الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

دلالات تأسيس باباجان حزبًا سياسيًّا جديدًا

كيوبوست

قدمت مجموعة من رفاق نائب رئيس الوزراء الأسبق علي باباجان، في 9 مارس الجاري، أوراق تسجيل حزبه السياسي الجديد إلى وزارة الداخلية، والذي سيُعرف باسم “حزب الديمقراطية والتقدم”؛ وهو مؤلف من النواب السابقين في حزب العدالة والتنمية الحاكم.

ويلاحظ أن الحزب يحظى بدعم من جانب رئيس الجمهورية السابق عبدالله غل، كما يضم سياسيين بارزين ووزراء سابقين واقتصاديين ودبلوماسيين وقادة عسكريين أُطيح بهم من الجيش التركي عقب محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو 2016؛ وهو ما يثير التساؤل حول نجاح الحزب الجديد في التأثير على شعبية حزب العدالة والتنمية، وهزيمته في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

علي باباجان

ويكشف تأسيس الحزب الجديد في هذا التوقيت عن عدد من الملامح؛ والتي يمكن تفصيلها على النحو التالي:

  • تحدي هيمنة أردوغان على المشهد السياسي التركي: يُعد باباجان من العناصر المؤثرة داخل حكومة حزب العدالة والتنمية، فقد شغل مناصب: وزير الاقتصاد والخارجية، وكبير مفاوضي ملف انضمام بلاده إلى الاتحاد الأوروبي، وكذلك نائب أردوغان عندما كان الأخير يشغل منصب رئيس الوزراء[1]، كما أنه يعزى الفضل لباباجان في تحقيق حكومة حزب العدالة والتنمية إنجازات اقتصادية في السنوات الأولى لحكم أردوغان؛ بما أسهم في تعزيز شعبية الحزب، والفوز بالانتخابات البرلمانية الواحدة تلو الأخرى[2].
  • الاستفادة من تراجع شعبية أردوغان: مثَّلت أحد العوامل التي دفعت باباجان إلى الإعلان عن تأسيس حزبه الجديد في هذا التوقيت النكسات المتتالية التي يتعرَّض إليها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، سواء أكانت داخليًّا أم خارجيًّا. فعلى الصعيد الداخلي، قام أردوغان خلال العامَين الأخيرَين بالتدخل في طريقة عمل البنك المركزي التركي، وذلك بهدف تحفيز النمو الاقتصادي، ووقف انهيار قيمة العملة التركية (الليرة) أمام العملات الأجنبية؛ ولذلك أقال حاكم البنك المركزي مراد تشيتن كايا، وعيَّن مراد أويسال بدلًا منه في منتصف 2019؛ لتعزيز سيطرته على قراراته، غير أن هذه السياسات لم يترتب عليها سوى استمرار انهيار الليرة التركية، وزيادة مخاوف المستثمرين الأجانب من تدخل أردوغان في عمل البنك المركزي؛ بما أسهم في هروب الاستثمارات الأجنبية من البلاد.

اقرأ أيضًا: وثيقة جديدة تكشف نشاطات تركيا التجسسية في 92 دولة حول العالم

وعلى الصعيد الخارجي، شرع أردوغان في تبنِّي سياسات تدخلية مكلفة، وذلك على الرغم من تردِّي الأوضاع الاقتصادية، فضلًا عن عدم تعافي الجيش التركي بعد من إجراءات التطهير التي قام ولا يزال يقوم بها حتى الآن، وهو الأمر الذي ترتب عليه حدوث انتكاسات واضحة للجيش التركي في سوريا، بعد إخفاق الجيش التركي مدعومًا بالتنظيمات الإرهابية من إجبار الجيش السوري على التراجع عن الانتصارات الميدانية التي حققها في محافظة إدلب السورية؛ بل وتأكدت هذه الخسائر بعد توصُّل أردوغان إلى هدنة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في أوائل مارس 2020، والتي أقر فيها أردوغان بهذه الخسائر؛ خصوصًا بعد رفض واشنطن التدخل عسكريًّا لدعم “مغامراته” في مواجهة موسكو، كما وصفتها وزارة الدفاع الأمريكية.

اقرأ أيضًا: تراجع النفوذ التركي في السودان بعد عزل البشير

وعلى الجانب الآخر، فإن خسائر أردوغان العسكرية في سوريا ؛ خصوصًا سقوط قتلى أتراك، قد انعكست سلبًا على أوضاع الاقتصاد التركي؛ فقد أدى مقتل 33 جنديًّا تركيًّا في سوريا في فبراير 2020 إلى انخفاض قيمة الليرة بنحو 0.2% مقابل الدولار، ليبلغ إجمالي الانخفاض في قيمة العملة منذ بداية العام نحو 4%[3].

أما سياسيًّا، فكان تدخل أردوغان العسكري في سوريا مجالًا للتراشق السياسي؛ بل والعراك بين حزب العدالة والتنمية الحاكم والمعارضة في البرلمان التركي، خصوصًا بعد اتهام العضو البرلماني إنجين أوزكوتش عن حزب الشعب الجمهوري المعارض، أردوغان بعدم احترام الجنود الذين لقوا حتفهم الأسبوع الماضي في إدلب بسوريا، كما أكد أوزكوتش أنه بينما قام الرئيس التركي بإرسال أبناء الشعب التركي للقتال، تجنَّب نجله الخدمة العسكرية طويلة الأجل[4].

أردوغان رفقة فايز السراج – أرشيف

ومن جهة أخرى، فإن تدخل أنقرة لدعم حكومة الوفاق الوطني في ليبيا، لم يترتب عليه أي تغيير يُذكر في تعديل موازين القوى لصالح الأخيرة، أو دعمها لفك حصار الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر، للعاصمة طرابلس؛ بل إن المتغير الجديد هو اعتراف أردوغان نفسه بسقوط قتلى من الجنود الأتراك في العمليات العسكرية الجارية في ليبيا[5]. وفي كلتا الحالتَين حاول أردوغان إخفاء هزائمه عبر التأكيد أن الجيش التركي تمكن من إسقاط المئات من القوات المناوئة له في سوريا وليبيا، دون وجود أي طرف محايد يؤكد الادعاءات التركية، والتي يبدو أنها موجهة للاستهلاك المحلي، وتقليل التكلفة السياسية المترتبة على سقوط أتراك في سوريا.

  • الانفتاح على مختلف الأطياف في الساحة التركية: يلاحظ أن التركيبة الجديدة للحزب لم تقتصر على المنشقين سابقًا من حزب العدالة والتنمية؛ ولكنها ضمت أطيافًا سياسية متنوعة، فقد احتوت القائمة التأسيسية للحزب الجديد على قيادات ونواب برلمانيين سابقين عن حزب العدالة والتنمية، الحاكم؛ مثل سعدالله أرغين وزير العدل الأسبق، ونهاد أرغون وزير الصناعة والعلوم والتكنولوجيا الأسبق، فضلًا عن قيادات سابقة بالجيش[6]. كما ضم الحزب بعض الأسماء التي كانت تُمارس السياسة في أحزاب مختلفة، وعلى مقربة من الخط الليبرالي الديمقراطي للحزب الجديد.

اقرأ أيضًا: ليبيا.. طريق تركيا للسيطرة على منطقة البحر المتوسط

ويلاحظ أن عبدالله غل أعلن دعمه للحزب الجديد، وإن لم ينضم إليه. ومن اللافت أن غل، الذي كان من أبرز رموز السياسيين الإسلاميين صرَّح بأن “مشروع الإسلام السياسي قد انهار في جميع أنحاء العالم”[7]، وهو ما يؤشر على أن الحزب الجديد لن تكون هويته إسلامية؛ ولكنه سوف يسعى لأن يكون حزبًا معتدلًا يجمع بين القيم الإسلامية والليبرالية، وهو بذلك مرشح لمنافسة حزب العدالة والتنمية، والذي كان قد استفاد من تبنِّي بعض الأحزاب التركية سياسات علمانية متطرفة تجافي القيم الدينية؛ وهو ما جعلها تخسر أصوات القاعدة المحافظة في تركيا.

اقرأ أيضًا: ماذا يعني الوجود العسكري الدائم لـ”حزب الله” في سوريا؟

ومن الملاحظ أن الأحزاب السياسية بدأت تتعلم الدرس؛ وهو ما بدا واضحًا من فوز أكرم إمام أوغلو، حزب الشعب الجمهوري العلماني المعارض، ببلدية إسطنبول في الانتخابات المحلية في مارس 2019، فقد كان أحد أسباب فوزه هو رفضه إعلان مواقف سياسية تنفر الناخبين ذوي التوجهات الدينية المحافظة؛ بل وحرص على إبداء سياسات داعمة لهم. ويبدو أن الأحزاب الجديدة في تركيا تتجه إلى استغلال ذلك وتبنِّي قيم إسلامية- ليبرالية منفتحة؛ بما يؤهلها لمنافسة حزب العدالة والتنمية، حيث صرَّح باباجان قائلًا: “نحن بحاجة إلى إعادة تأسيس دولة تركية تكون أكثر ملاءمة للعيش؛ دولة قائمة على القيم العالمية التي تعزز المبادئ الإنسانية، والحريات والديمقراطية وسيادة القانون”.

  • الحاجة إلى تأسيس تحالف حزبي واسع: على الرغم من انشقاق باباجان عن “العدالة والتنمية”؛ فإنه ليس الانشقاق الأول، فقد سبق تأسيس هذا الحزب إعلان داود أوغلو، تأسيس حزبه الجديد “المستقبل” في ديسمبر 2019؛ بينما أعلن رجل الأعمال التركي بدري يالتشين، الذي سبق أن كان عضوًا في حزب العدالة والتنمية، حزبًا جديدًا في يناير 2020 يحمل اسم “حزب اتحاد الأناضول”.

وتزامن هذا الاتجاه مع إعلان المحكمة العليا في تركيا في فبراير 2020، انخفاض أعضاء “العدالة والتنمية”، بأكثر من 15 ألف عضو خلال 50 يومًا فقط، وهو مؤشر على تراجع شعبية حزب العدالة والتنمية، وانضمام المنشقين عنه إلى هذه الأحزاب الجديدة؛ الأمر الذي يتطلب أن تتجه هذه الأحزاب المنشقة إلى التنسيق والتعاون الانتخابي في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، حتى لا تؤدي الانقسامات في ما بينها إلى ضياع أصوات الناخبين المحافظين وتشتتها، بما يرتبه ذلك من تراجع وزنها الانتخابي؛ خصوصًا أن أردوغان برع في استغلال الانقسامات في الأحزاب المناهضة له من أجل إحكام سيطرته على النظام السياسي التركي.

المراجع

[1] https://bit.ly/3aJ6BYs

[2]  https://bit.ly/2TZA2i4

[3]  https://bit.ly/3cMYcoF

[4]  https://bit.ly/33dsUTt

[5]  https://bit.ly/3aLvjY9

[6]  https://bit.ly/2Q5bwea

[7]  https://bit.ly/3cLphsm

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة