمهورية مالي- وكالات

يستطرد موسى: هناك نحو 6 آلاف عسكري ومدني من موظفي وزارة الدفاع الأمريكية في إفريقيا؛ يعمل نحو 3400 منهم في معسكر ليمونير في جيبوتي.

عثمان موسى

بالنسبة إلى دول غرب إفريقيا، فإن الوجود الأمريكي الأكبر في منطقة أغاديز بالنيجر؛ حيث يوجد نحو 8 آلاف جندي ومدني أمريكي في معسكر مستأجر من الجيش النيجري يقع إلى نحو 5 كيلومترات جنوب شرق بلدة أغاديز بالقرب من الحدود مع ليبيا؛ خصصته واشنطن لطائرات الدرونز.

ونفى موسى لـ(كيوبوست) أن يكون أي من قواد الانقلابات العسكرية الأخيرة في إفريقيا تلقى تدريباً متقدماً في الولايات المتحدة الأمريكية، مضيفاً: هؤلاء غالبيتهم درسوا العسكرية في فرنسا، ويحوزون على الجنسية الفرنسية، ولم يذهبوا إلى واشنطن لتلقي تدريبات عسكرية.

يشدد موسى: لذلك فإن الحديث بما يشي أن الانقلابيين الإفريقيين صناعة أمريكية بطريقة ما، فيه نوع من التضليل؛ فهؤلاء صناعة فرنسية ومحلية مشتركة.

اقرأ أيضاً: النيجر.. يد ممدودة للسلم وأخرى تضرب من حديد

بعيدة عن واشنطن

خلال عقدَين من الزمان، وفرت الولايات المتحدة دورات تدريبية قصيرة في مجالات المشاة والقوات المحمولة جواً والحراسة، لنحو 1500 ضابط إفريقي فقط، من 37 دولة؛ وهذا ليس أمراً مؤثراً على بنية الجيوش الإفريقية، بحيث يتيح لهؤلاء الموفدين السيطرة على قياداتها والتقدم لتنظيم انقلابات.

الانقلابات العسكرية في إفريقيا خلال عقود- “بي بي سي”
حسن طويل

الأمر ليس كذلك، يقول حسن طويل، الصحفي المتخصص بالشؤون الإفريقية لـ”كيوبوست”، ويلفت إلى أن الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، سعى إلى إيجاد توازن بين مكافحة الإرهاب والحقوق المدنية؛ لكن السياسة الأمريكية في إفريقيا بشكل عام لا تحفل بالحكومات، إذ لا يهمها أن تكون ديمقراطية أم مستبدة؛ كل ما في الأمر أن تحقق لها مصالحها فقط، دون النظر إلى مصالح الشعوب الإفريقية؛ لذلك فإن التركيز على الأمن أعطى اهتماماً أقل بقضايا الحكم، ففي بعض الأحيان، تحالفت الولايات المتحدة الأمريكية مع أنظمة ديكتاتورية؛ ما اضطر واشنطن إلى عدم التدخُّل أو مساءلة الحكومات عن انتهاكات حقوق الإنسان كما في إثيوبيا، مثلاً؛ حيث كانت القضايا الأمنية تُعد أكثر أهمية.

ترامب يصف الدول الإفريقية بالخربة أمام مفرزة من القادة الأفارقة- وكالات

الدول الخرِبة

يواصل طويل: مع حلول ترامب في البيت الأبيض عام 2017، اتّبع نهجاً اتسم بالسخرية والتقليل من أهمية العلاقة من إفريقيا، وأطلق على دول القارة “الدول الخربة أو المتدنية”؛ لكن عدم الاكتراث الأمريكي للقارة، لم يبدأ في الواقع في عهد ترامب، وإن كان استفحل؛ فإفريقيا لم تكن يوماً من أولويات واشنطن، لذلك أُحيلت السياسة المتعلقة بها إلى كبار البيروقراطيين داخل السلطة التنفيذية، ما أنتج قواعد راسخة لا تتغير إلا بوجود رئيس أمريكي حيوي مثلما حدث مع أوباما.

اقرأ أيضاً: مثلث الإرهاب.. عودة داعش إلى مالي والنيجر وبوركينا فاسو

لذلك، لا أعتقد -يختتم طويل- أن للسياسة الأمريكية ولا للتدريب العسكري ولا الدعم ولا القواعد العسكرية الأمريكية في إفريقيا، أثراً يُذكر في الانقلابات العسكرية التي انتظمت بالقارة؛ خصوصاً غربها في الآونة الأخيرة.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة