الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

دلالات ظهور علي كرتي.. هل ثمة صفقة للعودة؟

يعتقد المراقبون أن ظهور وزير الخارجية السابق في نظام البشير يمهد لعودة رسمية للاخوان المسلمين إلى المشهد السياسي في السودان

كيوبوست- عبد الجليل سليمان

مياهٌ كثيرة جرت تحت الجسر منذ فضِّ الشراكة بين المكونين المدني والعسكري للحكومة الانتقالية، عقب انقلاب قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، أكتوبر 2021.

وكانت الحكومة التي تولت السلطة في السودان عقب سقوط نظام البشير، برئاسة عبد الله حمدوك، واجهت عقباتٍ كبيرة على كافة المستويات، وعملت بجهدٍ كبير لتذليلها، ونجحت في إعادة البلاد إلى المجتمع الدولي كدولة طبيعية بعد أن ظلت منبوذة زهاء عقدين، بسبب السياسة الخارجية المتغطرسة التي انتهجتها جماعة الإخوان منذ انقلابها على حكومة الصادق المهدي المنتخبة في يونيو 1989، بيد أن جهودها في إيجاد تسوية وصيغة مناسبة لإنجاح الشراكة الانتقالية مع المكون العسكري سرعان ما ذهبت أدراج الرياح، إذ تفاقمت الخلافات بينهما بسبب تضاد رؤيتيهما في إدارة البلاد إلى أن قرر المكون العسكري الذي يترأسه قائد الجيش، ورئيس مجلس السيادة الانتقالي، عبد الفتاح البرهان، وضع حد لها بما سماها الحركة التصحيحية حيث أطاح بالحكومة المدنية، ووضع قادتها بمن فيهم رئيس الوزراء عبد الله حمدوك رهن الاعتقال، قبل أن يفرج عنهم مجدداً بسبب الضغوط الداخلية والخارجية.

اقرأ أيضاً: التيار الإسلامي العريض.. هل تحالفت المؤسسة العسكرية السودانية مع الإخوان؟

عودة الإخوان إلى الواجهة

ما أن دانت السلطة للجيش منفرداً حتى أعلنت معظم التيارات الإسلامية، خاصة جماعة الإخوان ممثلة فيما يسمى بالحركة الإسلامية السودانية دعمها وتأييدها له، فالتقط البرهان، الذي يرجِّح كثيرون انتماءه للإخوان، فقد كان قيادياً في الحزب الحاكم، القفاز وأعاد كوادر الجماعة من الصف الثاني إلى الحكومة، وفتح المجال السياسي والاقتصادي أمام التنظيم المحظور عن العمل السياسي لعشرة أعوام.

رويداً، ومع فشل الانقلاب بتشكيل حكومةٍ؛ منذ أكتوبر 2021 وحتى الآن، عاد الإخوان المسلمين إلى الساحة السياسية بقوة عبر واجهاتٍ جديدة، أهمها ما يُعرف بالتيار الإسلامي العريض، يضم التيار الإسلامي العريض نحو 10 فصائل، تنتمي معظمها إلى تيار الإخوان، بينما يدين بعضها بالولاء لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

البرهان يصافح الرئيس المخلوع البشير، عقب تسميته مفتشاً عاماً للقوات المسلحة السودانية، فبراير 2019- وكالات

لم يلبث إعلان هذا التيار شهراً، حتى أطلقت السلطات سراح رئيس حزب المؤتمر الوطني بالإنابة إبراهيم غندور وقادة الصف الأول من الحزب الحاكم السابق، ثم سمحت لعلي كرتي، وزير الخارجية الأسبق، وللأمين العام المكلف للحركة الإسلامية السودانية، الذي ظل مختبئاً منذ سقوط النظام السابق بالظهور على شاشة فضائية “طيبة” المملوكة للقيادي الإخواني البارز، عبد الحي يوسف، الذي هرب إلى تركيا حيث يقيم الآن، وتبث فضائيته من هناك، إلا أنها بعثت موفداً خاصاً إلى الخرطوم لإجراء حوار مع كرتي، الأمر الذي عده مراقبون إعلاناً صريحاً لعودة الإخوان إلى الواجهة، من خلال صفقة مع قائد الجيش عبد الفتاح البرهان.

ظهور على كرتي، أثار جدلاً كبيراً في الأوساط السياسية السودانية، فضلاً عن المحاور الإقليمية والمجتمع الدولي، ولم يقعده حتى الآن، فالجماعة التي حكمت السودان لثلاثة عقودٍ بالحديد والنار، ومزقت البلاد إلى دولتين، وأشعلت الحرب في كل أنحاء البلاد، ودمرت الاقتصاد، وعزلت الدولة عن المجتمع الدولي، بعد أن تم تصنيف السودان راعياً للإرهاب، لا أحد يرغب -غير المكون العسكري- بعودتها إلى الواجهة مجدداً.

اقرأ أيضاً: “الأصالة والتنمية”.. ذراع سياسية جديدة لجماعة الإخوان في السودان

تنسيق محتمل

وفي السياق، علّق الصحفي والمحلل السياسي محمد عبد الباقي فضل السيد، على ظهور كرتي في هذا التوقيت، بقوله، كان واضحاً منذ البداية أن انقلاب البرهان تم بالتشاور مع الحركة الإسلامية، وعلى رأسها الأمين العام المكلف، ويبدو أنه كان أحد صناع الأحداث الجسيمة التي أضعفت حكومة عبد الله حمدوك، وعلى رأسها أحداث شرق السودان، من إغلاق للموانئ والطرق الرئيسية، وانفلات أمني واسع النطاق، وضائقة معيشية غير مسبوقة.

مشهد من حفل تدشين التيار الإسلامي العريض- وكالات

يضيف فضل السيد لـ”كيوبوست”، ما يدلل على أن كرتي هو أحد عرّابي انقلاب البرهان، قوله في المقابلة التلفزيونية، “نحن في الطريق إن شاء الله إلى تطبيع الأوضاع عامة، لنخرج من هذه الحالة الاستثنائية”، فما معنى هذا غير عودة الإخوان إلى الحكم مجدداً؟

خاصة وأن كرتي وصف الفترة منذ إطاحة البشير، وإلى سبتمبر 2020، أي قبل انقلاب 25 أكتوبر بفترة انهيار الدولة، واختطافها بواسطة مجموعة صغيرة؛ يقصد قوى إعلان الحرية والتغيير التي شكلت حكومة عبد الله حمدوك، فيما استثنى الشركاء الآخرين ممثلين في الجيش وقوات الدعم السريع، والحركات المتمردة السابقة التي وقعت على اتفاق جوبا للسلام، أي شركاء الانقلاب، بما يعني أنه أخلى مسؤوليتهم عن ما سماه بالانهيار واختطاف الدولة.

محمد عبدالباقي

بالنسبة لفضل السيد، فإن إعادة الإسلاميين إلى السلطة شبه مستحيل، فالشعب قال كلمته الفصل إزاءهم، وستبوؤ محاولات البرهان المتتالية في هذا الخصوص بالفشل، كما حدث في مراتٍ كثيرة سابقة، خاصة أن الاحتجاجات الرافضة للحكم العسكري، ولعودة الإخوان، لا تزال جارية على الأرض، كما أن المحيط الإقليمي -عدا قلة- والمجتمع الدولي برمته، ضد الانقلاب وضد عودة النظام السابق، لذلك فإن أمام الانقلاب خيارين لا ثالث لهما، إما إعادة الأمور بأسرع ما يمكن إلى ما كانت عليه قبل 25 أكتوبر 2021، وإما مواجهة الرفض الشعبي المتزايد بالعنف، وهذا خيار عالٍ الكلفة.

اقرأ أيضاً: الفساد المقدس.. جمعية القرآن الكريم السودانية خارج الرقابة وفوق القانون

ورقة ضغط

الجميل الفاضل

من جهته، ينظر الصحفي والمحلل السياسي الجميل الفاضل، إلى ظهور علي كرتي، بأنه ربما كان الأمر محض ورقة ضغط يستخدمها البرهان والإخوان لتخويف قوى الثورة الفاعلة بأن البديل هو الحركة الإسلامية حال لم يقبلوا بالتسوية مجدداً والعودة إلى الحكومة وفق رؤية المكون العسكري، مع غض النظر عن التحقيق في مذبحة فض الاعتصام، وما تلا ذلك من أعمال قتل مستمرة حتى هذه اللحظة، وهذا يتطلب بالضرورة إفشال مساعي فولكر بيرتس رئيس بعثة الأمم المتحدة بالسودان إلى السودان نحو إيجاد صفقة سياسية وصيغة توافقية بين الأطراف السياسية، وتشكيل حكومة مدنية جديدة، لذلك فإن التيار الإسلامي يعمل ليل نهار على إطاحة جهود فولكر وتحريض المكون العسكري على طرده من السودان، وتنظيم بعض التظاهرات ضد الوجود الأممي في البلاد، حيث يعتقد الإسلاميون أن عودتهم إلى السلطة مرهونة بالتخلص من البعثة الأممية، وهذا ما سيحدث في الأيام المقبلة، إذ أتوقع أن يتواصل الضغط ضد رئيس البعثة، وأن يتم تجنيد بعض الإعلاميين لتشويه سمعته، وتحريض الإدارات الأهلية (شيوخ القبائل) ضده؛ تمهيداً لاستصدار قرار بإبعاده عن البلاد وإلغاء مهمة البعثة، إلا أن هذا السيناريو، إن حدث، ستكون تكلفته باهظة، إذ يعني ذلك ببساطة عودة البلاد إلى قائمة الدول الراعية للإرهاب، وفرض حظر اقتصادي ودبلوماسي عليها مجدداً.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة